خلق الله عز وجل الجن والإنسان ليعبدوه سبحانه. وعبادته لا تعني طلب الآخرة فقط إنما هو الميزان. فبعد أن رفع الله السماء، وضع الميزان والسماء رفعها ووضع الميزان (الرحمن الآية 5). فأمرنا سبحانه أن لا نخسره وأن نقيم الوزن بالقسـط وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان (الرحمن الآية 7).

لكن حضارة المتعة الجاهلية تسير لإبعاد هذا الإنسان عن الله، وعن مصيره الأخروي، تخندقه في الماديات والملهيات الخبيثة. ولئن حقق الميزان لعاش مع السعداء دنيا وآخرة؛ يقول الإمام عبد السلام ياسين: وجلبوا إلى هذه الديار نساءهم الكاسيات العاريات، وخمورهم، ومسارحهم ومراقصهم، وملاهيهم، وجرائدهم، ورواياتهم، وخيالتهم (لعله يعني السينما)، وعبثهم، ومجونهم) 1 . هذه إذن حقيقة حضارة المتعة الجاهلية. تريد أن تصيبنا – وقد فعلت – بعدواها إن غاب الوعي والحكمة العقلية والعقل في القرآن فعل حاسة باطنة في الإنسان تسمى القلب، والعقل تلقٍ لحقائق الوحي بواسطة القلب) 2 . فإن وجد الوحي باب القلب مقفلا أصابتنا العدوى. فما يجعل هذه الحضارة لا تخدم الإنسانية هو ميلها إلى المادة، بل تجعل المادة كقائد لسفينة في بحر هائج، ما أسقط الإنسانية في التيه سفينة الإنسانية بقيادة الحضارة المادية تاهت عن أصول الفطرة وفقد ربابنتها حس الوجهة فهي تضطرب مع أمواج الأزمات) 3 ، والمقصود هنا بالأزمات تلك التي تتفرع من الأزمة الحضارية العميقة: هذا الزمان الشديد التقلب السريع الحركة الذي نعيشه يتسم بالأزمات الحضارية العميقة التي تفعل فعلها في أسس المجتمعات الجاهلية ويتلظى بنارها سائر المجتمعات المستضعفة) 4 ، وذكر منها أزمة الاقتصاد وأزمة البطالة والأخلاق… إلخ. هذا التيه جعل الإنسان المكتوي يبحث له عن بديل والمسلمون لا بديل لهم عن الذيلية والسير في ركاب الجاهلية إلا دينهم. ولا بديل للباطل إلا الحق. والحق الله، وما جاء من عند الله وما علمنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم) 5 . فكيف يخاطب هذا البديل فطرة الإنسان وكيف يحقق له التوازن المطلوب؟ فهم معنى الوحي ومعنى الاستماع هو مفتاح الوصول للتوازن الذي نتحدث عنه. فإن كان العقل تحكمت فيه المادة فكيف للقلب أن يسمع الوحي؟ يدور العقل المعاش الفيلسوف في منطق مغلق لما انسدت مسالكه وانسحبت قنواته وعمية عينه وصمت أذنه عن سماع الوحي) 6 . كما يقتضي الأمر كذلك أن تمسك الأمة الإسلامية بزمام الأمور كما كانت عليه، والمهمة صعبة لكن العهد الذي قطعه الإنسان على نفسه يوجب عليه أن يفي به والأحرى الإنسان المسلم. إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا. أمانة حملتها أيها الإنسان، والسموات والأرض والجبال أبين أن يحملنها وأشفقن منها لعظمها. وإن هذه المهمة ليس القيام بها بالمستحيل وإن نحن رفعنا الطرف إلى المكانة القعساء، مكانة خلافة الله في الأرض، أوشكنا أن نتخطى الفتن الداخلية المائجة، وأن نغلب تحديات الحال والمستقبل) 7 . هذا حال المسلم الذي يستشعر عظم الأمانة التي حملها أن يتميز عن العامة وأن يدعو إلى الله ويبلغ ويسمع صوت الحق بالرفق، والرفق هنا من الضروريات إن أردنا أن نسمع صوت الحق سبحانه بل استجابة لله تعالى أن تدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة: نحتاج إلى رفق كبير حتى تصغي إلينا الآذان) 8 . نخاطب بكل وسيلة لا تتعارض مع الشرع، والفن له أهمية في إيصال صوت الدعوة إن حافظ على التوازن لأن الفن حاجة إنسانية وضرورة فطرية لا يمكن فصلها عن الإنسان؛ إذ الفن جمال والله جميل ويحب الجمال، والروح الإنسانية من الله إذ نفخ الله في أبينا آدم من روحه. فكيف لنا إذا أن نفصل الفرع عن الأصل. نعم إن الفن حاجة إنسانية لأنه التعبير الإبداعي عن كل ما يلج في نفسية المبدع، فيترجم بطريقة أو بأخرى، حسب ميولات الفنان. فلا يمكن حصره في مجال دون أخر، وقد نفهم قصد المبدع من خلال الطريقة التي اختار الاشتغال بها، وبالتالي صوت الفنان الداعي يمكن له أن يصل. هذا لمن شك في الدور الذي يلعبه الفن في الإنسانية.


[1] عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات ج1 ص 29.\
[2] عبد السلام ياسين، محنة العقل المسلم ص 7.\
[3] عبد السلام ياسين، إمامة الأمة ص 231.\
[4] عبد السلام ياسين، إمامة الأمة ص 230.\
[5] عبد السلام ياسين، إمامة الأمة، ص: 233.\
[6] عبد السلام ياسين، محنة العقل المسلم ص 6.\
[7] عبد السلام ياسين، إمامة الأمة ص 209.\
[8] عبد السلام ياسين، إمامة الأمة 16.\