يأتي على الأمة عبر الأزمنة محطات شديدة الخطر بالغة الحساسية، تقف فيها على مفترق الطريق لتحسم مسارها وترسم وجهتها، طوعا أوكرها، ضرورة أو اختيارا، وفي تلك المحطات الحاسمة واللحظات الفاصلة من تاريخها، يستدعي الموقف نموذجا فريدا من أهل الفكر والنظر، يحمل خصائص معينة، وصفات محددة بمؤهلات فكرية تتميز بالأصالة والمعاصرة، تحمل منهجا معرفيا واضح المعالم، راسخ الأصول، متين البنيان، على أن يتسلح بخاصية نفسية أساسية وضرورية هي (الاستعلاء على الواقع) هذا الواقع الذي يتعامل معه المجتمع على أنه حتمي، فيرسخ في حسه، بمرور الوقت، أنه لا بديل عنه، فيبني له (الواقع) تصوراته ويحدد له علاقاته، ويصنع له نموذج حياته ويضع له قواعد سلوكه ونشاطه، فيسلم (للواقع) ويخضع لماديته وزينته وسطوته وفتنته وقوته وجبروته وإغراءاته وجاذبيته وهيمنته وإبهاره، ويتعايش به ويتفاعل معه على أنه النموذج النهائي.

والإمام سيد قطب واحد من هذه النماذج المعدودة في التاريخ العربي الإسلامي، التي تستدعيها اللحظات الحرجة والصعبة والمظلمة للأمة، فتستجيب للنداء وتؤسس لثورة مضادة لواقع الأمة الذي أسسته (دولة ما بعد الاستعمار).

ستبقى كل القراءات التي تناولت مشروع النهضة الفكري للإمام سيد قطب، وما ترتب عليها من أحكام، ستبقى قراءات منقوصة وأحكاما موقوتة ما بقيت جذور دولة ما بعد مرحلة التحرر من الاستعمار (الانتقالية) في العالم العربي.

ذلك أن جيل سيد قطب، وجيلنا الحالي والذي قبله، هي امتداد لدولة ما بعد الاستعمار (احتلالا أو انتدابا) والتي لا تزال فيها أوضاعنا مقيدة بالمركزية الأوروبية في السياسة والفكر والثقافة والاجتماع والاقتصاد، فالواقع الذي واجهه الإمام سيد قطب بمشروعه الفكري (الاستعلائي) هو نفسه الذي نعيشه اليوم من حيث النسق والمشكلات والأزمات، وهو وإن تغيرت بعض أشكاله وصوره، فهو يبقى واحدا في جوهره، ذلك أن كل المشاريع التي تبنتها دولة ما بعد الاستعمار انتهت إلى فشل وإخفاق، وإن حاولت معاودة إنتاج نفسها، وبقيت مشدودة في مناهجها وأدواتها إلى المركزية الأوربية متطلعة إليها لا تستغني عنها بحال من الأحوال.

وقراءة المشروع الفكري للإمام سيد، لن تكتمل فصولها ولن تكون أحكامها نهائية إلا بعد حدوث تغيير في جوهر الواقع الممتد لهذه الدولة (ما بعد التحرر من الاستعمار) بظهور جيل يمثل القطيعة مع أوضاع هذا الواقع والمفاصلة مع هذه الدولة من خلال نهضة فكرية عميقة الجذور تنتجها عملية معرفة الذات والعودة إلى الأصول.

إن الإمام سيد، بصرامة منهجه المعرفي ووضوحه، وتفرد أسلوبه وصياغته، ودقة لغته وعباراته، وثبات خطه واتجاهه، وجدية تناوله وعرضه، لهي ما تعطي الإمام خصوصية مميزة إلى الحد الذي يجعل من يملك الحد الأدنى من ناصية البيان، يجزم بنسبة هذا النص أو تلك الفكرة إليه، على أن ما يعطي النص كل هذه القيمة وهذا القبول وهذا التأثير، ليست تلك الخصائص فحسب، بل هناك ما يمكن تسميته التماهي الفكري والنفسي والروحي في آن واحد مع النص القرآني، أي معايشة النص بكينونته مجتمعة، وهو ما يعطي كلماته كل هذا الحضور والزخم اللامتناهي، ولأفكاره كل هذا الجدل الفائض حياة وموتا، الذي لا يكاد يتوقف حتى ينطلق من جديد.

إن حالة الاستعلاء الفكري (المنهجي والمعرفي) الذي واجه به سيد قطب واقعه بمشروعه الفكري، لم يجد أرضية تستوعبه، لعدم توافر شروط الاستيعاب الموضوعية – بالنظر لحالة الغيبوبة المعرفية والحضارية للأمة العربية، التي وقفت عاجزة الحيلة فاقدة الوسيلة أمام هجمة الفكر الغربي الذي تمكن من الاختراق والمصادرة، والتغلغل في روح الفرد والمجتمع والدولة، مقابل ما أصاب الثقافة العربية والإسلامية من ذبول وتحلل- وهو مشروع واسع الآفاق عالي النسق وسط بيئة تائهة أصابها الذهول من هذه القيمة المعرفية الضخمة، وقوالبها غير المعهودة وغير المعروفة من قبل في الساحة الفكرية، وإن أحدث المشروع نقلة، بعد زوال الصدمة، في مسار الفكر الإسلامي ومضمونه وتوجهه وتطوره، وأعطاه ثقة بنفسه وبمنهجه المعرفي، وغدا مرحلة فاصلة بين مرحلة الكمون والركود ومرحلة النشاط والإنتاج.

لقد خاض الإمام بمفرده، معركة المنهج المعرفي القرآني، وواجه واقعا ضخما شديد التعقيد، هائل المشكلات: تراث معرفي وعلمي راكد، ومؤسسات علمية دينية مترهلة تقف إلى جانب الحاكم (كائنا من كان) ولو على حساب المجتمع والدين ومصير الوطن، واعتماد مناهج في المؤسسات التعليمية الدينية تخرج طلبة بنكهة التراث دون تواصل مع العصر والواقع، ومناهج تعليمية مدنية تفصل الطالب عن تراثه وتاريخه وثقافته، ومشهد ثقافي متفسخ يتعارض مع التقاليد والأعراف الاجتماعية، وإعلام مائع يروج لثقافة الغرب ويهاجم الموروث الديني، ويبرر أفعال السلطة ويسفه خصومها ويروج لرجالاتها ويغطي على الفشل، وقلم سياسي يقمع الحرية الفكرية والسياسة التي لا تنسجم مع فكر النظام وتوجهه، وشرطة تنتهك حقوق الإنسان وتهدر الكرامة الإنسانية بأبشع الوسائل وأحط الطرق، وأحزاب تتكالب على الوزارة والبرلمان والمكاسب الشخصية ولا تمثل إلا مصالحها، وفساد مالي من أعلى سلم السلطة إلى أدناه، وانعدام تكافؤ الفرص في الوظيفة العامة على أساس الكفاءة والمؤهل، وغياب العدالة الاجتماعية بكل صورها ومظاهرها وأشكالها، وطبقة تزداد ثراء ونفوذا في مقابل جماهير توعد بالفردوس الأرضي دون أن يكون نصيبها منه إلا مزيدا من المرض والجهل والخوف والفقر والتهميش والإقصاء، على امتداد النظم السياسية التي تداولت الحكم.

لقد خاض الإمام سيد قطب، نيابة عن الأمة معركة ضد (فتنة عزل القرآن) تماما كما خاض الإمام أحمد بن حنبل، قبل اثني عشر قرنا، معركته ضد (فتنة خلق القرآن)؛ فقد واجه مدا عالميا عاتيا للمناهج الغربية وتطبيقاها في السياسة والفكر والاجتماع والاقتصاد والثقافة والتعليم وفي كل مجالات الحياة، سواء مناهج الرأسمالية أو الاشتراكية أو الشيوعية، وإقصاء للمنهج الإسلامي من الحياة العامة وحصاره في الحياة الفردية وبخاصة مع الفتوحات العلمية و(تأليه) العقل مقابل حرب لا هوادة فيها على الدين واعتباره من مخلفات الماضي، ما خلف إحباطا وانكسارا لدى كثير من رموز الفكر والدعوة، فراحت تبرر بعض الأطروحات مهادنة للواقع، بحسبانها لا تتعارض مع الإسلام، أو تحاول التوفيق والتلفيق بين المنهج الإسلامي وغيره من المناهج.

اعتمد الإمام على فكره القرآني المتين ورؤيته الإسلامية الفذة، في الهجوم بحدة على هذه المناهج وعمل على دحضها من خلال آثارها السلبية ونقضها علميا، مع بيان للبدائل المتاحة في المنهج الإسلامي، دون مهادنة أو انكسار، بل باستعلاء فكري وشموخ كبير (على الواقع) واعتزاز شديد بمنهجه المعرفي.

على أن (دولة ما بعد الاستعمار)، عملت على تطويق أفكاره على ثلاث مستويات:

الأول: الكتابات الأكاديمية التي صدرت من فريق النخبة العلمانية تلميذة الغرب (يمين ويسار) وكلها جاءت متحيزة وانطلقت من خلفية معادية ومواقف مسبقة، اعتمدت مناهج الاستشراق والمناهج الفلسفية، التي تخلى الغرب عنها لاحقا، وادعت البحث العلمي لتعطي نتائجها مصداقية.

الثاني: موقف المؤسسات الدينية الرسمية، إملاء أو إيحاء، ممثلة في هيئات (علمائية) تعينها السلطة الحاكمة وتدفع رواتبها، انتهجت قراءة انتقائية لنصوص بعينها، وراحت تهاجم أفكاره بسطحية وتكلف وتنفي عنها (الإسلامية) وتصفها (بالدخيلة) على الدين (الذي لا يقرها).

الثالث: الإعلام (الجرائد والتلفزيون) حيث اعتمدت استراتيجية التشويه، التسفيه، التخوين، في الجرائد، وبخاصة كتاب الأعمدة والافتتاحيات والعناوين الكبيرة، وفي التلفزيون من خلال استراتيجية (اكذب اكذب حتى يصدقوك) بهدف ترهيب المجتمع (أفقيا وعموديا) من فكره والحد من تأثيره.

على أنه نهض فيما بعد، بالمقابل، مفكرون وعلماء ودعاة للتصدي لهذه الهجمة الشرسة دفاعا عن الإمام وانحيازا لمشروعه.

إن الإمام سيد قطب، كان كثير الحديث عن المستقبل وعن الأجيال التي تتولى صياغته وصناعته، وكأنه مدرك أن الشروط الموضوعية لاعتماد مشروعه الفكري لن تقوم إلا بعد انتهاء عصر دولة (ما بعد الاستعمار) التي بزوالها سيظهر الجيل الذي سيتناول مشروعه الفكري الضخم، تناولا صحيحا غير مشوه، بالفحص والدرس في مجالات العقيدة والتفسير والمقاصد والسلوك والأخلاق والاجتماع باعتباره الأقرب إليه والأكثر معاصرة ليبني عليه نهضته ويوجه انطلاقته.

لقد كان الإمام سيد كبيرا حين قاد بقلمه ثورة اجتماعية وسياسية وفكرية، وأداراها وحيدا ضد نظام شمولي يعد الأكثر وحشية في البطش بخصومه ومعارضيه، ونجح في هزه، لدرجة اعتباره عدوه الأول… لقد كان أمة لوحده.

ويقيني، أنه لن يؤرخ لمشروع الإمام سيد قطب، على أنه محطة فارقة في تاريخ الفكر الإسلامي فحسب، ولا على أنه نقلة هائلة لهذا الفكر فحسب، بل سيؤرخ لمشروعه على أنه: الوسيط وهمزة الوصل بين الأصالة والمعاصرة، وبأنه جسر عبور التراث إلى عصرنا، بعد شبه قطيعة دامت سبعة قرون (منذ عهد الشاطبي وابن خلدون).

لقد أعاد بمشروعه العظيم، الحركة والتوازن والوضوح والاعتبار للخط الزماني للإسلام الذي طمسته عصور من الركود وأزمان من الجمود.

لقد كانت لحظة إعدامه (13 جمادي الأولى 1386 للهجرة) هي لحظة ميلاده، فقد وضعته على قمة الفكر الإسلامي، وتوجته مجددا له في قرنه الرابع عشر دون منازع.

الدكتور زرواق نصير، باحث من الجزائر