1. في معنى الورد

جاء في المعجم الوسيط مادة وَرَدَ: الوِرْدُ: الإشراف على الماء وغيره؛ دخله أو لم يدخله.. الماء الذي يُورَد.. القوم يردون الماء.

الجزء من الليل يكون على الرَّجل أن يُصلِّيه. والنصيب من القرآن أو الذِّكر. يقال: قرأت وِردي.. الوظيفة من قراءة ونحو ذلك. (ج) أوراد.

وقد يأتي الورد بمعنى الحزب.

2. في المداومة على الأعمال

ولقد داوم الرسول صلى الله عليه وسلم على أوراده ولم يتركها حتى فارق الدنيا، ويدل على ذلك ما روى عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه حين يمسي وحين يصبح لم يدعه حتى فارق الدنيا أو حتى مات: “اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي” 1 . فالرسول صلى الله عليه وسلم كان حريصا على المحافظة على أوراده.

ولقد كانت أمنا عائشة رضي الله عنها قد تعلمت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد قال القاسم بن محمد: “وكانت عائشة رضي الله عنها إذا عملت العمل لزمته” 2 . وهكذا داومت السيدة عائشة رضي الله عنها على عملها ومنها الأوراد.

وداوم صحابته على الأوراد حتى في أشد حالاتهم، ف“عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن فاطمة عليها السلام أتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادما فقال: ألا أخبرك ما هو خير لك منه؟ تسبحين الله عند منامك ثلاثا وثلاثين، وتحمدين الله ثلاثا وثلاثين، وتكبرين الله أربعا وثلاثين”، ثم قال سفيان: إحداهن أربع وثلاثون، فما تركتها بعد. قيل: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين” 3 .

روى مسلم في صحيحه: “من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كُتِب له كأنما قرأه من الليل” 4 . وهذا حديث عظيم في الباب أفرده العلماء بالشرح و التفسير.

قـال صاحب “الـنـهـايـة”: الحـزب مـا يجعله الرجل على نفسه من قراءة أو صلاة كـالـوِرد) 5 .

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث على المداومة على الأعمال، يفعل ذلك ويأمر به أصحابه حتى وإن كان العمل يسيرا قليلا، إذ العبرة باستدامة العمل وتثبيته؛ فقد روى البخاري في صحيحه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أَحَبُّ الأَعْمَالِ إلى الله أَدْوَمُهَا وَإنْ قَلّ” 6 .

قال ابن حجر العسقلاني في شرحه للحديث: المداومة على عمل من أعمال البر ولو كان مفضولاً أحب إلى الله من عمل يكون أعظم أجراً لكن ليس فيه مداومة) 7 .

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله أن الحديث فيه إشارة إلى أن أحب الأعمال إلى الله عز وجل: ما داوم عليه صاحبه وإن كان قليلاً، وهكذا كان عمل النبي صلى الله عليه وسلم، وعمل آله وأزواجه من بعده وكان ينهى عن قطع العمل) 8 .

قال الإمام النووي رحمه الله في الأذكار: ينبغي لمن كان له وظيفة من الذكر في وقت من ليل أو نهار، أو عَقِيب صلاة أو حالة من الأحوال ـ ففاتته: أن يتداركها، ويأتي بها إذا تمكن منها، ولا يهملها، فإنه إذا اعتاد الملازمة عليها لم يعرضها للتفويت، وإذا تساهل في قضائها سهل عليه تضييعها في وقتها).

قال الشوكاني وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يقضون ما فاتهم من أذكارهم التي كانوا يفعلونها في أوقات مخصوصة) 9 .

وكان ابن القيم رحمه الله يقول: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: من واظب على “يَا حَيُّ يَا قَيُّومْ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ” كل يوم بين سُنَّة الفجر وصلاة الفجر أربعين مرة أحيى الله بها قلبه) 10 .

3. مأثورات من أوراد السلف

سئل الإمام مالك رضي الله عنه عن رجل يختم القرآن كل ليلة فقال: ما أحسن هذا، القرآن إمام كل خير) 11 .

وذكر الإمام النووي في كتابه “التبيان فى آداب حملة القرآن”: فمن الذين كانوا يختمون ختمة في الليل واليوم عثمان بن عفان رضي الله عنه وتميم الداري وسعيد بن جبير ومجاهد والشافعي وآخرون) 12 .

و“عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم “اقْرَإِ الْقُرْآنَ فِي شَهْرٍ” قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً… حَتَّى قَالَ “فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ”” 13 .

“عن عبد الله بن عمرو ‏ ‏قال: ‏أمرني رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏أن لا أقرأ القرآن في أقل من ثلاث” 14 .

روى ابن حجر العسقلاني‏: كان عثمان أعلم الصحابة بالمناسك، وبعده ابن عمر‏.‏ وكان يحيي الليل، فيختم القرآن في ركعة، قالت امرأة عثمان حين قتل‏:‏ لقد قتلتموه وإنه ليحيي الليل كله بالقرآن في ركعة، وعن عطاء ابن أبي رباح‏:‏ إن عثمان بن عفان صلى بالناس، ثم قام خلف المقام، فجمع كتاب اللَّه في ركعة كانت وتره فسميت بالبتيراء‏) 15 .‏

وقال صاحب تحفة الأحوذي: وروى الطحاوي بإسناده عن ابن سيرين قال: كان تميم الداري يحيي الليل كله بالقرآن كله في ركعة؛ عن عبد الله بن الزبير أنه قرأ القرآن في ركعة، وعن سعيد بن جبير أنه قرأ القرآن في ركعة في البيت يعني الكعبة.

وكان صلى الله عليه وسلم يقول عن عبد الله بن عمر: “نعم الرجل عبد الله، لو كان يقوم الليل” 16 . فما ترك عبدالله رضي الله عنه قيام الليل بعد سماعه الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وكان لا ينام الا قليلا.

وروي أنه صلى الله عليه وسلم ذهب الى سيدنا علي وزوجه فاطمة رضي الله عنهما ليتفقدهما ويوصيهما فطرق الباب عليهما ليلا فوجدهما نائمين، فقال: “ألا تصليان؟!” 17 .

وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إذا هدأت العيون وأرخى الليل سدوله، سمع له دويّ كدوي النحل وهو قائم يصلي!!

وهذا سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه كان يقسم الليل ثلاثة أثلاث، فيقوم الثلث الأول، ثم يوقظ امرأته فتقوم الثلث الثاني، ثم توقظ امرأته ابنتهما الوحيدة فتقوم الثلث الأخير!! فلما ماتت زوجته قسم الليل هو وابنته، فكان يصلي نصف الليل وتصلي ابنته النصف الآخر.. فلما مات أنس رضي الله عنه حرصت ابنته على أن تقوم الليل كله لله رب العالمين!!

ثبت في الصحيحين وغيرهما “عن أنس بن مالك رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فإذا حبل ممدود بين ساريتين – بين عمودين من أعمدة المسجد – فقال: “ما هذا؟” فقيل: هذا حبل لـزينب رضي الله عنها تصلي فإذا فترت تعلقت به. أي: لتطرد عن نفسها النعاس، وليكون معها جد ونشاط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد”” 18 .

وثبت في المستدرك بسند صحيح: “أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على أبي بكر رضي الله عنه وهو يتهجد ويخفض صوته بالقراءة، ومر بـعمر رضي الله عنه وهو يجهر بصوته ويرفعه بقوة، ثم سأل أبا بكر عن هذا، فقال: يا رسول الله! لقد أسمعت من ناجيت، أناجي الله وهو يسمعني، وقال لـعمر: “لم ترفع صوتك بقوة؟” قال: لأطرد الشيطان، وليستيقظ الوسنان”.

ففي صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد، وكتاب الزهد للإمام أحمد عن أبي عثمان النهدي رضي الله عنه، قال: تضيفت أبا هريرة، أي: نزلت عليه ضيفاً سبعة أيام، فكان هو وزوجته وخادمته – أي: أَمَته – يقتسمون الليل ثلاثاً، تصلي الزوجة ثلثاً، وتصلي الأمة ثلثاً، ويصلي أبو هريرة ثلثاً.

“روى مسلم والترمذي عن أبي سعيد الخدري أن معاوية خرج على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا جَلسنا نذكر الله! قال آللهِ ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا آللهِ ما أجلسنا غيره! قال: أما إني لم أستحلفْكم تُهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أقلَّ عنه حديثا مني. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: “ما أجلسكم؟” قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا. قال: “آللهِ ما أجلسكم إلا ذلك!” قالوا: آللهِ ما أجلسنا إلا ذلك! قال: أما إني لم أستحلفكم تُهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله تعالى يباهي بكم الملائكة””.

روى الإمام أحمد في الزهد عن ثابت قال:” كان سلمان في عصابة يذكرون الله، فمر النبي صلى الله عليه وسلم فكفوا. فقال: “ما كنتم تقولون؟” قلنا: نذكر الله. قال: “إني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأحببت أن أشارككم فيها”. ثم قال: “الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر معهم””.

وروى الطبراني وابن جرير عن سهل بن عبد الله بن حنيف قال: “نزلَتْ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بعض أبياته: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) الآية، فخرج يلتمسهم. فوجد قوما يذكرون الله تعالى، منْهم ثائر الرأس وجافُّ الجلد وذو الثوب الواحد. فلما رآهم جلس معهم وقال: “الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم””.

جاء فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: “ذهب أهل الدثور. بالدرجات العُلى والنعيم المقيم! فقال: “وما ذاك؟” فقال يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق! فقال رسول صلى الله عليه وسلم: “أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟” فعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل دُبُرَ الصلوات” 19 .

وعن جويرية أم المؤمنين رضي الله عنها: “أن النبي صلى الله عليه وسلم.. خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح.. وهي فـــي مسـجدها!! ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة. فقال: “ما زلت على الحال التي فارقتك عليها”؟؟ قالت: نعم .. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وُزنت بما قلتِ منذ اليوم لوزنتهنّ؛ سبحان الله وبحمده. عدد خلقه، ورضى نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته”” 20 .

وفي الحلية وصفة الصفوة: أن علياً رضي الله عنه صلى في آخر أيامه صلاة الفجر، ثم بعد أن انصرف الناس من الصلاة بقي في مصلاه يذكر الله حتى طلعت الشمس، وظهر نورها على الجدران، فأخذ بلحيته رضي الله عنه وبدأ يبكي، ثم قال: والله! لقد رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيت شيئاً يشبههم، كانوا يصبحون شعثاً صفراً غبراً بين أعينهم كأمثال ركب المعزى من البكاء، قد باتوا لله سجداً وقياماً يراوحون بين أقدامهم وجباههم، فإذا طلع الفجر ذكروا الله فمادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم بالبكاء.

و“عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي بُرَيْدَةَ، يَقُولُ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَدَعَا بِلالا فَقَالَ: “يَا بِلالُ، بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ مَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَطُّ إِلا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي”، قَالَ: مَا أَحْدَثْتُ إِلا تَوَضَّأْتُ، فَصَلَّيْت رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا” 21 .

وروى إبراهيم بن جعفر الأشعري، عن سلمة بن شبيب، قال: كان خالد بن معدان يسبح في اليوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ من القرآن، فلما مات فوضع على سريره ليغسل، جعل بأصبعه كذا يحركها – يعني بالتسبيح 22 .


[1] أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في “صحيحه” والحاكم في “المستدرك” وأحمد في “مسنده”.\
[2] أخرجه مسلم في صحيحه (783).\
[3] الدعاء للطبراني (224). ورواه البخاري (5362) واللفظ لـه، ومسلم (2727)، وأبي داود (5062).\
[4] أخرجه مسلم في الصحيح، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، دار ابن حزم، ص 376، أخرجه كذلك: أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه في “السنن”، ومالك في “الموطأ”، وأبو عبيد في “فضائل القرآن”، وعبد الرزاق في “مصنفه”، وابن حبان فـي “صحيحه” كما في “الإحسان”.\
[5] ابن الأثير، النهاية، المكتبة العلمية، بيروت، 1979م، (1/376).\
[6] صحيح البخاري، كتاب الرقاق، دار الحديث، القاهرة، 2004م، (4/209).\
[7] فتح الباري، دار الحديث، القاهرة، 2004م، (11/336).\
[8] مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي، المحجة في سير الدلجة، ج4 ص 409.\
[9] تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين دار القلم – بيروت 1984م ص51.\
[10] مدارج السالكين، دار الحديث، القاهرة، 2005م، ج1 ص360.\
[11] البرهان في علوم القرآن للزركشي دار المعرفة ج1 ص 471.\
[12] التبيان في آداب حملة القرآن ج1 ص59.\
[13] رواه البخاري (4767) ومسلم (1159).\
[14] رواه الدارمي.\
[15] في تغليق التعليق ‏(‏937‏).‏\
[16] رواه البخاري ومسلم والإمام أحمد.\
[17] رواه البخاري ومسلم والإمام أحمد.\
[18] متفق عليه.\
[19] رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه.\
[20] رواه مسلم.\
[21] رواه أحمد.\
[22] سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي ج4 ص 541.\