أجرى موقع الجماعة نت حوارا مقتضبا مع الدكتور عبد الواحد متوكل، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان ورئيس دائرتها السياسية، بمناسبة حصوله على شهادة الدكتوراه من قسم العلوم السياسية بجامعة إكسيتر (Exeter) بإنجلترا، عن أطروحة العدل والإحسان: نشأتها واستراتيجيتها للتغيير السياسي والاجتماعي بالمغرب).

ركز الحوار على دواعي حرصه على نيل شهادة الدكتوراه في هذه المرحلة من العمر، وأهمية التفرغ لذلك، على أن يرجع الموقع، لاحقا، لمحاورة الرجل حول مضامين أطروحته وبحثه عن العدل والإحسان ورؤيتها للتغيير.

نبارك لك بداية ذ. عبد الواحد متوكل حصولك على شهادة الدكتوراه ونطرح عليك السؤال البديهي: لماذا الدكتوراه في هذه المرحلة من العمر؟

هذا السؤال طرحه علي أكثر من واحد، أذكر أنني لما وطئت قدماي الجامعة في أول يوم لحضور اللقاء الرسمي لاستقبال الطلبة الباحثين الجدد، كان لي حوار مع أحد الأساتذة فسألني هذا السؤال: لماذا تريد أن تهيئ شهادة الدكتوراه؟ فأجبت على الفور: محبة للعلم والمعرفة، فضحك وضحكت، لعله ظن أني كنت مازحا لأنه من الصعب أن يقبل شخص في سني خوض معمعان البحث الأكاديمي وما يعنيه ذلك من متاعب وتوتر لذلك السبب وحسب، وقد كان الاستغراب أشد من قبل بعض الطلبة والناس الذين تعرفت عليهم هناك في الجامعة وخارجها لما علموا أني لا أريد بهذه الشهادة تغيير إطار العمل أو الحصول على ترقية في الأجر أو البحث عن منصب أفضل، إذن فما هو الدافع يا ترى؟

هناك عاملان أساسيان: الأول هو ما ذكرت أني بالفعل لدي ميل عميق وقديم لطلب المعرفة والاستزادة منها. وأحب الأماكن التي كنت أزورها كلما تيسرت الفرصة وأكون خارج الوطن هي الجامعات والمكتبات، وفي هذا الموضوع تفاصيل أخرى لا يتسع المقام لذكرها، والحافز الثاني هو الفراغ المهول في الكتابة بالإنجليزية عن الحركة الإسلامية في المغرب وشمال إفريقيا عموما، ومعظم ما هو موجود سطحي ولا يستند إلى معطيات دقيقة وبالتالي تأتي الاستنتاجات خاطئة وفي بعض الأحيان، لا أبالغ، مضحكة.

وفي تقديرك إلى أي شيء تعزو هذا الفراغ الذي تتحدث عنه؟

هناك عدة أسباب منها عامل اللغة، فالذي يريد أن يقوم بالبحث في منطقتنا لا بد أن يكون له زاد معتبر من اللغة العربية أساسا لكون جل المصادر باللغة العربية والفرنسية لأسباب تاريخية معروفة، لكن الناطقين بالإنجليزية قلما يعرفون لغات أخرى، وبالتالي فإن كثيرا من الباحثين يفضلون الذهاب إلى الشرق الأوسط لأن استعمال اللغة الإنجليزية شائع والتواصل لذلك سيكون ميسرا، والسبب الآخر هو أن بعض الباحثين يعتقدون -خطأ طبعا- أن الحركات الإسلامية شيء واحد على اعتبار أنها تنطلق من مرجعية واحدة وأهدافها واحدة وبالتالي فإن التمييز بينها ليس له جدوى علمية. وبناء عليه فإن دراسة أي مكون من مكونات الحركة الإسلامية في العالم العربي والإسلامي يكون كافيا لمعرفتها والخروج بخلاصات تنطبق على كل فصائل الحركة الإسلامية. وهذا تصور خاطئ يتجاهل التمايزات الواقعة بين مكونات الحركة الإسلامية ليس فقط على العالم العربي والإسلامي بل وحتى داخل القطر الواحد.

وهل كان من الضروري الذهاب إلى بريطانيا للقيام بهذه الدراسة، ألم يكن ممكنا القيام بها هنا بإحدى الجامعات المغربية؟

بصراحة لقد كان الذهاب هناك هو الأنسب لي لاعتبارات أهمها وجود فضاء حر للبحث والدراسة يتناسبان مع طبيعة الموضوع الذي تناولته بالبحث، وهذا مع الأسف مفقود بشكل كبير في بلدنا وطلبتنا يعانون معاناة شديدة من غياب كبير لحرية البحث الأكاديمي. وإن القلب ليعتصر ألما لسوء أحوال جامعاتنا وما آلت إليه من بؤس سواء في مساحة الحرية أو في اﻹمكانيات المرصودة. في حين تجد أن اﻹدارة أو الأستاذ هناك قد يختلفان معك اختلافا جذريا ولكنهما يحترمان رأيك، وأنا هنا لا أعمم ولكني أتحدث عن الجو العام، ووسائل الدراسة متوفرة بشكل كبير، فهناك المكتبات الضخمة وأماكن المطالعة الهادئة والمفتوحة بالليل والنهار، وتجد التشجيع الدائم والاستعداد لمساعدة الباحثين على تجاوز ما قد يعترضهم من عقبات، وهناك التأطير للباحثين على طول السنة في مجالات شتى، ابتداء من كيفية استعمال أدوات البحث والاستفادة من المراجع إلى كيفية الإعداد لما يسمونه بالـviva، يوم مناقشة الدكتوراه، هذا بالإضافة إلى الندوات العلمية والمؤتمرات والمحاضرات العامة والمتخصصة والتي لا تنقطع على امتداد السنة، فالجامعة فضاء حي يعج بالحيوية والنشاط قد يخف نسبيا أيام العطل لكنه لا ينقطع، بل إن وقت الطالب والباحث لا يتسع لكل الأنشطة، وبالتالي يصبح من اللازم الانتقاء واختيار ما يتفق واهتمامات كل باحث. لذلك أردت أن أستفيد من معرفتي باللغة اﻹنجليزية التي كنت امتهنت تدريسها هنا في المغرب، ثم حصلت على الماجستير في العلوم السياسية من ابريطانيا، وأن أكتب باﻹنجليزية وأساهم بما أستطيع لتوضيح بعض اﻹشكالات والمفاهيم الخاطئة حول الحركة اﻹسلامية عموما والعدل واﻹحسان بصفة خاصة.