خص الدكتور محمد سلمي، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان وأستاذ علم الاجتماع بجامعة ابن طفيل، جريدة العلم في عددها الصادر يوم الأربعاء 12 مارس، باستجواب حول عدد من قضايا التربية والتعليم، والقيم والمدرسة، والأسرة وانحسار دورها. نعيد نشره تعميما للفائدة:

تتقاذف الإصلاحات التربوية رؤيتان: رؤية تحديثية وأخرى تقليدية، ما السبيل إلى التوفيق بينهما لما فيه خير للمدرسة المغربية؟

قد يفهم من السؤال أن الرؤيتين متكافئتين، والأمر خلاف ذلك. فإذا كان القصد من ذكر الرؤية التقليدية الاتجاه المحافظ المدافع عن الهوية الإسلامية المغربية، فهذا اتجاه أقصي ممثلوه من دائرة صنع القرار التربوي منذ زمان. وانظر في هذا الشأن إلى التكوين الشخصي والتوجه الفكري (والسياسي في غالب الأحيان) للوزراء المتعاقبين على حقيبة التربية الوطنية، وإلى بنية الوزارة وهيكلتها، والطريقة التي تسير بها، وإلى البرامج ومضامينها، وحجم وأهمية العلوم الإسلامية ضمن المنظومة التربوية، وآفاق خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية، ومكانة العلماء والفقهاء ودورهم في وضع السياسة التربوية، وحجم الضغط والتأثير الذي تشكله الأحزاب والمنظمات والحركات والشخصيات ذات التوجه الإسلامي في توجيه السياسة التربوية، وهل من وجود لمن يحمل هذا التوجه داخل دوائر صنع القرار في البلد حاليا؟ الجواب بالنفي طبعا. وبالتالي فالمتحكمون والموجهون للسياسة التربوية بالمغرب يستقون من معين مناقض للتوجه المحافظ على الهوية الإسلامية المغربية، أوليس لهذا البعد حضور في اهتماماتهم (على الأقل). فهل يعني هذا أنهم حداثيون؟ لا أعتقد ذلك على الإطلاق. فحينما يكشف الخطاب الملكي بعبارات واضحة حجم الكارثة التي أصابت التربية والتعليم، وتأتي التقارير الدولية مصنفة المغرب في الرتب الأخيرة، وأما التلاميذ والطلبة والآباء والأطر التربوية والإدارية للتعليم فهم أدرى برداءة الوضع… فأين الحداثة إذن. إنها الارتجالية والتيه والانتهازية والخيانة… ولا حداثة هناك. وبداية الإصلاح أن ينتزع المغاربة استقلالية القرار في رسم سياسة التربية والتعليم، والقطع مع زمن الوصاية الفرنكفونية، للانفتاح على الحداثة الحقة بلغة الحداثة التي تقود العالم وهي الإنجليزية. وأولى الخطوات العملية الشروع في تدريس المواد العلمية في التعليم الثانوي بلغتنا وبلغة العصر التي هي الإنجليزية. فهذه خطوة نحو الحداثة ينبغي أن توازيها خطوة المحافظة على قيمنا وهويتنا الإسلامية تكون بمثابة معيار لدستورية وقانونية المضامين التربوية والتعليمية.

يسجل الباحثون والمهتمون بالفعل التربوي بداية تراجع الأثر القيمي التقليدي/المرجعي للمدرسة وللمجتمع على السواء: تراجع لحد الذوبان لقيم الجد والمثابرة والإخلاص والوفاء والصدق والإيثار… في مقابل استفحال سطوة القيم المضادة، الوافدة من اتساع دائرة القوة والنفوذ التي اكتسبتها مؤسسات و”لامؤسسات” اقتصادية واجتماعية وثقافية متعاظمة الأثر في سياق فورة التحولات المتسارعة، كباحث في علم الاجتماع كيف تقرأون هذه التحولات؟ وما العمل لإيقاف هذا المد أو على الأقل السير معه بنفس السرعة؟

أكررها على الدوام، حينما نعي جيدا من نحن وماذا نريد، وحينما نمتلك القرار بأيدينا لخدمة مصالح شعبنا وبلدنا يسهل الأمر. تعليم مرتجل تقرر في شأنه جهات متعددة، وتفرض عليه الإملاءات من خارج الحدود، ويداري كل صارخ هنا وهناك على حساب المصالح العليا للبلد وأهله… تعليم غير ديمقراطي لا يعكس إرادة الشعب، ولا يفتح المجال لإنشاء مدارس حرة تنافسية، تعليم لم يفهم بعد المشرفون عليه أن الفرنكفونية أصبحت خناقا مكلفا للفرنسين أنفسهم، وأنهم يصرحون بأن نظامهم التعليمي معطوب (كما جاء في مقال بجريدة لوموند الفرنسية مؤخرا بعنوان”le système éducatif français est en panne”…. كل هذه المواصفات تعيق الجودة، وتحد من الكفاءة، وتفتح المجال للرداءة في المردودية وفي القيم. وفي غياب إرادة سياسية حقيقية للتغيير، كل مقترح مجرد صيحة في واد ونفخة في رماد. ومهما اقترح المنظرون، وخطط المخططون، لن يتجاوز ذلك دور المساحيق على جسم عليل، وتبذير أموال الشعب فيما لا يجدي ولا يفيد. لن نستفيد شيئا ممن كانوا سببا في تخلفنا. لنفتح المجال أمام مدرسة حرة يابانية أنجلوفونية (تعتمد الإنجليزية لغة للتدريس) بالمغرب؟ وأخرى ألمانية (تعتمد الإنجليزية في التدريس أيضا) وأخرى أمركية، وليفتح المجال أمام التعليم الحر المغربي مع تشجيع للقيم الإسلامية في المدرسة، وليكن رجل التعليم حامل رسالة لا عبد حوالة… حينها نساير العصر مستفيدين من قادة العالم الناجحين، لا مقلدين للفاشلين.

ما أوجه الانحسار التي طالت ما عملت على إرسائه المدرسة في مرحلة سالفة؟ ولماذا هذا الانقلاب الملحوظ في وظائفها التربوية المركزية التي تتحدث عنها؟

تراجع الاهتمام باللغة العربية وبالعلوم الإسلامية، وتفشت في المجتمع مظاهر فساد متنوع (في السياسة، في الانتخابات، في الإدارة، في التوظيف، رشوة، انتهازية، استغلال النفوذ والسلطة…) فألقت تلك المظاهر بظلالها على المدرسة، فولج إلى مهنة التربية بعض من ليسوا أهلا لها، أستاذ يفرض على تلاميذه وطلبته في مؤسسة حكومية حصصا إضافية مقابل أجر يدفعونه له، ونقطة في التقييم يمنحها لهم، وآخر يلزمهم بشراء نسخة جديدة أصلية من كتابه مع التوقيع عند البائع مقابل النجاح في الامتحان، حينما يصبح الأستاذ تاجرا، والطالب زبونا، فسلام على التربية والتعليم. هكذا تلاشت القيم التي بنيت عليها مدرستنا بالأمس… ففاقد الشيء لا يعطيه.

ما دور الأسرة في ما تشهده المدرسة الآن؟ وما العمل لتكون شريكا أساسيا و فاعلا في عملية الإصلاح؟

لقد نالت الأسرة نصيبها من تدهور القيم، وكان لضغط الحياة اليومية، وصعوبة ظروف العيش بالنسبة للفئات العريضة من الشعب، وخروج المرأة للعمل خارج البيت (وأي عمل بالنسبة للكثير من النساء؟ وأي أجر؟ وفي أية ظروف؟)، والأسرة النووية وما بها من الانحباس العاطفي والنفسي والتربوي، والعنف الزوجي…، والإعلام والأنترنيت… مستجدات يستحيل الوقوف ضدها، ولا ينبغي الاستسلام لأمواجها العاتية… وإنما هي ضرورة إعادة النظر في ترتيب الأولويات، لتقوم الأسرة بدورها الذي يصعب أن يقوم به غيرها.