مبادئ القومة

للتأسيس السليم لقومة الأمة ونهضتها حاضرا ومستقبلا، لفت الإمام ياسين- رحمه الله – الانتباه إلى ضرورة قطع رباط الإعجاب بنماذج الثورات العالمية الجاهلية لإعادة الوصلة وتجديدها بالسيرة النبوية و”التلمذة الذكية” لها استمدادا للخبرة والأسوة، واستقاء للرحمة والحكمة، وبذلك تحظى بصفة الإسلامية؛ يقول: وقومة الإسلام لا يمكن أن تنطبق عليها هذه الصفة إن استعارت من خارج القرآن ورسول القرآن مبادئ وأهدافا) 1 ، لذلك ما فتئ في كتاباته يستلهم مبادئ التربية النبوية وأسرارها وأهدافها ومراحلها، لينسج على المنوال حفاظا على روح التغيير النبوية، واجتهادا في الوسائل والأساليب بما يلائم الزمان والمكان ويساير العصور والأمصار.

ويمكن تحديد ثلاثة مبادئ كبرى تنضوي تحتها العديد من المبادئ الجزئية التفصيلية، وهي التربية والتنظيم وتعبئة الأمة لإعداد القوة الإسلامية الذاتية، يقول رحمه الله: فتربيتنا وتنظيمنا ينبغي أن يعدا القوة الإسلامية الذاتية) 2 ، ويوضح نوع التربية والتنظيم فيقول: فتربيتنا الإيمانية وتنظيمنا الجهادي ينبغي أن يرصدا طاقاتنا ويوجهاها لقومة أعمق أصلا، وأرفع وأوسع منبسطا، من حروب التحرر من الاستعمار وثورات ما بعد التحرر) 3 ، وفيما يأتي بيان ذلك بنوع من التفصيل.

التربية

يعطي الإمام ياسين رحمه الله الأولوية والأسبقية للتربية في كل عملية تغييرية بكل مراحلها وفي شتى مجالاتها، مصداقا لقوله تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم [سورة: 12]، فالتغيير الأنفسي يسبق ويصاحب التغيير الآفاقي، من هنا كان تركيزه منصبا على تغيير الفرد وبنائه وإعادة صياغة تركيبته النفسية والعقلية والسلوكية، معتبرا ذلك:

– مقدمة ضرورية للجهاد: تربية جند الله وتأليفهم مقدمة لكل عمل جهادي ينبري للعظائم) 4 .

– خطوة حاسمة: فيكون تجديد الإيمان وتربيته وتقويته وتعميمه وتكوين جند الله المقاتلين عن الإسلام الخطوة الحاسمة) 5 .

– عنوان نجاح القومة: إن عضو جماعة المسلمين المجاهد إذا كان في مستوى الإيمان والإحسان هو لبنة البناء. فعلى نوعية تربيته يتوقف نجاح القومة الإسلامية في القطر والعالم) 6 .

– برهان فاعلية الأمة: لكن أسبق شيء تحتاجه القومة، وأهم شيء، وأجدى شيء، هم رجال قرآنيون نبويون. من الأمة وإليها ومعها. لا ليفعلوا بها، بل ليوقظوها، ويربوها حتى تصبح فاعلة) 7 .

والحديث عن التربية في فكر الإمام يحتاج إلى بسط لا يسع المقام له في هذا المقال، لكن لا بأس من ذكر أهم ما تسعى إليه باقتضاب شديد:

طالع أيضا  أضواء على الطاعة والشورى في فكر الإمام عبد السلام ياسين

– تعميق الثقة في الله واليقين في موعوده بالتمكين للدين لخير أمة، وموعود رسوله صلى الله عليه وسلم بالخلافة الثانية على منهاج النبوة.

– التربية على الاستقامة على شرع الله تعالى، وعلى مجاهدة النفس لترويضها على الحق.

– تربية الإيمان في القلوب، والعلم في العقول، ودراية التحرك بين الناس في الواقع.

– غرس حب الشهادة في سبيل الله في النفوس.

– تحريك الإرادات وتصعيد الهمم والجهود.

يلح الإمام ياسين رحمه الله على نقطة أساسية في التربية تتمثل في تربية أجيال الإيمان المؤهلة لكل المهمات، وتنظيمها وتأهيلها لتعبئة الأمة، ولحمل أمانة الدعوة وتوارثها جيلا بعد جيل.

التنظيم

سبق في التعريف الثاني للقومة – الوارد في الحلقة الأولى من هذه السلسلة – أنها تعني جهادا منظما لا يتم بدون تربية الأمة وتعبئتها للجهاد الطويل المرير، والنجاح في هذه المهمة الجليلة رهين بتربية جند الله وتأليفيهم وتنظيمهم في تنظيم يُحكم على شرع الله تعالى، وينتظم وفق نواظم بمثابة عواصم 8 ؛ تعصم الناظمة الأولى “الحب في الله” من الأنانيات الفردية المستعلية، وتمتن الروابط القلبية الشعورية بين جند الله، وتعصم الناظمة الثانية “النصيحة والشورى” من إعجاب كل مرء برأيه، ومن التنازع المفضي للفشل، وتربي على الشورى الجماعية الهادية للعمل المنتج المثمر، وتعصم الناظمة الثالثة “الطاعة” من تعطيل القرارات، وتربي على التنفيذ، وتنمي روح العمل الجماعي.

وقد نبه الإمام المجدد للمهام التي ينبغي أن ينبري التنظيم للعمل عليها، يمكن ذكر بعضها في النقاط الآتية:

– معرفة المؤمنة والمؤمن مهمتهما ومهمة الصف الكلية.

– المشاركة في الفهم والتنفيذ والطاعة لقيادة الصف ونظامه.

– توحيد التصور للعمل في كل الواجهات.

– إعداد القوة العلمية والعملية.

– رصد الطاقات وتوجيهها وتأهيلها تأهيلا متوازنا ومتخصصا.

طالع أيضا  إضاءات حول مفهوم القومة عند الإمام عبد السلام ياسين (1)

– إعداد الرجال لكل مناصب الدولة ومواطن الخبرة والقيادة فيها.

– تهيء على مستوى الأرقام والزمان والمكان والموارد والإمكانيات.

– التغلغل في مرافق المجتمع المختلفة.

ولم يفت الإمام المجدد رحمه الله تحديد مواصفات قيادة الصف التي تتقدم به خطوة خطوة:

– قيادة ربانية محسنة تضرب المثل سلوكا ومواقف.

– تعرف السير وبواعثه، والطريق ومداها وهدفها ومراحلها وأخطارها.

– تنهض بالجماهير إلى مستوى المشاركة الإرادية.

يتبع …


[1] رجال القومة والإصلاح، عبد السلام ياسين، ص 28.\
[2] المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، عبد السلام ياسين، ص 10.\
[3] المرجع نفسه، ص 9-10.\
[4] المرجع نفسه، ص 43.\
[5] مقدمات لمستقبل الإسلام، عبد السلام ياسين، ص 20.\
[6] المنهاج النبوي، مرجع سابق، ص 20.\
[7] رجال القومة والإصلاح، مرجع سابق، ص 32.\
[8] جاء في كتاب المنهاج النبوي ص 77: “ونسمي الروابط المعنوية التي تكون روح التنظيم نواظم لقرب المبنى بين كلمة تنظيم وكلمة نواظم. فلا تنظيم إلا بنواظم”، ولمزيد من التفصيل ينظر الكتاب ص 77 إلى 101.\