بمناسبة مشاركته في مسابقة الجائزة العربية للعلوم الاجتماعية والإنسانية، حول موضوع أطوار التاريخ الانتقالية)، التي ينظمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وحصوله على الرتبة الثالثة، أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الأستاذ خالد العسري، أحد رموز جماعة العدل والإحسان والباحث في العلوم السياسية والفكر الإسلامي، حول أهم الخلاصات التي توصل إليها في بحثه المراحل الانتقالية في دول الربيع العربي: رحلة نحو غد مبهم).

كما رجع الحوار مع الباحث إلى ولادة فكرة المشاركة في المسابقة، وسبب تخصيص “المراحل الانتقالية” بالتحليل، و”الأيدي الخفية” التي “احتفت” به لدى وصوله إلى المطار هنا في المغرب !!، وتقييمه لمسارات المراحل الانتقالية في دول الربيع العربي، والصعوبات التي تعترضها، وإمكانية عودة الاستبداد، وأكبر الدروس التي يمكن الاستفادة منها لغد الأمة. فإلى نص الحوار:

كيف جاءت بداية فكرة المشاركة في الجائزة العربية للعلوم الاجتماعية والإنسانية، حول موضوع “أطوار التاريخ الانتقالية”، التي ينظمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات؟ ولماذا موضوع “المرحلة الانتقالية” تحديدا؟

بسم الله الرحمن الرحيم: لم يكن منتظرا مشاركتي في موضوع الجائزة العربية للعلوم الإنسانية والاجتماعية لولا التمديد الذي أقدم عليه المركز في قبول الملخصات حول الموضوع، فنتيجة التراكمات التي تكونت لدى مختلف الناس أن الزبونية، والعلاقات، والألقاب هي التي تصنع الرموز في كل المجالات وليس جدة البحث وإبداع صاحبه، ظلت أي مشاركة علمية أكاديمية مستبعدة، غير أن مصداقية المركز ونوعية بحوثه كانت باعثا حاسما في المشاركة بتحميس من إخوة وأصدقاء أكن لهم كل التقدير.

أما موضوع المرحلة الانتقالية فلست طارئا عليه، فقد شاركت في عدة ندوات همت التداول فيه ظلت بعيدة عن أضواء الإعلام، كما أن انخراطي الوجداني في الحراك الثوري الذي عرفته دول الربيع العربي، واصطفافي الميداني مع الحراك الذي عرفه المغرب ابتداء من فبراير 2011، واهتماماتي الأكاديمية والمعرفية بمستقبل هذه التحولات… كل ذلك كان دافعا من أجل الانتقال من معرفتي بالموضوع من أحكام قيمة إلى الغوص في محاولة رصد إشكال الأطوار الانتقالية في أعمار الشعوب، بمنهجية تتكامل فيها الأبعاد التشخيصية، ومقارنة التجارب، واستخلاص التوصيات التي تسهم في ترشيد تلك المرحلة الحرجة.

المفارقة بين “الثورة” هناك و”الاستثناء” هنا\

ما بين التكريم في تونس، حصولا على الرتبة الثالثة وتقديرا للبحث والباحث، وطريقة الاستقبال في المطار هنا في المغرب، كيف رأيت المفارقة؟

نعم. فوجئت بحقيبة ملابسي دون جميع المسافرين وقد كسر قفلها، وبعثرت محتوياتها بشكل فظيع. وهو فعل صدمني وسار في عكس اتجاه التقدير الذي أبان لي عنه المستشار الثقافي للسفارة المغربية بتونس، والذي اعتبر الفوز تتويجا لكل المغاربة، لكن الأكيد أن مثل هذه التصريحات إنما تستهلك للدعاية الخارجية.

إن المقارنة بين التتويج في تونس وطبيعة الاستقبال في المطارات المغربية تعبر في العمق عن طبيعة الانتقال الحقيقي الذي تعيشه تونس والانتقال المفترى عليه في المغرب. إن المرمى الأساسي للانتقال هو إعادة ترتيب منظومة القيم بما يخالف ما كان عليه الحال في عهد الاستبداد، وتونس اليوم تنتصر للقيم المعرفية بقوة، أما في المغرب فإن الثقافة أصبحت عنوانا حصريا على مهرجانات الغناء وما جاورها، والتي يصرف عليها بسخاء مدهش. إن مختلف مشاركات المغاربة في التظاهرات العلمية العربية والعالمية تظل للأسف في ركن اللامبالاة في أجندة الإعلام الرسمي المغربي الذي من رسالته طمس هذا النوع من المشاركات.

قد يرى البعض بأن عنوان بحثك، “المراحل الانتقالية في دول الربيع العربي: رحلة نحو غد مبهم”، يحمل نوعا من الإيحاء السلبي يشي به الحديث عن الإبهام والغموض؟

لم يكن عنوان البحث عبثا، بل هو خلاصة رصد العشرات من تجارب الانتقال في دول أوربا الشرقية والوسطى، ودول من أمريكا الجنوبية، ودول من إفريقيا، وجميعها تؤكد أن مرحلة الانتقال هي لحظة التردد الخطيرة بين القديم والجديد، حيث تنفتح أطوار الانتقال التاريخية في أعمار الدول والشعوب على سيناريوهات متعددة، والانتقال السلس والسهل إلى بر أمان الديمقراطية يظل احتمالا من بين عدة احتمالات؛ تتضاءل إمكانية تحققه بسبب تصدير النخب لاختلافاتها إلى الشارع، واستثمار ذلك من قبل المؤسسات الوازنة الموروثة عن النظام المنهار، أو بتهديدات التطرف الديني والعلماني داخليا، أو محاولات القوى الإقليمية التلاعب بمصير الوطن بما يخدم أمنها وتصوراتها، أو تداعيات الأزمة الاقتصادية التي تلقي بظلالها القاتمة على الملف الاجتماعي التي تنذر بثورة جياع، أو اللعب على أوتار الانتماءات الأولية طائفية كانت أو لغوية أو قبلية.

في مشاركته في المؤتمر\

البحث سعى، كما قلت في العرض، إلى التدقيق في فرضية “أنّ المرحلة الانتقالية لدول الربيع العربي أكبر من أن تكون تدبيرًا لمرحلة زمنية تنتهي باستفتاء على دستور، وقيام سلطة منتخبة؛ بل إنها مرحلة أطول زمنًا”. كيف ذلك؟

لقد سعى البحث إلى تقليب النظر في مصداقية فرضية كون المرحلة الانتقالية لدول الربيع العربي أكبر من مجرد تدبير مرحلة زمنية تنتهي بالاستفتاء على دستور، وقيام سلطة منتخبة؛ بل هي مرحلة أطول زمنا، ولا يمكن الحسم في نجاحها، وعدم ارتدادها إلا بتحقق تقدم منسجم في مسارات ثلاثة:

بناء الاختيار الديمقراطي: المتوافق مع إفراز وثيقة التعاقد الدستورية، وإقرار الفصل بين السلط، والاعتراف بالتعددية السياسية، والتداول على السلطة من خلال الآلية الانتخابية.بناء قدرة الدولة: المتوافق مع بناء دولة قوية؛ قوتها من قوة مجتمعها المدني، وهيبتها من قدرة بسط نفوذها على امتداد ترابها الوطني؛ ورفعتها من خلال مساواة كل المواطنين أمام قوانين تمثل حقيقة الإرادة العامة.إعادة تشكيل الأمة: المتوافق مع بناء أمة تعترف بحقوق المواطن وواجباته على قدم المساواة، بمعزل عن مختلف الانتماءات الأولية التي تشكل مشاتل ثراء للهوية لا تهديدا لوحدة المجتمع.

في رأيك إذا، نجاح المرحلة الانتقالية رهين بتحقيق تقدُّم متكامل في مسارات ثلاثة هي “بناء الاختيار الديمقراطي، وبناء قدرة الدولة، وإعادة تشكيل الأمة”. كيف يمكن تحقيق هذا التقدم الثلاثي؟ وما التحديات والصعوبات التي يمكن أن تعترضه؟

ما يجب الانطلاق منه ابتداء أن سرعات هذه المسارات الثلاثة تختلف فيما بينها، فالاختيار الديمقراطي تتحقق أولى لبناته بمجرد توافق النخب السياسية على قواعده، وهو ما يستتبع إجراءات استصدار الدستور، وإجراء الانتخابات، والخروج من كل الفراغات المؤسسية التمثيلية التي أفرزتها الحالة الثورية. أما بناء قدرة الدولة فأنت هنا أمام تحديات من نوع آخر، من أهم عناوينها إعادة الهيبة لمؤسسات الدولة، وقدرتها على ترسيخ نفوذها على امتداد التراب الوطني، وإعادة تشكيل المؤسسات الأمنية بما يتوافق مع ثقافة احترام حقوق الإنسان وكرامته، وتخلي مختلف الميليشيات عن سلاحها. إن المزج بين شرعية الاختيار الديمقراطي وقدرة الدولة هو السعي لتحقيق نجاح معادلة الحرية في ظل الاستقرار. وهو ما يسهم لاحقا في إنتاج نسق تنشئة اجتماعية لجيل يعيد ترتيب منظومة قيمه بما يتناسب والقيم التي انتصرت لها الثورات، والتي من أجلها سقط المئات، أو الآلاف من الشهداء. وهو ما يفترض أن المرحلة الانتقالية مرحلة جيل لا مرحلة مؤسسات، أو ما يمكن أن نسميه بالانتقال القيمي الذي يسعى إلى نحت هوية موحدة تعلو على التسييس، وتستحيل على التفتيت.

إذا كان بناء الاختيار الديمقراطي واضحا ارتباطه بالمرحلة الانتقالية، ألا يمكن أن يكون استدعاء “بناء قدرة الدولة” و”إعادة تشكيل الأمة” نوعا من “خلط المراحل”؛ إذ هذه الثنائية ربما ترتبط أكثر بمرحلة “الاستقرار” اللاحقة على “الانتقال”؟

أزعم أن من الأسباب المهمة في فشل تدبير الطور الانتقالي هو الفصل بين مساراته الثلاثة هذه، واعتقاد البعض أن الانتصار للاختيار الديمقراطي وشرعية الصندوق كفيل بالتقدم في مسار الانتقال. هذا اختزال خطير لم يقع فيه الحراك الثوري الذي جمع في شعاراته الجماهيرية المليونية بين الحرية والكرامة والعدالة أو “العِيش”.

نعم، الانتخابات أفضل آلية للتحكيم، لكن فعاليتها تتحقق في الأوضاع المستقرة وليس في الوضعيات الهشة التي تعيشها دول الربيع العربي. فآلية الاقتراع الإجماع الداخلي حولها متوهم، لأنه يتغاضى عن السمات التي تميز المرحلة الانتقالية، حيث الآلية غير مقدسة، ونتائجها غير مسلم بها، وإمكان الانقلاب عليها ليس مستحيلا، كما أنها ليست الممر الوحيد لحيازة الشرعية إلا في الدول التي رسخت فيها الممارسة الديمقراطية، والتي تحتكم إلى شرعية “معيارية” لها مؤشراتها الصارمة.

إن الفشل في مزج هذه المسارات الثلاثة ضمن رؤية استراتيجية موحدة يؤدي إلى تأسيس دولة هشة، يزيد من هشاشتها معطيان بنيويان:

عنف الهويات المتعددة: التي تنشئ وعيا انقساميا يهدد السلم المجتمعي، ويحول دون بناء هوية وطنية موحدة. إننا نكون أما “قيم متصادمة”، لا قيم متصادقة. قوى مستقلة عن نفوذ سلطة الدولة: وهي ما تنعت بالدولة العميقة، وهي توجد خارج نظام الحكم وداخله، وتشكل تحالفات تعمل في الخفاء من أجل تحريف المرحلة الانتقالية عن مسارها الديمقراطي؛ لأنه مسار يهدد امتيازاتها غير القانونية، وتعبر عن طموحاتها من خلال نخب ثقافية وسياسية وإعلامية.

حذرتَ أيضا من إمكانية عودة الاستبداد بعد سقوطه. هل يتصور أن تساعد “الثورةُ” الاستبداد على الرجوع؟ كيف؟

ما من ثورة إلا ويتهددها انقلاب أو ثورة مضادة، والاستسلام للآمال الحالمة دائما ما يواجه بوقائع صادمة. إن ما ينبغي الالتفات إليه هو طبيعة الثورات التي حصلت في دول الربيع العربي، والتي اتخذت ميزة الفعل المجتمعي العام، بمعنى الشراكة الميدانية من مختلف الأطياف المجتمعية في الفعل الثوري، وهو ما جعل مطلب الانتقال إلى دولة مدنية ديمقراطية مقصدا جماعيا. هذا المقصد استبعد كليا استعمال “مكنسة الثورة العملاقة” التي تطهر بشكل حاسم وعنيف أجهزة الدولة من سدنة النظام السابق، كما كان الحال مثلا مع الثورة البولشفية أو الثورة الإيرانية بعنف أقل. سلمية الثورات، وتساهلها الشديد مع مداميك النظام التي قامت الثورة ضده، بل استمرار الاحتكام إلى مؤسساته وقوانينه، وتنازع الشرعية الانتخابية مع الشرعية الثورية قسم الشارع بين الثوار، وجعل من مطلب الاستقرار أولوية عند شرائح شعبية مهمة رأت أن الثورات أفقدتها الأمن، وحريتها لم تمنحها عيشا كريما. فإن أضفنا إلى ذلك المعطى الإقليمي والدولي غير الداعم للحراك الثوري نكون أمام “ثورة” استغلت فيها سذاجة الثوار لينقضوا غزلهم أنكاثا، ويعيدوا التاريخ إلى الأسوأ كما وقع في مصر.

أما في تونس فالتجربة نجحت لمعطيات عدة، وما يهمني في هذا الباب هو وعي الفاعل السياسي بحدود إمكانات قدرته، واستيعابه للمسارات الثلاثة في استراتيجية التغيير. مع التنبيه أن تونس نجحت في مرحلة الانتقال، وهي اليوم في مرحلة تدعيم الانتقال، وهو طور أطول زمنا، وإمكانية الارتداد عنه تظل -لا قدر الله- ممكنة أيضا.

تتمايز تجارب المراحل الانتقالية في دول الربيع العربي. ما المشترك والمختلف في هذه التجارب؟

نتحدث عن الثورات بصيغة الجمع، لأن الملاحظ أن من خاصيات الثورة عدم انحسارها في قطر واحد، بل لديها قابلية التمدد والانتشار خلال زمن قصير، وضمن مجال جغرافي متقارب نسبيا، لذلك تتم الإشارة إلى موجات ثورية عوض الحديث عن ثورة منعزلة إلا فيما ندر، وتشمل الموجة الثورية مجموعة من الدول التي لديها أكثر من مشترك فيما بينها، لكن لا يمكن الحديث بالنسبة لها عن مسار انتقالي موحد ومنسجم، بل هناك انتقال متعدد، ومستقل، ولكل دولة خصوصياتها المحلية، وتتحكم في مسارات الانتقال، بالإضافة إلى الخصوصية التاريخية للدولة، الكيفيةُ التي حصل بها التغيير، والمنهجية التي تتبناها القوى السياسية في تدبير المرحلة الانتقالية، وهو ما يؤول إلى نتائج مطمئنة [تونس مثلا]، أو أخرى مخيبة للتطلعات -إلى حين- عبر عودة الاستبداد بوجوه مدنية أو عسكرية [مصر]، أو تعرف الدولة المعنية مرحلة انتقالية طويلة الأمد مقارنة مع الدول التي رافقتها في تلك الموجة [اليمن، وليبيا بالأخص التي عليها أن تبني الدولة أكثر من بناء النظام].

وما أهم الدروس التي تقدمها هذه التجارب لمستقبل الأمة في مسارها التحرري التغييري؟

إن ما يلاحظ في الفكر السياسي العربي هو غياب “علم الانتقال”، والندرة الهائلة للكتابات في موضوع الانتقال. وحتى القوى التي تؤمن بضرورة التغيير تسقط من حساباتها هذه المرحلة، وتنتقل مباشرة من نقد الواقع إلى رسم سناريو دولتها كما تراها هي. وما وقع في دول الربيع العربي يعيد تسليط الضوء على هذه المنطقة المنسية في الفكر السياسي لإعادة صياغة الأجوبة التي تتناسب مع طور الانتقال.

كما أن من دروس هذه التجارب أنها أثبتت أن النخب الفكرية والسياسية قد تشكل أكبر عائق في عملية التحول السياسي عوض أن تكون له أشد سند. والدرس التونسي ما كان له أن ينجح لولا انفتاح قواه قبل سقوط النظام على بعضها البعض، وإنجازها لمواثيق شكلت أرضية انطلاق لمزيد من التقريب بين مختلف الفرقاء في مرحلة ما بعد سقوط نظام بن علي.

وما يظل مؤكدا أن إرادة الشعوب تنتصر في النهاية، هذا درس التاريخ وهو يتقدم في خط غير مستقيم، حصل هذا في أوربا وأمريكا الجنوبية، ودول من إفريقيا وأخرى من آسيا. وشعوب العالم العربي ما عادت تشكل الاستثناء. نقول يتقدم التاريخ في مسار حلزوني وإنما هو قدر الله يصرفه حيث شاء.