أولا- معنى ومبنى

الأدب، في الحقل الذي نكتب فيه، هو فن القول والتعبير بلسان وميزان؛ أي بلغة وذوق، الأدب هو احترام لفطرة البشر فطرة الجمال والحُسن، فطرة الله التي فطر الناس عليها. هو انتقاء أطايب الكلم.

الأدب إرشاد إلى الجميل من القول والفعل والحال. والأدب مقال واللغة حال؛ فهي وسيلته وقالبه، ولا يتصور أدب بدون لغة رصينة، ولا أديب عيي الجَنان واللسان.

الأدب هو خلق متجدد متمدد في الزمان والمكان والإنسان؛ يخاطب مكنونات ودواخل النفوس وهي متعطشة للغة تحفظ حقها في المتعة قبل حقها في المعرفة.

إجمالا؛ الأدب من مكونات الفن إلى جانب الغناء والتشكيل والمسرح والسينما… تجمعها الغاية وهي تبليغ الجمال وإبرازه وتفرقها الوسيلة؛ فإذا كانت وسيلة الأدب اللغة، فلغة الغناء الموسيقى ولغة التشكيل الألوان، وتجتمع المكونات كلها أو جلها في المسرح و”السينما” و”الدراما”.. وفي هذا كله ينبغي الأدب مع المشاهد والسامع والقارئ.

ثانيا- تناغمات ونسمات

الأدب من مقتضيات الفن ولوازمه؛ فالفن أدب واحترام لفطر الناس عاشقة الجمال، والأدب فن إخراج أفكار وأحاسيس شاعرة في قالب لغة قد تفي بالمقصود وتحقق المتعة وقد لا تفي. والأخير غالب.

يرتبط الأدب بكل من الذوق والجمال والفن ارتباطات دقيقة، ويتناغم معها تناغمات شقيقة رشيقة. وفي خلال هذه الغمرات تنبعث نسمات ونفحات وحلاوات ومعاني غاب عنها الكثير.

إن الأدب هو احترام ذوق بني الإنسان، والذوق نظر وميزان لم يحطه منطق ولا ضبطته قاعدة أو عقل، وذكر هذا في الحلقة السالفة “ذوقيات” بين ونزيده بيانا في قابل إن شاء الله.

الأدب ذوق رفيع ومجافاة القول الشنيع والتعبير المُريع، والحال الصنيع. الأدب ذوق رفيع في إبراز جمال الكلمة وسحرها، وقوة اللغة وعمق بحرها، وارتباطا بالجمال، هو تنسم وإبراز لسحر الكلمة وحلاوتها تقبلها الأنفس العطشى طالبة المتعة وجمال القول قبل طلبها المعرفة والخبر. وهذا كله يدخل على الفن من بابه الواسع ويسبح في فلكه الشاسع، وفلكه هو الجمال وكفى.

طالع أيضا  نظرات وكياسة في الفن و"الثقافة" (الأولى)

هذه المعاني تجافي وتنافي “ثقافة” سادت اليوم، وهي مبثوثة في إعلام الناس وواقعهم، محتلة لدورهم وبيوتاتهم؛ هي “ثقافة” الأدب الخليع وكل شنيع. “ثقافة” تسبح بحمد الشيطان وتبرر جور السلطان.

إن “الثقافة” اليوم هي وعاء ووسيلة لترويج القبح في كل مناحي الحياة وتصويره بالمونتاج والإخراج “جمالا” في أعين لم تعرف الجمال ولا وجدت ريحه. أعين اختصرت فيها كل الحواس فاختل الميزان وضاع الذوق واغترب الجمال وساء الأدب.

ثالثا- الأدب مع الخلق

خلق الله جل وعلا الكون وما فيه بقدر، وجلى فيه قبسات من جماله الأعظم وهو الجميل ذو الأسماء الحسنى سبحانه سبحانه. وأجلى عنه كل قبيح تكريما للبشر وتعظيما لشأنهم.

إن المشتغلين في حقول الجمال إبرازا له وتبليغا لرسالته بوسائل الأدب والفن والغناء والمسرح، ينبغي عليهم احترام هذه السنن والأدب مع خالقها سبحانه وتعالى، ولا أدب مع البشر نتصوره في هذا المضمار والقلب فلاة خلاء من حب الله وخشيته والأدب معه، هذا صلب أزمة “الثقافة” اليوم. فسوء الأدب الذي نراه اليوم كل غداة وبالعشي منثورا منشورا في كل مكان موقوتا بكل الزمان مهوسا لكل إنسان، مرده إلى هذه الأزمة.

إن الذي لا يتأدب مع الخالق لا حظ له حتما في الأدب مع خلقه.

الأدب الذي تريده الفطر، وهي أحوج إليه اليوم، هو أدب يدل على الخالق عز وجل، يدل على جماله ويهابه لجلاله، أدب يجُب ما قبله من “ثقافات” أوهمت الإنسان بأنه مخلوق عبثي لا موت ولا حساب ولا بعث ولا عذاب…

بعد الاعتصام بهذا الأصل “الاستراتيجي” بلغة العصر، هلم إلي نتنسم المتعة، نغوص ونسبح في بحار اللغة والألسن والمعاني، ونعانق كل السوامي. وإلى لقاء آخر..