لم يعد من الغريب التطرق والحديث عن ما يعانيه قطاعنا التعليمي والمنظومة التعليمية كلها من أسباب الترهل والإخفاق، بين سيل من البرامج الفاشلة والمخططات المتعاقبة التي لم تستطع النفوذ إلى جوهر الداء وإيجاد حل ينتشل تعليمنا من غيبوبته الطويلة التي أدخل إليها قصرا مند عقود من الزمن، لما صنعته أيادي الإفساد ومعاول التخريب الآثمة الظالمة لحق من حقوق الإنسان في أن يجد تعليما ديمقراطيا نزيها يسمو به في مدارج المعرفة والأخلاق. فالموضوع لم يعد يتحمل مزيد ترقيع ينخر جسم المنظومة التعليمية برمتها، مع ما يمثله هذا القطاع الحيوي بالنسبة لأي أمة من الأمم من أساس للنماء والتطور في شتى مجالات الحياة، بشكل أصبحنا فيه نصنف ضمن أواخر المؤشرات العالمية في جودة التعليم والتنمية البشرية ومحاربة الأمية، وأصبحت دول تعيش تحت نير الحروب والتخلف المدقع في سائر المجالات أحسن حالا منا. وكي لا تتيه بنا الأفكار وتتقاطع بنا المسارات فإنه يهمنا في هذا المقال أن نبسط لأبرز المداخل المقترحة والأساسية التي لا يمكن أن يتم أي إصلاح مرتقب إلا في ظلها وعلى أساسها.

1- وجود إرادة سياسية حقيقية للإصلاح

الارادة هي الرغبة والعزم الأكيد في القيام بشيء معين، ولا شك أن اقتران هذه الأخيرة بمصطلح السياسة، يحيل على الفعل المتعلق بالشأن العام، ولعل الخصوصية التي يتميز بها بلدنا كغيره من البلدان غير الديمقراطية أنه لا يُؤبه لحال الشعب ولا لصوته، كما أن من يملكون سلطة القرار الحقيقي في بلادنا متوارون خلف الستار، بينما المتقمصون لدور الفاعل لا شأن لهم إلا في تأثيث المشهد وايهام الناس بما ليسوا له بفاعلين أو ليسوا عليه بقادرين، لكون أي إصلاح أو تغيير لا بد له من أرضية متينة وأساس قوي يستند عليه ومنطلق ينطلق منه، وهذا لا يتأتى بداية في غياب هذه الإرادة المحركة للساكن والقادرة على خلق الفعل السياسي الشجاع والقوي، والتفكير في حلول جدية وواقعية تستند إلى منطق الأمور، بدل الانكباب على إسكان الآلام ونهج سياسة الترقيع. ولا شك أن ما أوصل التعليم في بلادنا إلى ما هو عليه من ترد يجد أصله في غياب الإرادة الحقيقية التي ظلت محكومة بالأهواء الشخصية والانصياع أمام القرارات والتوصيات الفوقية بالاستمرار في تطبيق السياسات الترقيعية التي أبانت عن فشلها غير ما مرة، من الميثاق مرورا بسياسة الاستعجال إلى ما يتم التحضير له وطبخه في الكواليس.

2- بناء الإصلاح على احترام الهوية الحضارية للشعب المغربي

من منطلق العمق الإسلامي لبلادنا، وذلك باعتباره منظومة كلية لا تتجزأ ولا تنفصل فيه الجوانب الدينية عن الدنيوية ولا الاعتقادية عن السلوكية، مع ما يستتبع ذلك من اعتناء باللغة العربية باعتبارها الأساس في تحقيق العملية التربوية لغايتها وأهدافها، وتوظيفها في ميدان العلوم والتقنيات بما يكفل خدمتها وتطويرها، عوض التيه مع اللغات السمجات، وكذا احترام الخصوصية اللغوية التي يتميز بها بلدنا. فقد أبانت تجارب الأمم والشعوب على أن أي إصلاح يأتي ضدا على القيم والهوية الحضارية للمكون البشري المستهدف لا يكون حليفه إلا الفشل والإخفاق ولو بعد حين، وانطلاقا من كون المغرب الأقصى جزءا لا يتجزأ من الأمة الإسلامية فإنه يتعين عليه إيلاء هذه القيم الحضارية المتأصلة والمتجذرة في التاريخ منتهى العناية والاهتمام، وهو شرط أساسي لأي إصلاح واقعي ومسؤول، ومن دون ذلك لا يمكن إلا أن يستمر نزيف الأجيال وضياع الناشئة في ردهات الثقافة الغربية المنحلة والدوابية المقيتة، لأن تقدم وازدهار أمة من الأمم رهين ومرتبط كل الارتباط بتأهيل العنصر البشري بما يتلائم مع قيم هذا الأخير مع النهل من تجارب الآخرين فيما يفيد، عوض الأخذ من قشور الفكر البشري ما ليس من ورائه طائل.

3- إشراك جميع المتدخلين في بناء الإصلاح

والإشراك هنا يحمل معاني المساهمة الفعلية في صنع القرار والتمهيد له بالأسباب الممكنة والمشاركة في تنفيذه، لتتراءى آثاره في الواقع وتكون له النجاعة الكافية من خلال مراعاته للمصالح المتداخلة بين الفاعلين وتكوين رؤية مشتركة وشاملة للأوضاع السلبية التي تحتاج إلى إصلاح وتقويم، في إطار جو من الحوار الهادئ والبناء الذي يكون الصوت فيه مسموعا والرأي محترما دون تعال من أحد أو استفراد، لأنه لا يستقيم أي إصلاح أو تغيير كيفما كان نوعه دون إشراك مختلف الفاعلين والمتدخلين في بنائه وإلا كان ذلك من قبيل العبث واجترار العبث، فالمنظومة التعليمة باعتبارها مجموعة من العلاقات المرتبطة بين فاعلين محوريين وفاعلين آخرين متدخلين في صنع الفعل التربوي من متعلمين ومعلمين وهيئات إدارية ونقابية وغيرها لا يمكن مطلقا التغافل عن دورها وأهميتها في بناء الإصلاح بدل الاستفراد بالقرار وفرض المخططات التي أوصلتنا الى النفق المسدود.

تبقى هذه هي المداخل الأساسية والمحورية التي نراها بداية صحيحة وسليمة لتغيير ما نحن فيه من ترد لمنظومتنا التعليمية، وهي مقدمة للتغلب على ما دونها من عوائق تقف أمام هذه المنظومة والتي من خلالها يمكن لنا أن نحلم بتعليم ديمقراطي نزيه يصنع أجيالا تكون في خدمة الأمة وازدهارها وتقدمها والتي لا مفر لها إلا بتقويمه وإصلاحه في ظل سلطة الحق والقانون فعلا، لا قولا يردد كل حين، حتى لا يكون التعليم حبيس سياسات ممنهجة، إلى فضاء رحب واسع يكون فيه التعليم الحقيقي حقا وليس امتيازا، وواجبا وليس اختيار.