تكريم الأم أخذ عند بعضهم معنى احتفال بيوم عيد، عن هذا المغفّل لا يزيد، وبعضهم الآخر يُعنى بيوم مولدها ويوم زواجها من أبيه وفي هذا اهتمام أكبر والتفاتة لا أقلّ ولا أكثر. وبعضهم تكرّم فأضاف إلى اليومين والثلاثة أيّاما يزور فيها أمّه ويتفضّل عليها بكلمة طيّبة صدقة، وابتسامة في وجهها صدقة، وقد يَرِقُّ قلبه ويشفق على الضعيفة المسكينة فيضيف إلى هاتين الصدقتين درهما ينتزعه من جيبه انتزاعا، أو شيئا في حامِلةٍ يحملُه إليها طمعا في دعاء منها ورضا، أو خوفا مِن غضب وسخط. كل هذا لا يعنينا معشر من سمع الخبر، ممّن يقدّر الأمّ قدرها ويعرف لها فضلها. يقول من لا ينطق عن الهوى: “الجنّة تحت أقدام الأمّهات”، فإن علِمْت أنّ تحت أقدامها الجنّة فانظر أيّ تكريم تستحقّ، وأيّ محمول يليق، وأيّ كلام طيّب يفي بالغرض، وأيّ ابتسام ينبغي أن تباشرها به، وأيّ درهم يشفي الغليل في إرضاء من رضا الله في رضاها، وأنت ومالُك لها. إنّها خير مَن تصحب ثلاثاً قبل أن تتفضّل على أبيك بالرّابعة. والسلام على من قال وسمع وانتفع بقول الشاعر:

أوجب الواجبات إكرام أمّي *** إنّ أمّي أحقّ بالإكرام

والرّحمة على من علَّمَنا كيف نكرم أمّهاتنا بحاله وكلمه وسلوكه وقلمه، والصلاة على من أنبأنا على أنّ الجنات تحت أقدام الأمّهات، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

أمّي

أمّي، ولي في قولها بَرْد النَّدى *** فوق الجراح ونشوة لا تنقطع
أمّي، وأسمع صوتها يأتي الصّدى *** من أضلعي والهمّ يمضي ينقشع
أمّي، وتحضنني بكفّ حنانها *** فإذا بشملي بعد فرط ينجمع
أمّي تُرى كيف الحياة بدونها *** هيهات يبقى للسّعادة مُتّسَع
يامن يحنّ إلى مآدب أمّه *** خُبزِ الحبيبة، قِدرِها ما تبتدع
من قهوة، من كلّ صنع متقن *** هلاّ حنينك للرّضا لا للمُتع
لجنان فضل تحت أقدام لها *** قَبِّل تجد روضات سهل ممتنع
إلاّ على من لم يكن أرضاً لها *** فاخفض لها منك الجناح المرتفع
وإذا سخيت بمالِها أو مالَها *** لا تدّعي الإكرام أنت المُنتفِع
وإذا تقدَّم بالضّعيفة عمرها *** أحسِن وفادتها وبخدمتها اضطلِع
أمّي، أنا الأُمِّيُّ وهْيَ مُعلِّمي *** كيف المحبّة دون زيف أو طمع
أمّي، غَبِيّاً كنت وهي مُفهّمي *** معنى التوسّل دون شرك أو بِدَع
أمّي شقيّاً عِشْت لولا عطفها *** مَن غيرُها يكفيك شرّ المجتمع
أمّي وتسحرني ابتسامة ثَغرِها *** وأقول كيف سرورها رغم الوجَع
رغم السّقام وحمل أثقال الدّنى *** أنّ الجميع وقلب أمّي ما جَزَع
فإذا نأيْتُ عن الدّيار وأهلها *** شوقي إليها صادق لا مُصطنَع
حَمَلَت وبعد عَناء تسعة أشهر *** عاشَت مخاضَ نِضالِ حقٍّ مُنتَزَع
كَيْ ما أعيش مُكَرَّماً في بطنها *** أقْتاتُ مِن أحشائِها حتّى تَضَع
أُخْرِجْتُ كرْهاً مِن جِنان حَنانِها *** كخُروجِ آدم نادِماً مِمّا وقَع
ذَنْبي إذايَتُها بخَبْطٍ موجِعٍ *** أُواه كَم عانَتْ بِبَطْن مُنْدَلِع
لمّا نزَحْتُ بَكَيْتُ مِن فَرْطِ الأَسى *** أنْ صِرْتُ كالمُنبَتِّ لا أرضاً قَطَع
حتّى احتَوَتْني في رحابَةِ صدرِها *** أَكْرِم بمُرضِعَةٍ ومَن مِنها رضَع
وحبا وأصبح بعد حين راجلا *** يمشي الهوينا لا يهيم ولا يقع
ثمّ استوى طفلا، وأثمر يافعاً *** ثمّ استقام على طريق من اتّبع
رجلا رشيداً شاهدا ومجاهدا *** والفضل بعد الله بذرة مَن زَرَع
أمّي، تزقزقها طيور سمائنا *** تشدو بها الحيتان يزأرها السَّبُع
يدعو لَها من في المساجد ضارعا *** أو في الكنائس مُنْشِدا أو في البِيَع
أمّي، لرائحة شعرها عطر، وفي *** أقوالها سِحْرٌ وإن رفَضَت فدَع
أمّي موائدها فنونٌ لذَّةٌ *** للطاعمين وبيتُها لي مُنْتَجَع
أمّي، ويحتفل الجفاة بعيدها *** في كلّ عام مرّة لا مَن وَزَع
كذَبوا وأيّام الورى أعيادها *** أبْئِس بمن أفتى بيوم أو قنع
أمّي، وتَقْضي حاجتي دعَواتُها *** بشِّر من استرضى وأنذِر من فجَع
أمّي ويصقل رَيْنَ قلبي ذكرُها *** تتنزّل الرّحمات يذهب ما فزع
حقّ مَصون مُلْزِم تكريمُها *** الشّرع أوجبه وأيّده الورع
شكراً لمن نادى ومن لبّى ومن *** نظم القصيد ومن تأثّر أو خشع
صلّوا على طه وآل محمّد *** ما حنّ مشتاق إلى أغلى السِّلَع
جنّات عَدْنٍ مُنْعَما في خلدها *** مَن رام فتح الباب للأعلى قرَع
وألحّ في طلب الرضا متبئّسا *** متقنّعا ولرؤية المولى ضرع
صلّوا على هادي الورى لا تسأموا *** هو خيرُ مَن ناجى وأفضَلُ مَن شَفَع
الأستاذ منير ركراكي

7 جمادى الأولى 1435 هـ

يوم 8 مارس 2014م: اليوم العالمي للمرأة، ويوم من أيّام أمّهاتنا الذين لهم كلّ الأيّام أعياد.