بعد أكثر من 25 عاما من الاضطهاد…

إلى كل أحبابي وأصدقائي وأهلي، إلى كل حر، وإلى الرأي العام، أنقل بعضا من ظلم لم يتوقف. أنقله فقط ليدرك الكثير ما أسميه بالاضطهاد الخفي الذي تمارسه جهات لا تريد لهذا الوطن أن يكون حرا كريما.

لقد التحقت بأحبابي في جماعة العدل والإحسان منذ عام 1989 تلميذا، وعشنا عاشقين حرية لأمتنا وللإنسانية لا نرجو إلا وجه الله الملك الوهاب. هناك تعلمنا معنى الرفق والحلم والرحمة والقوة. وهناك، في مدرسة المنهاج النبوي، تعلمنا معنى الابتسامة الدائمة في واقع مكفهر، وتعلمنا أن الصبر قيمة عظمى؛ فتعلمنا أنه يكفينا آلام أمة مفرقة ممزقة مستعمرة منهوبة الخيرات يفسد عليها حياتها مفسدون من بني جلدتها وليسوا منها، ويحتكر النظر لمستقبلها مراكز الاستعمار والاستكبار؛ فتعلمنا معنى البذل والتضحيات في صمت مع الصبر الجميل، وأننا لم نخلق لنضيف أنين آلام الحيف والظلم الذي يشملنا من حيث نحن أفراد إلى أنين أمتنا وبكائها الشديد وصراخها الحزين. لكن طال أمد حيف آن له أن يرفع، وعلى الأقل أن يعرف الناس بعضا منه في زمن صم آذان السامعين التطورات الهائلة في مجال حقوق الإنسان!!!!!

كنا ننقل آلام أمتنا وفئات مجتمعنا رغم ما تفعله آلات البطش العلنية والخفية. هكذا طيلة حياتنا الجامعية التي لم أقض فيها ابتداء إلا حوالي سنتين ثم كان الاعتقال لما لم تفد المساومات وشراء الذمم، فحوكمت بخمس سنوات سجنا نافذا مع غرامة مالية إلى أن كانت الظروف ضاغطة من أجل ما سمي بالإعدادات لمرحلة التناوب حيث أصبح مفروضا على النظام أن يقوم بعملية عفو “شامل” فأفرج عن أكثر من 400 معتقل سياسي وتم الاعتراف بي معتقل رأي رسميا لأني اعتقلت من أجل رأي وممارسة حقي النقابي في الجامعات المغربية، حيث لا يمكن أن يتجاهلني المعيار الذي حددوه في تدقيق معنى “المعتقل السياسي”، فغادرت السجن في صيف 1994، وحاول المخزن أن يستفيد من الإفراج عني مساومة للجماعة ساعتها، إلا أنه كان الموقف الواضح أنه ما زال في سجون النظام إخوتنا الاثنا عشر المحكومون بعشرين سنة نافذة، وقبل كل هذا هناك المرشد عبد السلام ياسين، رحمه الله تعالى، محاصرا. لقد كان هذا رأيي قبل الإفراج عني وسررت كثيرا لما كان هو موقف سيدي محمد العلوي السليماني، رحمه الله، لما تم استدعاؤه لدى مخفر الشرطة بعد حوالي أسبوعين من الإفراج عني حيث أكد على مسألة الإخوة الاثني عشر وحصار الحبيب المرشد. ولذلك لم يمر عن الإفراج عني إلا أقل من شهر حتى زارني وفد أمني بصفة رسمية إلى بيت الوالد، رحمه الله، وعرض علي مشروعا هاما، حسب تعبيره، يتجلى في عرض مبلغ شهري جيد جدا مع السيارة والمنزل مقابل أن أتخلى عن خياري مع أحبابي في جماعة العدل والإحسان، فكان الرفض المطلق مما جعل الوفد الأمني يرد بعنف حيث أقسم واحد منهم أنهم “سينغصون علي حياتي” وكلام كثير لا يستحق التذكر ما بالك بالحكي.

من هنا ستبدأ مرحلة جديدة من الحصار وعد الأنفاس طويلة إلى يومنا هذا حيث كان من فصولها الأخيرة منع حفل توقيع كتاب لي. وإني أرى أنه بهذا الفعل الشنيع والمتخلف آن أوان عرض معاناتي مع أجهزة القمع باختزال واختصار شديدين، راجيا من المولى الكريم أن لا يحرمنا من فضل عطائه وأن لا يجعل أعمالنا رياء وبطرا:

– عد الأنفاس والمتابعة الدقيقة لكل حركتي ومراقبة هاتفي.

– المضايقة الشديدة في الدراسة حيث بعد تعب شديد حصلت على دبلوم الدراسات العليا وحرمت من التسجيل في سلك الدكتوراه ثلاث مرات.

– المضايقة في الرزق حتى سنة 2010 فكان تعيني لأول مرة بمدينة طرفاية مما تسبب لي في معاناة شديدة شخصية وعائلية منها أني لم أحضر لوفاة والدي، رحمه الله، ولا لدفنه وأصيبت والدتي بشلل نصفي.

– استدعائي مرات عديدة إلى مخافر الشرطة السرية واقتحام بيتي مرات عديدة ومراقبته باستمرار.

– اعتقالي على الرصيف قبل وصولي إلى مكان الوقفة الاحتجاجية التي نظمتها جماعة العدل والإحسان سنة 2010 بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان وتقديمي للمحاكمة بمدينة مراكش رفقة 18 أخا على رأسهم سيدي محمد العلوي السليماني رحمه الله، والحكم علينا بأربعة أشهر مع وقف التنفيذ.

– اعتقالي بمدينة تنجداد سنة 2007 أثناء تقديمي لمحاضرة مع أكثر من سبعين معتقلا من ضمنهم امرأة سبعينية العمر، وحكم علينا بأربعة أشهر.

– اعتقالي بمدينة بني ملال سنة 2010 مع ثلة من الإخوان وتقديمنا للمحاكمة.

– حرماني من جواز السفر إلى حدود سنة 2011.

– منع كثير من الندوات والمحاضرات التي كنت أود المشاركة فيها، وأخيرا، ولا أظنه آخرا، منعي من إقامة حفل توقيع كتابي الأخير “العمل النقابي في السلوك الدعوي” بمدينة مراكش.

فإلى كل حر، وإلى كل المنظمات الحقوقية، وإلى كل الأحرار أقدم هذا المختصر، الذي أتمنى أن يكون عاكسا لحجم المضايقات التي أتعرض لها، ويتعرض لها كثير من شباب هذه الأمة، مطالبا برفع هذا الحيف عني وعن كل مظلوم، فلا تنمية من دون حرية حقيقية.

ومرة أخرى إلى الله وحده المشتكى، ولا يتصور أحد أن المضايقات ستمنع الفكرة والإرادة من الوجود، فليعلم الجميع أن مهجنا فداء لأمتنا رفقا وحلما وحكمة، محبة لرسولنا سيدنا محمد بن عبد الله، عليه صلاة الله وسلامه، والله وحده ولي التوفيق وعليه جل وعلا التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.