1

كسفت الشمس يوم مات سيدنا إبراهيم ابن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، كان عمره أقل من عامين بقليل، فقال الصحابة كسفت الشمس لموت ابن النبي، فقال عليه السلام: “الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته”. لكنه بكى صلى الله عليه وسلم، كما لم يبك أحد من قبل.. بكى ليعلمنا أن البكاء على الراحلين رحمة من الله. كان عبد الرحمن بن عوف قد قال للنبي صلى الله عليه وسلم: “أولم تنه عن البكاء”؟ فقال صلى الله عليه وسلم: “إنما نهيت عن النياحة ونعت الميت بما ليس فيه”. بكى النبي ولده، وقال: “إنما البكاء رحمة، ومن لا يرحم لا يرحم”. كان سيدنا إبراهيم قد أسلم روحه وهو في حجر النبي صلى الله عليه وسلم.. “يا إبراهيم لولا أنه أمر الحق لحزنا عليك حزنا أشد من هذا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون، تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب”.. قام سيدنا النبي صلى عليه ثم دفنه وسوى تربته بيديه الكريمتين.

2

لـمـا أصيب سيدنا جـعـفـر وأصحابه دخل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بيته وطلب أولاد جعفر، فشمهم واحدا واحدا وعـيـنـاه تدمعان، فقالت زوجته أسماء: بأبي وأمي ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال: “نعم أصيبوا هذا اليوم”، فقالت أسماء: فقمت أصيح وأجمع النساء، ودخلت فاطمة وهي تبكي وتقول واعماه، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: “على مثل جعفر فلتبك البواكي”.

3

حين رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة بدر منتصرا، كان الحزن يخيم على بيت ابنته السيدة رقية؛ فقد توفيت ولها من العمر اثنتان وعشرون سنة.. التقته فاطمة على الباب، فطلب إليها أن تصحبه إلى قبرها. وقف صلى الله عليه وسلم أمام قبرها صامتا. أما فاطمة فقد جلست أمام القبر تبكى.. فجلس الرسول إلى جوارها على ركبتيه واحتضنها ولم يُدر كم من الوقت مر عليهما وهى تبكى وهو، صلى الله عليه وسلم، يمسح دموعها بطرف ثوبه.

4

لما توفيت السيدة رقية حزن زوجها سيدنا عثمان حزنا شديدا وكان دائم البكاء عليها. قال له النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن رآه يبكى رقية “إن الله يأمرني أن أزوجك أختها، والذي نفسي بيده لو أن عندي مئة بنت يمتن واحدة بعد واحدة زوجتك أخرى حتى لا يبقى بعد المئة شيء”. فزوّجه صلى الله عليه وسلم السيدة أم كلثوم التي عاشت مع أبيها أياما صعبة.. فقد ماتت أمها السيدة خديجة بين أحضانها وشهدت أباها وهو يدفن أمها بنفسه ويعود إلى بيته محزونا.

تروي كتب السيرة أن هذه السيدة العظيمة، أمنا خديجة، تبسمت للنبي وهي تجود بنفسها، تبسمت له وهي تفارق الحياة. وأروع ما كتب عن هذا التبسم قيل: لعلها كانت تبتسم له كي تواسيه بنفسها عن نفسها..

5

مرت أيام شديدة عانت فيها السيدة أم كلثوم من الحصار والجوع الذي فرضته قريش بقسوة وضراوة على المسلمين عام الحزن..كانت تستقبل أباها صلى الله عليه وسلم يوميا، وعلى جسده ندوب المعركة وعلى ثيابه الطاهرة آثار ما كانت تلقيه عليه قريش من قاذورات؛ ذات يوم دخل إلى البيت بعد أن نثر فوق رأسه الشريف أحد سفهاء قريش ترابا، فأقبلت أم كلثوم تغسل عنه التراب، وهى تبكي فقال لها صلى الله عليه وسلم: “لا تبكى يا بنية إن الله مانع أباك”.

يوم وفاة أم كلثوم جلس سيدنا النبي أمام غرفة الغسل يوجه من خلف الباب النسوة اللاتي يغسلنها، طلب منهن أن يغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا بماء وشيء من الكافور، وطلب أن يبدأن بميامنها ومواضع السجود منها، ولما فرغن مد يده وناولهن الكفن الذي كان يحمله. واراها الثرى إلى جوار شقيقتها رقية، ثم وقف أمام القبر بدموعه يحمد الله على ما أعطى وعلى ما أخذ.

6

لمّا قُبض الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم اكفهرّت الدنيا في وجوه الناس واسودّت، وطفق الصّحابة يبكون بكاءً لفقد رسول اللّه، قال ابن رجب: لماّ توفي النّبيّ اضطرب المسلمون، فمنهم مَن دُهش فخولط، ومنهم مَن أُقعد فلم يُطق القيام، ومنهم مَن اعتُقل لسانه فلم يُطق الكلام، ومنهم مَن أنكر بالكُلية. ويروي سيدنا أبو ذؤيب الهُذلي: قدِمْتُ المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج أهلّوا جميعًا بالإحرام، فقلت: ما هذا؟ قالوا: قُبض رسول اللّه. ولما فرغ الصحابة من دفن جسده الشريف، بأبي هو وأمي، التفتت سيدتنا فاطمة إلى سيدنا أنس بن مالك قائلة، والحزن يعصر قلبها الشريف: “أطابت أنفسكم أن تَحثُوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم التراب؟”

7

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “حياتي خير لكم تُحدثون ويَحْدُث لكم. ووفاتي خير لكم، تُعرض علي أعمالكم فما رأيتُ من خير حمدت الله، وما رأيتُ من شر استغفرت الله لكم”.

يصف سيدنا أنس رضي الله عنه أحوال الصحابة لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: “لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء. وما نفَضْنا الأيديَ من دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنا لفي دفنه، حتى أنْكَرْنَا قلوبنا”.

وحدثنا الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله في كتابه الإحسان 1 معلقا على قولة سيدنا أنس: حضورٌ أضاء له كلُّ شيء، وغيابٌ ذهِلت له القلوب. ما قبل التبليغ اللساني وما بعده وما وراءه نورانيَّة تتعرفُ عليها القلوب وتحبها، وتُنكر القُلوبُ قلوبَها لغياب شخص وضع الله له غاية القَبول في الأرض. بعد ذلك أفاق الصحابة من الذهول، وانتخبوا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق، فأدَّت الصديقيَّة منذئذ ما كانت تؤديه النبوة من وظيفة الحضور والشهادة بين الناس والهداية والدلالة، وكان التبليغ العلمي اللساني العقلي جزءا من المسألة لا كل المسألة. بقيت الوراثة القلبية والتحاب في الله بين المومنين جوهرَ الدين. بقيت سنة الله في التابع والمتبوع قائمة وستظل إلى يوم القيامة).


[1] ج1 ص: 198.\