شكلت موجة الحراك الشعبي نقطة تحول مهمة، ساهمت في تذليل عقبات التقاء الإسلاميين والعلمانيين على مطلب إسقاط الاستبداد والفساد، ومحاولة إنجاز التوافق بناء على توحد القضايا المشتركة والمصيرية بين المشروعين.

وشاءت الأقدار أن تجمع ساحات النضال بين مختلف التوجهات، بين الشباب اليساري والإسلامي جنبا إلى جنب، خلال نقاشات الجموع العامة ومحطات التعبئة الشعبية والفعل الاحتجاجي، حيث شكلت هذه اللحظات إرثا نضاليا مهما ودرسا عمليا في قوة العمل المشترك.

ومع مرور الوقت والاحتكاك اليومي خلال المد الاحتجاجي، تبين أن الكثير من المواقف المجانية وكذا جملة من المغالطات التي تروجها دعاية الاستبداد إذكاء للكراهية بين التيارات، لم تساهم إلا في تمديد مشروع الأنظمة المستبدة وتأجيل فرصة التغيير.

إن غياب وحدة الموقف وتباعد الرؤى من بعض القضايا هو في الأصل امتداد لمسار سياسي مغلق تحكمت فيه الأنساق السياسية والاجتماعية لبنية الأنظمة الحاكمة، حيث تراكمت لتشكل أزمة بنيوية في تدبير الاختلاف بين مختلف المكونات المجتمعية، توسعت بشراء الذمم والولاءات، والخوض في نقاشات بيزنطية على حساب المطالب الكبرى للشعوب.

ولعل الدرس التونسي التوافقي – رغم الملاحظات التي قد تسجل عليه – بين أنه بالمقدور الاجتماع على ميثاق جامع، لو غلب الجميع مصلحة الشعب، رغم أن سلوك حركة النهضة الذي اتسم بالتعقل والواقعية، قوبل بالمزايدة السياسية لدى بعض الفصائل اليسارية التونسية التي فهمت من حجم التنازلات المقدمة ضعفا للتيار الإسلامي، فسارعت إلى الابتزاز عبر استخلاص المنافع التي لم تتمكن من تحصيلها عبر صناديق الاقتراع.

أما الدرس المصري فقد فضح أدعياء الديمقراطية الذين تحالفوا مع الانقلاب الدموي أو صمتوا عن جرائم الإبادة الجماعية.

لقد برهنت مجريات الاحتجاج الشعبي بما لا يدع مجالا للشك، استحالة استفراد طرف سياسي أو تيار بعينه بتحمل أعباء التغيير وبناء غد الحرية والكرامة والعدالة.

درس قوي وجهه التنسيق الميداني الشعبي لمختلف التيارات للقيام بالدور الأساسي في مسار التغيير تلخص في القطع مع سلوكيات الماضي في الصراع السياسي النفعي ومرض الزعامة وتغليب مصلحة الشعوب والتعالي على الاختلاف المذهبي والمرجعي وتقوية جوامع المشترك، لبناء جبهة التغيير التي تسع كل الغيورين الأحرار.

إن التواصل له بعد إنساني قبل أي بعد آخر، قال الله عزوجل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ الحجرات الآية 13.

نختم هذا المقال بقطوف من كلام رجل أكد في جل مؤلفاته على أن التواصل خيار استراتيجي وليس ضرورة تكتيكية.

يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى:

ذلك أننا لنا دعوة نريد أن نبلغها للعالمين. وهي دعوة رفق لا عنف، وصدق لا نفاق، وترغيب لا ترهيب، واختيار لا إكراه. وأفضل مناخ لتبليغ رسالتنا هو السلام في العالم والتواصل والتعارف والرحمة) (حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص 214).

لا يفيد أن نرفض الحوار مع من يطلب الحوار، ولا أن نستعلي بالإيمان عن الجلوس إلى مناقشة، ولا أن نغتر بالحق الذي ندعو إليه إن عجزنا عن تبليغ حكمة الحق والبرهنة عليها) (الإسلام والقومية العلمانية ص 129).

لا ينبغي أن نؤجل الحوار، ولا أن نستعجل الوفاق) (الخلافة والملك ص 52).

… نحن حريصون على حوار مع الفضلاء الديمقراطيين لو كان بعضهم يفرق بين التنابز في الصحف وبين والكلمة المسئولة، وإن سوء التفاهم بيننا وبين بعضهم ناتج عن أننا نتكلم من مواقع مختلفة ومن مستويين اثنين، ومن يراد له أن يبذل جهدا ليسمع ويتأمل ويقدر الحاضر والمستقبل منهمك في الحاضر لا يلوي على شيء).

… التصدي للحكم في الظروف التي تجتازها الأمة تصد لعواصف وكوارث، واستفزاز لا يحتمل لكوامن البلاء المزمن والبلاء الطارئ. و بما أن الديمقراطية تعددية وتداول وحرية تعبير، فتصدي فِئة من المجتمع دون فئة للحكم تعرض لمشاغبة معارضة تواتيها الفرصة كل يوم لتشَهّر وتخبر).

… كيف اللقاء اليوم وغدا، مع العناصر المخلصة الجادة من الفضلاء على كلمة سواء ترجعنا وإياهم إلى إفراد الله وحده لا شريك له بالعبادة، وإلى كسر الأغلال التي يرسف فيها الشعب، لا يساهم المخلصون في صنع حاضره وتخطيط مستقبله، وإنما يتداول الخدمة على الأعتاب كل انتهازي مستكين عابد وثن؟) (كتاب الشورى والديمقراطية ص 269 + 271).