ثبت بالملموس وعبر كل المؤشرات التي لا تحتاج إلى تفصيل وتعليل، بأن المسلك السياسي الذي انتهجه النظام السياسي المغربي مع حراك 20 فبراير، بدءا من خطاب 9 مارس2011 ومرورا بالاستفتاء حول الدستور الممنوح في فاتح يوليوز 2011 ثم انتخابات 25 نونبر 2011 التي قاطعتها الأغلبية الساحقة، هو مسلك غير آمن سياسيا وغير ناجع اقتصاديا، بل تتهدده مخاطر وتحفه اضطرابات، لأنه غير مبني على أساس وقواعد متينة، بل بنيان على شفا جرف هار، وبالرغم من كون النسق السياسي المركزي ممثلا في المؤسسة الملكية ومن يدور في فلكها من أحزاب وهيئات ومؤسسات مخزنية، يحاول أن يعبر المرحلة التاريخية، ويطويها في إطار الاستمرارية، وتوظيف الأزمة لصالحه، ولمزيد من تقوية نفوذ أنساقه، إلا أن الجيوبوليتيك الدولي والإقليمي يؤكد الحقيقة المرة في حلقوم المستبدبن، وهي أنه لا حل غير الديمقراطية الحقيقة، ولا بديل عنها، بل هي حتمية مستقبلية رغم كل الالتفافات والتأجيلات والعقبات، لأن الشعوب تتطلع إلى الحرية والكرامة، وامتلاك القرار وزمام المبادرة لصناعة التنمية، هذه الحتمية التاريخية المنطوية على إرادة جماهيرية مصبوغة بهوية الشعوب، مسنودة بقوة مجتمعية منظمة وقادرة على الانجاز هي المستقبل الموعود بكل يقين وتفاؤل، وهي حقيقة قد لا تستسيغها الديكتاتوريات التي ألفت الحكم المطلق والتربع على عروش الأمر والنهي، فتعمد إلى التكيف مع هذه المساقات بوصفات باطنها وجوهرها تكريس الاستبداد وواجهتها ديمقراطية مرضوضة ليس إلا، وهو ما ينطبق عليه مفهوم “النيوباتريمونيالية” بتعبير جون فرنسوا ميدار الذي نحت المفهوم نقلا عن ماكس فيبر، هذه العملية التجميلية بمساحيق الدستور والاستفتاء والانتخابات والحكومة والبرلمان والمؤسسات و… المسوقة إعلاميا ب”بروباغندا” مدروسة، لا يمكن أن تكون جوابا عن مطالب الشعوب، طالما أن الإرادة السياسية للتغيير مفقودة، ورهينة بيد جهات دولية في إطار التبعية العتيقة، ومنه قد نجد الدستور المكتوب في سياق الالتفاف والتعاطي مع الربيع المغربي، دستورا مصوغا بلغة تتضمن تعابير وصياغات عجيبة تتساوق مع موضة “التكنولوجية الدستورية” السائدة في البلدان الديمقراطية، لكن بتحليل النصوص، والصلاحيات والوقوف عند أبواب الدستور وفصوله ومواده، تستنج حقيقة الاستمرارية لمنظومة الاستبداد، ومن هنا تلجأ النظم المستبدة إلى مسلكيات أخرى كالسياسة الخارجية لإضفاء مزيد من الشرعية على تلك الخطوات غير الجادة على طريق التغيير والإصلاح، ولا تنتبه هذه النظم ومنها المغرب إلى أن دينامية الجيل السياسي الراهن بكل التحولات الجارية عليه، وبكل المتغيرات الاقليمية والدولية المؤثرة عليه، وتساوق ذلك مع ملحاحية المطالب الاقتصادية والاجتماعية لشباب اليوم المطل عبر ميازيب الانترنيت على ثقافات وحضارات وتطلعات أمم أخرى في سياق عولمي جارف، وعلاقة كل ذلك بالنسق السياسي العام الذي يؤشر على تنامي ثقافة سياسية رافضة للاستبداد، خاصة بعد تكسير جدار الصمت وانخراق ستار الاستكبار العالمي ممثلا في المؤسسات الأممية، كل هذه المتغيرات تدفع في اتجاه القول من خلال التحليل والاستنتاج، أن دينامية البحث عن الديمقراطية في الزمن السياسي المغربي مستمرة وبسرعة فائقة، ولو بدا ظاهريا جمود في الشارع، إلا أن المسألة مسالة وقت تعتمل فيه آليات تنظيمية وميكانزمات اجتماعية ونفسية لهندسة المرحلة المقبلة، التي تدلل على تبلور نسق سياسي عريض رافض لواقع الديكتاتورية واحتكار السلطة والمال، وهو أفق منظور وحتمي تزكيه التجارب المقارنة وتكثف من بروزه المتغيرات الجديدة، لكن دونه مسار سياسي وتاريخي مغربي يتم عبر خطوط رئيسة:

الخط الأول: نضج الفاعلين السياسيين، إسلاميين وعلمانيين، وتدشين الحوار الوطني بعيدا عن لغة الإقصاء، أو الاستقطاب الإيديولويجي، وتأسيس كتلة تاريخية عبر ميثاق جامع بمثابة اعلان مبادئ ثم العبور لمرحلة البناء السياسي بمقاربة تشاركية بعيدة عن لغة الديمقراطية العددية.

الخط الثاني: ناجم عن تعثر الخط الأول، بفعل حواجز نفسية، وعوامل التشتيت والتفرقة المخزنية وإذكاء بواعث الصراع، والاستقطاب من خلال منافذ متعددة للحيلولة دون تحقيق مطلب الكتلة أو القطب أو الميثاق… وهو خط فيه تأخير وهدر للزمن السياسي، ولكن لا ينفي في ذات الوقت اعتمال فاعلين آخرين لتشكيل جبهات متعددة تفتل في مناهضة الفساد والاستبداد، ويمكن التقريب لهذه الصورة بواقع تأسيس فيدرالية اليسار الذي يضم ثلاث أحزاب يسارية، وواقع التكتل النقابي الذي يضم 3 مركزيات نقابية، الذي دعا إلى مسيرة وطنية يوم 6 أبريل القادم، ومبادرة الحركة من أجل الأمة لتأسيس قطب تاريخي، والدعوة المتجددة التي أكدتها العدل والإحسان عبر كلمة رئيس الدائرة السياسية في مجلسها القطري الأخير، ودعوات هنا وهناك لفعاليات سياسية وحقوقية وطلابية وجمعوية وشبابة وفنية ونقابية ومبادرات وطنية أخرى، الجامع بينها بطبيعة الحال مناهضة الاستبداد والفساد. هذا المسار، يعكسه الواقع الحالي، وبه مخاضات فكرية وسياسية ما زالت لم ترس لحد الساعة مسلكا للحوار، وبطبيعة الحال الفعل المخزني باطنيا يحول دون أي إرساء لهذا المسلك، لكن الطامة الكبرى على النظام بإستراتيجية كهذه، أنه يؤسس في ذات الوقت لبروز أقطاب متعددة معارضة وغير متصارعة وهو ما يدفع لفتح الخط الثالث.

الخط الثالث: توافر الشروط الموضوعية، التي تفرض بالضرورة اللقاء التاريخي بين هذه الأقطاب المعارضة، وتشكيل ما يشابه كونفدرالية الأقطاب المعارضة، مع احتفاظ كل قطب بخصوصيته، والتأسيس لثقافة سياسية قاعدتها التعاون المشترك بين القوى السياسية، بعيدا عن الاستقطاب الإيديولوجي، والانطلاق ابتداء بحوار سياسي لتدبير المشترك، والتنسيق الميداني، وقد تؤجل القضايا الفكرية إلى مرحلة متقدمة، خاصة ما يتعلق بالأرضية الفلسفية للديمقراطية، وموقع الدين من النظام السياسي، لأنها إشكالات تحتاج إلى مسلسل من الحوار والترافع الأكاديمي والفكري العميق، بعيدا عن أجواء التقاطب والشحن والانفعالات وردود الأفعال، وهذا الخط هو الذي نعتقد بأنه المنظور في المستقبل القريب، بالنظر إلى حجم التحديات المطروحة على الفاعل الإسلامي والعلماني بالمغرب وخاصة رهان بناء ميزان قوى راجح لصالح السيادة الشعبية، نسأل الله تعالى أن يعجل بهذا اللقاء ويجنب بلدنا الحبيب مزالق العنف.