تعد التنمية بمفهومها الشامل أحد أهم تحديات العالم المعاصر بأسره، وغاية الغايات التي تسعى إليها كل الدول، الغنية والفقيرة معا، دفعا نحو تحقيق مستوى من عيش الرفاه، أو سعيا إلى إسكات البطون الجائعة، وانتشال الكرامة الآدمية من براثن البؤس والشقاء.

تنمية التخلف

وعلى غرار ما هو متبع في كل السياسات في بلداننا العربية والاسلامية، تنحو الأنظمة العربية نحو اقتباس وتنزيل مضامين الأفكار الغربية حول التنمية، التي يراد لها أن تكون بمثابة عصا سحرية، تنقد عروش حكامنا وتفعل الأفاعيل في أوطانهم وتغير الواقع، فيرفع الفقر وتعمم التغطية الصحية وتعبد الطرقات وتزود القرى بالماء الصالح للشرب والكهرباء… من دون جهد يذكر للدولة أو دون تغير في سياسات أنظمتها الاستبدادية.

لذلك لا تمل البرامج الحكومية وغير الحكومية من إبداع مشاريع تنموية ومبادرات تشمل كل ما يمكن تنميته، يتم تنزيلها وتصريفها عبر برامج ومخططات، ثلاثية وخماسية… ترصد لها ميزانيات ضخمة، ويجند لها أعداد كبيرة من الموظفين والجمعيات التي تسعى في تنزيل المشاريع التنموية التي لا تلمس نتائجها ولا تشاهد في آفاق البلاد مردوديتها. لتبشرنا بعد ذلك التقارير الدولية، الجادة والمغرضة معا بعكس الصور الوردية المرسومة لنا، ولتذيل الدول العربية ومنها المغرب في أسفل درجات الترتيب في مؤشر التنمية البشرية، لنقترب بذلك من دول جنوب الصحراء الإفريقية التي تتضوع فقرا وتعاني من ظلم وبؤس الأنا المستكبرة، التي تزعم نبل غاياتها دوافعها الانسانية.

والغريب أنه كلما فضح تقرير عيبنا وتردي أوضاعنا، تعالت أصوات الخبراء والمحللين والاقتصاديين والسياسيين ليجملوا وليجمعوا على أن لب العور وأسباب التردي كامنة في نوعية الاستراتيجيات التنموية التي لا تواكب متطلبات الواقع) 1 ، أو أن السياسات التنموية يتم طهيها وإعدادها في مكاتب مكيفة، من طرف خبراء لا يكترثون لمدى قابليتها للإنجاز أو مدى تجاوب الشعوب المفقرة معها… ليتم تعديل المخطط التنموي بعد ذلك من جديد، وشحنه بوعود وانتظارات، يتم تسويقها في أوطاننا على أنها المخلص والمنقذ للبقية الباقية من آمال البؤساء المنتظرة من بني أمتنا.

سياسات عبثية مناورة، وشعوب مقهورة منتظرة، تقول بلسان حال الرجل العربي الذي التقاه رجل أمريكي فسأله عن حلمه، فأجابه العربي، أحلم ببيت يأويني مع زوجتي، وعمل يضمن لي رزقي، وتعليم ينير درب أولادي… فتعجب الأمريكي وقال له: سألتك عن أحلامك وليس حقوقك!!!

تنمية للحرية، وقمع للتنمية

حين يتم تطبيق البرامج التنموية في الدول المتخلفة، المستوحاة من برامج ومخططات دول غنية، لها السبق في مجالها التنموي، يتم تنزيله بمعزل عن سياقه التأسيسي والمبدئي لهذه الدول، التي أسست لأرضية صلبة قادرة على استيعاب مقتضيات التنمية والتفاعل معها، قبل الانكباب على التنمية بذاتها. أرضية صلبة تتمثل في منظومة الحريات التي تسود المجتمع الغربي وتسمح للفرد بالتفاعل الإيجابي في مجتمعه دون قيود أو موانع تكبل شرارة الإبداع عنده. وقد آمنت الدول المتقدمة بهذا الخيار واستثمرت منذ عقود في تنمية رأس مالها البشري، ليكون قادرا على المشاركة في التغيير والبناء، وليكون أداة محورية للتصدي لكل صور التخلف والحرمان. وآمنت على أن تنمية رأس المال البشري، تنمية قدرات الإنسان/المجتمع، لا تأتي قسرا، ولا تتحقق أبدا في مناخ استبدادي أو بناء على قرار سلطوي، كما أن العدل الاجتماعي لا مكان له في ظل نظام الحاكم فيه هو الكلمة-الحق النافذة، وهو الصواب والمرشد والموجه الهادي 2 .

إن كان منطق الديمقراطيات المتقدمة الساعية إلى تنمية شاملة، ينبني على إزالة عوائق وقيود الحريات عن شعوبهم، وتنمية الحرية في أوطانهم، وتدعيم الإرادة الشخصية المبادرة والمتفاعلة، في حرية تحترم الكرامة والذكاء الانساني، فدويلاتنا المحكومة بنفس سلطوي والتي تجعل من بسيطتها سجنا يرتع فيه المقربون والمتملقون، أو مقبرة تدفن فيها الإرادات والأفكار الحرة، تنحو إلى قمع الحرية وكبت المبادرة، وتقييدها بخطوط طول وعرض، حمراء، ولا تسمح بفسحة اجتهاد، تحرر الطاقة الايجابية المطمورة تحت سنوات العض والجبر، إلى فسحة الفعالية والمشاركة الإيجابية في المجتمع، والتي تعد نواة ومبتدأ أي فعل تنموي. فخنق الأنفاس ومنع الرأي المعارض وحصار الأفكار الإبداعية، وقمع المبادرات، وإخضاع العقول لنمط تفكيري يبرر الواقع، ويدجن العامة من الناس، ويربيهم على ذهنية الانتظارية والاتكالية، لا يثمر إلا واقعا مرا، وركودا عاما وسلبية وجمودا، تجعل البلاد رهينة تخلفها ونكوصها، مهما توالت المشاريع التنموية تتنزل عليها، تترى، الواحدة تلو الأخرى.

فالتنمية حرية أولا. سبقنا إليها الغرب الحر الديمقراطي عقودا من الزمن، وهي عملية توسع في الحريات والقدرات الموضوعية للناس 3 . دون إغفال لمجالات التنمية الأخرى، الاقتصادية والاجتماعية… فتحديات الواقع المؤلم وعمق الأزمات المتجذرة في مجتمعاتنا، المركبة والمعقدة، تستلزم تعبئة جماعية ومشاركة في تحمل المسؤولية، تقودها شعوب حرة، تؤمن بأولوية التنمية، وبدورها في تخليق وتفعيل وتنمية المجتمع. تؤمن بأن التنمية حرية، وأن الحرية مسؤولية، وأن المسؤولية التزام متبادل، بين دولة راعية للحرية وشعب مسؤول فاعل مشارك في التنمية.


[1] لحسن حداد: مقال تحليلي بعنوان: لهذه الأسباب تراجع المغرب على سلم التنمية البشرية. موقع هسبريس الخميس 20 مارس 2008.\
[2] كتاب التنمية حرية، سلسلة عالم المعرفة، تأليف: أمارتيا ص 2004.\
[3] نفس المصدر السابق.\