أولا: ذوق وذوق

.. الذوق حسا باحة في جسم الإنسان للتمييز بين حلو الأطعمة ومرها والأشربة وغيرها، آلتها اللسان.

وعلى الحس قيس الذوق في المعنى عند من استقوا المفهوم وأثلوا المحتوى.

الذوق في المعنى هو تمييز وميزان لا يخضع لقواعد أو ضوابط محددة معروفة؛ إنما هو مرتبط بدواخل في الإنسان يعزب التعبير عنها غالبا. عموما يقال فلان ذو ذوق رفيع أي ذو ميزان ونظر في الأمور تخرج عن إطار العقل.

الذوق في رأيي هو ميزان لطيف في معنى عفيف، أما في المعنى غير النظيف فينفر صاحبه حتى من مجرد النظر؛ فتعتل نفسه ويضطرب نفَسه، وتمتعض ذاته.

تختلف مسألة الذوق من قوم إلى قوم ومن مجتمع إلى مجتمع، حسب مستوى الوعي ودرجة التربية، والأمر، في قول أصحاب “الثقافة”، حسب نمط عيش الناس واجتماعهم.

إجمالا؛ الذوق مرتبط بمستوى “وعي” الإنسان والتربية، وببيئته والتحلية. يجب أن نعلم أن مسألة الذوق مسألة واسعة شاسعة، في قابل نفرد لها دراسة خاصة والله المستعان.

ثانيا: الذوق فنا و”ثقافة”

الفن تنسم للجمال وعمل لإبرازه وتبليغه. الفن ظرف، الرسالة: الجمال، طابع البريد: الذوق. قد يختصر هذا التصوير كثيرا من المعاني، ويحدد لنا موقع الذوق من حركة الفن. فطابع البريد ومُرفقه يهدينا إلى عنوان الرسالة وصائغها، والظرف يعطينا صورة عن مستوى تذوق المرسل للجمال، هذه التفاصيل تفيد المتلقي في صوغ صورة ذوقية نسماتية تصنف المنتوج مضمونا وشكلا إذا كان ذا ميزان سليم. اختصارا هذا الذوق فن.

أما “ثقافةً” فجذور القضية أعمق. إن ذوق أكثر الأقوام تردى عن منزلة الآدمية، وارتضى الدوابية مسلكا و”فلسفة”، أخفاها الدوابيون الجدد في ألبسة “الحداثة” والعصرنة، ومسحوها بمساحيق الإعلام الإهراج و”مونتاج” الإخراج، فاستحال الذوق الآدمي النظيف تخلفا بميزان عندهم هو المعيار.

طالع أيضا  نظرات وكياسة في الفن و"الثقافة" (الأولى)

الذوق الذي تشتاقه البشرية اليوم لم تكسه “الثقافة الدوابية” بلباسها البراق الفتان الشيطان. لقد طردته من حظيرتها البهيمية؛ لأنه تخلف بميزانها العليل.

ثالثا: ذوق الشوق

ذوق الشوق إلى الله تعالى تنسم أهل الله وخاصته من المومنين والمحسنين يرجون لقاء الله والقرب منه. لم يرضوا بجمال دون جمال الحق سبحانه ولا ركنوا إلى الذين ظلموا من الدوابيين خشية مسيس نار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى.

الجمال عندهم هو الحق جل الله وعلا وما دونه، مبثوثا في كونه، دال عليه بإذن أكرم به أنبياءه عليهم سلام الله ومن بعدهم المجددين والمجاهدين سرج النور تضيء إغطاش ليل المادية العبثية، فيهتدي الشقي ويتوب الباغي بحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

الشوق ذوقا هو أعلى المقامات في تنسم الجمال؛ إذا سلم الميزان من العلل، وتاب من الملل والنحل.

تذوق الشوق إلى المولى جل وعلا هو من نفحاته القدسية السامية، يرسلها بُشرا بين يدي رحمته. ورحمته اللقاء والقلب سليم.

يقول الحق سبحانه وتعالى: من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت (العنكبوت 5).

وإلى اللقاء إن قدر الله اللقاء.. والله المستعان.