صدر للأستاذ نور الدين متوكل باكورة إبداعه الشعري الموسوم ب: “بوح الغريب”، وهو عمل إبداعي يخرج به الشاعر إلى الجمهور القارئ بعد تمرس طويل بالكتابة وهمومها ومناوشة دائمة لأحرفها، وإن لم تتح الفرصة إلا الآن للاطلاع على الجانب المتواري من شخصية إبداعية خبرت دروب الكلمات على مر سنوات طوال قضاها مبدعنا في تربية الناشئة وتعليمها.

-1-

في تقديمه للكتاب يورد الدكتور رضوان الرقيبي أن الديوان تعبير صادق عن عمق المأساة الإنساينة، وعن التيه الوجودي لهذا الكائن في زحمة أسئلة أنطولوجية تؤرق الشاعر المبدع، فيبحث لها عن أجوبة في عالم الشعر المرسوم بأسلوب فني يتميز بالتكثيف والاختزال واقتناص اللحظة الزمنية العابرة، وبلغة شاعرية أخاذة، تمتزج فيها ضراوة ومرارة الواقع المعيش للشاعر، بتطلعات استشرافية إلى غد يحفر في الذاكرة معاني الإنسانية الخالدة) 1 .

ونحن إن اتفقنا على صدق التعبير وشعرية العبارة في الديوان الشعري والمزج بين رصد الواقع واستشراف المستقبل، فإننا نرى أن الأسئلة المؤرقة للمبدع لا تتأطر ضمن التيه الوجودي الأنطلوجي بالمعنى السارتري (نسبة إلى سارتر)، إنما يؤطرها تهمم ذو نفس إيماني مطمئن مستبشر: 2 عمادي كتاب الإله *** ودربي سبيل البناء
وذكر العظيم أنيس *** فمرحى بضيف الشفاء
وهو ما يعني أن المبدع يمتح من تصور أصيل لا علاقة له بمعاني الضياع والحيرة ذات الصبغة الوجودية الفلسفية.

-2-

في خاتمة الديوان خطاب يبرز منه أن للديوان رسالة تنادي القارئ للتقدم إلى الأمام، للتحرر من “ربقة الهوى، والهوان، والذل والخنوع”، رسالة للانطلاق نحو “المجد والحرية والكرامة”، وهي خاتمة تحاول ربما أن تكون خطابا مباشرا يتجاوز شعرية النص إلى وضوح الكلمات التقريرية التي تؤطر الإبداع الشعري ضمن سياق البعد الرسالي للكتابة الشعرية باعتبارها من الوظائف التي يجب تأديتها في الخطاب الجمالي، وكأني بالمبدع أحس أنه بعد دفقات شعرية متنوعة ما زالت في نفسه أشياء دفعته إلى تبني الخطاب المباشر المتوجه إلى قارئ محدد عنده هو “الولوع بحرقة الكلمات” يرفع أمام ناظريه “بوحا” إن كان للغربة فيه نصيب، ففيه للأمل التواق “للصبح الوليد” نصيب أكبر ما دام يدعو لامتطاء صهوة المستقبل الذي لا يلتفت إلى الوراء.

-3-

على الغلاف الأخير للديوان أسطر تبين عن الباعث الشعري الموجه المتأرجح بين رحم المعاناة وبريق الأمل؛ وعن رسالة الديوان التي تجعل من الإبداع الشعري رسالة جامعة بين القضية والفن، بين المعنى والمبنى، بين الموضوع والجمال.

وعليه يغدو الشعر تعبيرا جماليا عن الذات ولواعجها، وتجسيدا فنيا للعالم وتناقضاته، وتطلعا إبداعيا للمستقبل وآماله، تصنع فيه الكلمة الشعرية فضاءاتها، وتبني فيه التراكيب البلاغية دلالاتها على نحو لا يضحي بالجميل البليغ من اللفظ لصالح المعنى والمضمون والموضوع، بل يجمعهما في نسيج مسبوك يقتنص الدلالة المعبرة ب”الحرف الأثيل والبوح الجميل”.

-4-

“بوح الغريب” عنوان يؤسس لعلاقة منفتحة على التأويل بين الغربة والبوح، أو بالأحرى بين “بوح” وبين “غريب”، البوح تعبير وتصريح واعتراف، والغريب ذات تعاني وحشة وقلقا ووحدة واغترابا عن العالم وعن الناس.

لا يكون البوح إلا قلبيا نفسيا، ولا يكون إلا عن حاجة مؤرقة تسكن القلب وتشغل العقل وتكبل الحواس، إنه انفتاح وانطلاق وتحرر وامتداد، ولا يكون الغريب إلا وحيدا باحثا عن أنس، متشوفا إلى أمان، متشوقا إلى آمال تجعل لوجوده معنى ولكينونته قصدا.

في الصورة على الغلاف حمامة منطلقة من قفص ذهبي مفتوح ويد ممتدة، وهي عناصر نقرأ فيها البياض النور المشع المنفلت من قيود القفص وإن كان ذهبيا لتستلمه يد الحنو والرفق الشفيقة. وربما يكون بوح الغريب رغبة عارمة في التحرر من قيود الشهوات، وعناء الشقاء، وعنت العذاب إلى آفاق الحرية الممدودة الممتدة.

-5-

في الديوان ثنائية عميقة تؤسس لتدافع الرغبة العارمة في الفضح الصارخ الواضح لواقع القهر، مع التطلع المتقد للتحرر من مهانة القعود والاستكانة: 3 وبوح الغـريب ملاذ *** لصبـح قريب تليد
وبوح الغريب فخاري *** ومجد الإباء الرشيد
تعمق نصوص الديوان الإحساس بمأساة الإنسان وجراحه، وتجسد آلام خطوب دهر ينيخ بكلكل ظلام لياليه وقيود فساده على الذات فيدخلها في غربة الشقاء ومواكب الشتات. لكنها نصوص أيضا تفتح الباب مشرعا على النهوض للمجابة والمواجهة: 4 فحلق أخي في علاه *** وغـن لعز الوداد
ودع عنك تيه الحيارى *** ومزق ثياب الحداد
وجابه ظلام الليالي *** وكسر قيود الفساد
البوح في الديوان صرخات منددة بغلبة الطغيان وآلام البعاد، وتناثر الأحلام، بكاء المدامع لاصفرار زهر الحقول، وتعال لصوت الأحزان. والبوح في الديوان رسم بالكلمات للفقر وللقهر وللظلم وللجبر، رصد بالأحرف للخداع والنفاق وللجروح والآلام وللاستكانة والذل.

البوح في الديوان ثورة ضد الذات القاعدة المستمرئة لحياة العبيد، وانتقاد لانتحار الشعر واستقالة الشعراء على أبواب الأوسمة والألقاب. والبوح في الديوان التزام بنصرة قضايا الأمة رغم قوة الجلاد وقلة الزاد واهتراء العتاد. والبوح في الديوان انتفاضة ضد سيطرة النفس وجنون الأنا.

يوازي البوح بالمعاني التي تقدمت دعوة للتحرر من التيه والانطلاق لكسر القيود يغدو معها البوح الشعري أملا في ربيع الغد، واستبشارا بطول العطاء، ورسما لمعالم المجد الآتي القريب.

يغدو البوح انتفاضة لكسر جدار الصمت وتفاؤلا يبعث على الأمل ينتحر على أبوابه سراب اليأس، وتنقش على صفحات الإباء زهرة الفداء ترقب نصر الإصرار يحمله الصغار على أكتاف الأحرار.

يكون لحن القصيد هنا ترتيلا يعلن الانتفاضة ضد الطغيان، ويبدي نضالا ضد البركان، يتغنى بالحرية والكرامة والجهاد، وبذلك يصنع الشعر ارتفاعه في زمن الانحناء، ويبني سموه وسموقه لتنفس الحرية في نسائم أجواء الصبح الندية الرقراقة.

إنه إعلان عن صمود الذات في عوالم الخوف ضد جحافل الرعب، وبشارة ببزوغ الفجر وأفراحه، ورحيل الليل وأتراحه، وركوب لصهوة الأمل.

بجملة واحدة الشعر في الديوان بوح وغربة اختراق وانتفاضة ورفض ونفض؛ وهو في ذلك كله يؤسس لشعرية الفضح ولشاعرية النضال، ويقدم تصورا للإبداع يجعل منه رسالة وقضية للفرد الإنسان وللجماعة الأمة تعبر بالكلمة الصادقة والشعور الراقي والعبارة البلاغية عن غربة المؤمن في زمن الفتن المدلهمة يرى من وراء سجف جراحها المؤلمة تباشير زهور الفجر اليانعة آمالا وجمالا تتغنى صادحة: 5 والفجر قادم
يمتطي صهوة الإصرار
يفوح
بعطر الإباء
ويرتل
لحن الوفاء.


[1] بوح الغريب ص 5.\
[2] بوح الغريب ص 35.\
[3] نفسه ص 8.\
[4] نفسه ص 7.\
[5] نفسه ص 39.\