المحور الثاني: معيقات التواصل مع الغرب

يجد المهتمون بدراسة العلاقات بين الغرب والإسلام عراقيل عديدة، تقف حجر عثرة للدفع قدما بنسج علاقات متميزة بين الحضارتين، وكل هذ الأسباب عارضة يمكن تجاوزها، لكنها تحتاج إلى حسن نية وثقة بداية، ثم إلى صبر ولطف وعزم على التعاون؛ إن الإنسانية اليوم في حاجة أكثر إلى تكاثف جهود جميع أبنائها، والجلوس إلى طاولة الحوار والبحث عن سبل التعايش وإخراج الإنسانية مما تعيشه من اضطرابات، وقد ظهرت مؤسسات دولية غربية تحمل مشاريع إنسانية مهمة لا يمكن تجاهلها، عكس الحكومات التي تسعى فقط إلى مصلحة شعوبها وتجاهل الشعوب الأخرى؛ إن الإمام المجدد يظهر حرصا منقطع النظير كي تتوب الحضارة الغربية، وتعلم أن مصلحتها في الاستجابة لنداء الفطرة الإسلامية، التي تسعى إلى إسعاد الإنسان دنيا وأخرى، وقد بدأت فعلا أفواج من الناس دراسة الإسلام والالتزام به، بل ونشره والدعوة عليه، رغم التعتيم الإعلامي؛ كما أن الإمام المجدد له اقتناع تام أن الغرب سيبحث عن مصلحته والتي سيجدها حتما في المرجعية الإسلامية الرحيمة الحكيمة، لكن ذلك الموعد دونه عقبات ومعيقات، يرصدها الإمام في محاولة لدراستها بموضوعية وإيجاد حلول ناجعة لها.

الفقرة الأولى – “نهاية التاريخ”

تعتبر الحضارة الغربية اليوم نفسها سيدة العالم، وحق لها، وهي ترى أنها وصلت مرتبة تاريخية لم تبلغها حضارة من قبل، وككل الحضارات، فإنها تسعى جاهدة إلى المحافظة على هذه المكانة بجميع السبل، ونشر القيم والمبادئ التي تتبناها، وتعتبر كل فكرة مخالفة تهديدا لوجودها، وقد ظهرت في التاريخ القديم والحديث “صراعات بين الحضارات”، آخرها الصراع بين الغرب الليبرالي والشرق الشيوعي فيما عرف بـ”الحرب الباردة”؛ بعد سقوط المعسكر الشرقي، اقتنع الغرب أكثر أن حضارته هي الأصلح، وما دونها يجب إقصاؤه ومواجهته، فظهرت أفكار وصلت حد النظريات، تمجد الغرب وتبوئه مكانة مستعلية على الحضارات الأخرى، وقد دعمت بعض الأوساط الغربية هذه الأفكار ونشرتها على أوسع نطاق، رغم الانتقادات الكثيرة التي وجهت إليها، مثل نظرية صراع الحضارات لصمويل هنتغتون) ونظرية نهاية التاريخ لفرنسيس فوكوياما). وتقوم نظرية هذا الأخير على أن ما نشهده الآن ليس نهاية للحرب الباردة أو مرور فترة معينة لمرحلة ما بعد الحرب، وإنما نهاية للتاريخ، بوضع حد للأفكار الإيديولوجية في التاريخ الإنساني وانتشار قيم الليبرالية الديمقراطية الغربية.

زاد من تعنت الغرب وإحساسه بالقوة والاستعلاء، التفوق التكنولوجي الذي وصل إليه، فحضارته هي الأقوى، وليس له الوقت لمراجعة أفكاره ونقدها، مادامت شعوبه تعيش الرفاهية والسعادة الدنيوية، يقول الإمام: أتحدث إذن عن الله واليوم الآخر لحداثة أصمها الصخب العصري، وأعماها بريق الصورة الملونة، وفتنتها الأضواء، أضواء الآني، وأغواها سحر الطرق السيارة الإلكترونية*، وأذهلها عالم الفرضيات) 1 . قد يكون للغرب جانب من الصواب، مع ما يرى من تخلف سياسي واجتماعي واقتصادي، خاصة في الدول العربية، يقول الإمام: كيف السبيل إلى إسماع صوتك وإقناع عالم متخم وأنت تنتمي إلى عالم جائع؟) 2 ، ويقول أيضا: بعيد المنال هو التواصل المتبادَل بين حداثة مُنَعَّمة، لا يزعجها بؤس المستضعفين الذي يظهر على شاشات التلفزة كل يوم: إبادة رهيبة في الجزائر ومذابح وحشية في رواندا، بؤس ووحشية دموية يتبرأ منهما المواطن العادي والمسؤول السياسي باتهام “الإرهابيين الإسلاميين المتوحشين” أو بتنظيم مساعدة إنسانية تمكنهما من تسلية ضمير يتألم.)كيف السبيل إلى التواصل مع عالم متخم بالمتع المادية التي ينطبع ترفها المخزي على لوحة المجازر اللاإنسانية التي يرتكبها محميو الحداثة اللاييكية والديمقراطية في الجزائر وفي غيرها من البقاع؟) 3 ، لأن الغرب منطقه هو اللاييكية ومنهجه التجربة، يقول الإمام: الفكرة الواضحة والموضوعية مرفوضة من طرف حداثة عدوانية إن لم تخضع هذه الفكرة للمنطق اللاييكي الذي يحظى وحده بالقبول. مهما كانت الفكرة مسالمة والاقتراح سمحا ومنفتحا للحوار فهي منبوذة بين مواطني ثقافة وذهنية وقوة اقتصادية وسياسية وعسكرية مستعلية صعبة المرِاس، متجاهلة لكل نظرة مضادة تدعي أنها قادرة على فتح العيون العمياء، عيون الحداثة، لكي ترى نور النهار) 4 ، فالغرب الآن قوة اقتصادية، يعتمد أساسا على المصلحة وكسب الربح، يقول الإمام صعبٌ تذكير الإنسان الحديث أن الله هو خالقنا لا الإله الدولار، لا الإله الفائدة الربوية ولا القوة العسكرية لفرعون اليوم، ولا الهيمنة الاقتصادية لقارون هذا الزمان) 5 .

الفقرة الثانية – تكبر الغرب

عرف التاريخ القديم والحديث بروز قوى عالمية تتحكم في المشهد السياسي العالمي وتقوده وتتحكم فيه وتحاول نشر مبادئه وقيمه، وقد أعطى التاريخ المعاصر الفرصة للغرب لأن يتبوأ قيادة العالم، لكن بنفسية المتكبر المتعالي، فقد سطر في بداية تاريخه حملة على البلدان المستضعفة، يقتل أبناءها ويستعبدهم ، ويسرق خيراتها، وقد بنى حضارته، ولا يزال، على موارد الشعوب الأخرى؛ لكن ما يعاب أكثر على الحضارة الغربية اليوم، هو القصور المتعمد في نشر وتطبيق العدالة الدولية، فالقانون الدولي أصلا وضعته الدول القوية، وهو يصب في مصلحتها، فكيف يمكن تفسير أن تتحكم في مصير الدول والشعوب، مثلا، الدول الخمسة الدائمة العضوية في مجلس الأمن؟ رغم علات ونقائص هذا الأخير. إن الدول الغربية باستطاعتها نشر السلام والأمن الدوليين، لكنها تتجاهل ما يقع في كثير من بقاع العالم “المتخلف”، بل إنها تستفيد من هذه النزاعات، خاصة بتجارة السلاح. يقول الإمام منتقدا القانون الدولي الحالي: التواصل بين أهل الشمال وأهل الجنوب صعب. يكاد يكون ذا اتجاه واحد: تفرض قوة الشمال استبدادها عبر بنود إلزامية، ويواري الجنوب خجله مسميا خضوعه “تعاونا وديا”) 6 .

الفقرة الثالثة – الأحكام المسبقة الخاطئة

يدل مصطلح الأحكام المسبقة على الصورة التي يرسمها الآخر، والآراء التي يعتمدها ويتبناها دون دراسة علمية ومعلومات مضبوطة، أو دون ممارسة ميدانية كاملة، وقد تكون هذه الأحكام نتيجة جهل مبرر، كالتعميم والتسرع في إصدار الأحكام، أو بصفة متعمدة وممنهجة، كما تقوم به بعض الدوائر المعادية للإسلام بنية سيئة. وفي كلتا الحالتين فإن الطرفين، الغربي والإسلامي، مدعوان إلى إبداء حسن النية ابتداء، ونسج علاقة من الثقة المتبادلة المؤدية إلى فهم الآخر، وقد بدأت مبادرات من الطرفين، خاصة المشتغلين في المجتمع المدني، تعمل على تقريب الهوة بينهما. يقول الإمام: التواصل مع حداثة غربية شمالية مشحونة ضد الإسلام يصبح مستحيلا عندما نكون ملتحين ونتحدث عن الله وننحدر من الجنوب. يحكم على الإسلامي المتحدث عن الله مسبقا بأنه متعصب وظلامي ومتخلف وإرهابي ومُدان فوراً دون محاكمة) 7 . ويبحث الإمام عن مخرج لهذه المعضلة، ويكتب: للتواصل مع الحداثة التي تحكم عليك بأحكام مسبقة ومضادة، ينبغي بلوغ أذن متحررة ومستعدة للاستماع إلى صوت الآخر. كم هو عزيز وجود هذا الاستعداد وسط العقول المتمترسة وراء اعتقادات جاهزة وإصرار عجيب على عدم الاستماع) 8 .

الفقرة الرابعة – الآلة الدعائية العدائية

يعتبر الإعلام وسيلة مهمة في نقل الخبر إلى الإنسان، وقد عرف تطورات مهمة في الآونة الأخيرة، واليوم تسيطر عليه مؤسسات صهيونية عالمية، خاصة في “بلاد الحرية” الولايات الأمريكية المتحدة، وتعمل بشكل ممنهج على “شيطنة العدو”، كما فعلت في السابق خلال الحرب الباردة، وما تقوم به اليوم من دعاية مضللة ضد الإسلام والإسلاميين، كما أنها وسيلة هامة لتبرير التدخلات العسكرية في “الدول المارقة”، فقد قام صحفي بلجيكي يدعى “ميشال كولون” بتتبع الحملات العسكرية التي تقودها الدول الغربية، واستنتج أن التضليل الذي تمارسه وسائل الإعلام على مستوى العالم، لا يعود إلى أخطاء فردية أو محدودة، وإنما هو عبارة عن حملة إعلامية منظَّمة، ويؤكد على أنَّ الحروب لا تبدأ بالقنابل، وإنما تبدأ بصحافة كاذبة، ليخلص إلى أن دور الإعلام في هذه الحالة يتمثَّل في حمل الرأي العام الغربيِّ على دعم تلك الحروب، أو على الأقلِّ عدم الوقوف ضدَّها؛ يقول الإمام: إن سلطة الدعاية العدائية وطَرَقاتها اليومية صنعت ذهنية موجهة ضد كل من يتحدث بلغة أخرى غير لغة “الرضوخ المتعاون” مع الوصاية الثقافية والهيمنة السياسية الاقتصادية للغرب) 9 . فالإعلام العدائي يقف حجرة عثرة أمام التواصل مع الغرب، لما يقدمه من أكاذيب مضللة عن الإسلام خاصة، يقول الإمام: لا بد من جهد جبار ومثابرة ومصابرة لإزالة الغشاوة التي تضعها على العيون، كل يوم وبشكل متزايد، حملةُ التحقير العدائي للإسلام التي يقوم بالدعاية لها صناع الصورة المُدعمة بـ”الرأي الموثوق به” للعلماء المتخصصين) 10 ؛ فالآلة الإعلامية العدائية اليوم تقوم بدور خبيث لتصوير الآخر المخالف، خاصة الإسلامي الملتحي، على أنه عدو وشر يسعى إلى الحرب والمقاتلة، وما “قانون الإرهاب” عنا ببعيد، فما من حادثة سيئة تقع في العالم، إلا و”الإسلامي الملتحي المجاهد” هو الفاعل دون مراجعة أو تحقيق، فهو متهم دائما حتى تثبت براءته، يقول الإمام: أدنى حركة تُعرَض بمهارة وتحلل ويعلق عليها للتوضيح والبرهنة على مدى عنف هذه “السحنات الإجرامية”، سحنات القتلة المولهين بالله) 11 .

طالع أيضا  الإسلام والغرب في كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين (1)

الفقرة الخامسة – الحرب

عرفت فترات كثيرة من التاريخ الإنساني نشوب حروب قاتلة بين الدول، وقد كانت فترات السلم هي الاستثناء، وعرف القرن العشرون أكبر حربين على مدار التاريخ، خربت أوروبا بأكملها في مقابل ملايين القتلى والجرحى، وبعد انتهاء هاتين الحربين المدمرتين مباشرة، تم تأسيس الأمم المتحدة التي وضعت ميثاقا يحرم الحرب بصفة نهائية؛ لكن الملاحظ أن الدول الغربية نفسها التي وضعت هذا الميثاق، ما زالت تقوم بخرق سافر للقانون الدولي، وتقوم بين الفينة والأخرى بالقيام بحرب مباشرة أو بالوكالة، وما ذلك إلا إرضاء للمجمعات الصناعية العسكرية التي تنتج الأسلحة، وتحتاج إلى بيعها وذلك بافتعال النزاعات المسلحة خاصة في الدول “المتخلفة”.

تعتبر حرب الخليج أكبر حرب قادها الغرب بعد انتهاء الحرب الباردة، لتأديب “نمرود العراق”، الرئيس حسين صدام، وقد وقف الإمام عندها كثيرا في مقدمة كتاب “أسلمة الحداثة”، مؤكدا على أن العدالة الدولية التي نادى بها دعاة السلام ما زالت أحلاما، وحبرا على ورق، يقول الإمام: المعارضة الحازمة لروسيا والصين والموقف الذي اتخذه الرئيس شيراك هيأ الميدان للتدخل الشجاع والحكيم للكاتب العام للأمم المتحدة الإفريقي كوفي عنان. هل هو تحول في الدبلوماسية العالمية وصفحة جديدة في تاريخ الأمم المتحدة الباهت لحد الآن؟) 12 ، كما أن الغرب الذي صنع صدام العراق، هو نفسه الذي ثار ضده، وجوع وقتل شعبا بلا ذنب، إن الحكام الغربيين والعرب على حد سواء مساهمون في الويلات التي تحدث للإنسانية اليوم، يقول الإمام: وإن الشعوب العربية التي هزتها، لحظة، الضربة الأمريكية المرتقبة الفاشلة، سرعان ما ستسقط في اللامبالاة، متفرجة لاهية بالإنجازات المسرحية للرؤساء المستكبرين الذين يكشرون في وجه العدو أمام الناس لكي يخرّوا رُكّعا أمام حذاء الأقوى في الكواليس) 13 ، ويقدم الإمام استنتاجا مهما، ويدعو الضمير الدولي الإنساني للبحث عن مخرج لما تعانيه الإنسانية من ويلات الحروب، التي لا يستفيد منها إلا أفراد قلائل، يقول: تقنية التسلح الحديثة، مثل التكنولوجيا بصفة عامة، بعيدة كل البعد عن كونها وسيلة في خدمة السلم في العالم أو أداة للدفاع عنه وعن حرية الإنسان. صارت تقنية التسلح أكثر تطوراً ليزيد تدميرها للإنسان وإرهابها للبشرية. الألغام المضادة للأشخاص، هذه المنتجات الجهنمية المدسوسة تحت الأرض، تبتر رجل الطفل الذي يلهو وهو في طريقه إلى المدرسة، أو تبقر بطن الفلاح المشتغل في حقله. أدوات الموت هاته والتي تباع بثمن بخس لا يمكن إبطال مفعولها إلا بواسطة نفقات باهظة يرفض الغرب دفعها) 14 .

طالع أيضا  الإسلام والغرب في فكر الإمام عبد السلام ياسين (2)

الفقرة السادسة – التحالف الصليبي الصهيوني

“المسيحية الصهيونية” هي ايديولوجيا دينية سياسية حديثة العهد نسبياً، ظهرت في القرن السابع عشر في انجلترا، ثم انتقلت إلى الولايات الأمريكية المتحدة. لكن جذورها تعود إلى معتقد ديني قديم يرجع الى القرن الاول للمسيحية ويسمى بتيار “الألفية”. وقد استطاعت هذه الحركة الصهيونية أصلا التسلل إلى المسيحية وتحريف مجموعة من مبادئها، وظهرت حركات تسعى إلى إقامة الدولة اليهودية، ومنها جماعة تدعى “الولادة الثانية”، ومن بين معتقداتها، أن السيد المسيح سيولد مرة ثانية، وهذا نوع من التحايل على المسيحية حتى تدعم هذه العقيدة، وتدعي الحركة أن نزول السيد المسيح ينزل بعد قيام الدولة اليهودية، وهذا من بين التفسيرات التي يقدمها المتتبعون، للحملة العسكرية التي قادها جورج بوش الأب ضد العراق، وابنه من بعده فيما عرف بـ”الحرب على الإرهاب”؛ ثم إن أخطر ما قامت به الصهيونية هو إدخال مجموعة من الأفكار الخاطئة للديانة المسيحية، فغيرت مجموعة من الحقائق التاريخية وزورتها، خاصة تاريخ موكب الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام، خدمة لأهدافها، يقول الإمام: (…) رغم أنني أعلم أن هذا الإملاء يحمل علامة ودلالات التوراة التي تسللت قديما إلى اللغة الفرنسية خلال القرون التي كانت لاتينية الكنيسة الكاثوليكية المرجع الوحيد لبنت الكنيسة البكر فرنسا. (….) هذيان اليهود وإضافات الحاخامات تقبع في مكانها… إن الشتائم التي كيلت لأنبياء التوراة لا تستحق التوقف عندها. إن اليد التي صورت نمرود بأوصاف “الصياد الباسل أمام الإله الخالد” هي نفس اليد التي تروج الشتائم في حق أنبياء الله المحاربين الاستبدادَ النمرودي والمحطمين الأصنام) 15 . ويقول: هؤلاء الرسل بشر لا ينسلخون عن بشريتهم، لكن قلوبهم وأرواحهم وأفعالهم تهتدي بنور الله. لا علاقة لهم بالصورة التي تعرضها العقيدة النصرانية وتعاليم الأناجيل التي تؤله عيسى بن مريم العذراء عليها وعلى نبي الله عيسى بن مريم أزكى السلام) 16 .

طالع أيضا  الإسلام والغرب في فكر الإمام المجدد (4)

الفقرة السابعة – اللغة المستعارة

اعتاد الكتاب والمؤلفون على تخصيص جزء هام من بداية المؤلف على توضيح لأهم المصطلحات التي يتم تداولها، ذلك أن المصطلح قد يحمل حمولة فكرية مختلفة، كل واحد يفهمه من مرجعيته الفكرية التي يؤمن بها؛ ويحذر الإمام في مجموعة من كتاباته من “جناية المصطلحات” التي يتم فهمها دون سياقها الموضوعي والتاريخي، وقد تزيد الهوة بين المتحاورين بسبب بسيط، يرجع إلى هذا العائق الفكري، هذا إذا كانت اللغة نفسها، أما إذا اختلفت اللغة فالأمر أشد تعقيدا؛ ويقر الإمام بصعوبة التحاور مع الحضارة الغربية، ذلك أن اللغة تلعب دورا مهما في التواصل مع الآخر، يقول: وآمل ألا يكون للفراغ الروحي الذي تتخبط فيه اللغات الدنيوية تأثير على خطابي غير الحاذق نظراً لتغربه في اللغة المستعارة التي أراني مضطراً إلى استعمالها. عندما تتغير اللغة يتغير التنوير كما تتغير طريقة التصدي للمشاكل، السياسي منها والاجتماعي والاقتصادي، ويحتل الكلي الصدارة) 17 . ويقول: أن تأتمن على رسالة الإسلام لغةً يعرف عالَمُها الدلالي والثقافي فرقا صارخا بل معارضا للإسلام هو في حد ذاته شروع في عدم التفاهم وعدم التواصل) 18 ، ويحذر أيضا من مستوى آخر من العائق الفكري اللغوي، حين يتحدث عن الترجمة إلى اللغة الأخرى، أو الاشتقاق اللغوي، فمصطلح “religion” يوحي بعلمانية الدولة التي أنتجتها الثورة الفرنسية، تحت شعار “دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر”، وجعلت “التدين” شأنا خاصا بعيدا عن الحياة العامة، ومقتصرا على أداء شعائر جوفاء يوما في الأسبوع، أو حتى في السنة، وسائر الأيام هي في إطار الحرية الشخصية، يفعل المواطن ما يشاء، ليعاود الاتصال مرة أخرى بالكنيسة، ويقر بخطاياه، ويمنح صكا للغفران؛ إن الإسلام أشمل من حضارة تسعى إلى إسعاد الناس في دنياهم، وإنما يتخطاها إلى السعادة الأخروية والأبدية، وهو نظام شامل يعالج القضايا الفردية والجماعية على السواء، يقول الإمام: ليس الإسلام “رولجيون” بالمعنى الناقص والسافل للكلمة، لكنه استسلام لله خالقنا. ليس الإسلام “رولجيون”، بل هو خضوع للشرع المنزل. الإسلام مشاركة كاملة وعازمة في الحياة الإنسانية، في التاريخ الإنساني وفي الحدث الإنساني) 19 .


[1] * الطرق السيارة الإلكترونية هي الأنترنيت / الإسلام والحداثة، ص 8.\
[2] نفس المرجع، ص 15.\
[3] نفس المرجع، ص 14.\
[4] نفس المرجع، نفس 15.\
[5] نفس المرجع، نفس الصفحة.\
[6] نفس المرجع، ص 13.\
[7] نفس المرجع، نفس الصفحة.\
[8] نفس المرجع، ص 14.\
[9] نفس المرجع، نفس الصفحة.\
[10] نفس المرجع، ص 13، 14.\
[11] نفس المرجع، ص 13.\
[12] نفس المرجع، ص 19.\
[13] نفس المرجع، ص 20.\
[14] نفس المرجع، ص 21.\
[15] نفس المرجع، ص 27.\
[16] نفسه.\
[17] نفس المرجع، ص 7 و8.\
[18] نفس المرجع، ص 25.\
[19] نفس المرجع، ص 31.\