مشروعية القومة

على الرغم من كون كلمة “ثورة” لها مكانة محترمة)، وتجد في الآذان وقع التعظيم وهيبة القداسة)، إلى جانب كونها مشحونة بالدلالات البطولية)، وتعتبر لسان العصر) حسب تعبير الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، فإنه آثر استعمال كلمة قومة للاعتبارات الآتية:

– أولها: موافقة القرآن الكريم، ومطابقة في تسمية الانطلاقة الثانية بما سميت به الأولى) 1 .

– ثانيها: إعادة المدلول الإسلامي للكلمة، وللأذهان القداسة التي كان يتمتع بها القائمون.

– ثالثها: تسجيل الاختلاف في النية والاتساع في الهدف وحضور الغاية، الله عز وجل.

– ورابع الاعتبارات: التميز في التعبير وعدم موافقة مصطلح الغير، لكون الأسماء تفيض بمعانيها وحقائقها على المسميات إن استعيرت) 2 ، ثم لأنه للكلمة والتعبير وأسلوب التخاطب انعكاس مباشر على العمل) 3 .

لم يكن اختيار الإمام لكلمة قومة بدل كلمة ثورة اعتباطيا، بل له ما يسنده من نصوص شرعية مؤصِلة، وتجارب تاريخية تطبيقية، ومبررات واقعية.

التأصيل الشرعي لمفهوم القومة

تستمد كلمة قومة مشروعيتها من كونها كلمة قرآنية وردت في آيات كثيرة بصيغ مختلفة للدلالة على معاني الاستقامة على الدين والفطرة، والقيام لله بالدعوة والشهادة بالقسط، والقوة والإتقان، وهذه بعض آي القرآن:

– قال تعالى: وأقم الصلاة (العنكبوت: 45)، وقال سبحانه: وأقيموا الصلاة (البقرة: 110).

– قال عز وجل: فأقم وجهك للدين حنيفا (الروم: 43).

– قال جل وعلا: قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا (سبأ: 46).

– قال الله تعالى: وإنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (الجن: 19)، وهذه الآية وحدها يعتبرها الإمام عنوانا وبرنامجا.

– وقال جلت عظمته: يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط (المائدة: 8)، وفي آية أخرى: يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله (النساء: 135).

كما يعتمد الإمام ياسين رحمه الله على آية النهي عن طاعة المسرفين الذين يفسدون في الأرض، وآية الأمر بطاعة الله والرسول وأولي الأمر موضحا معناها والمقصود منها 4 ، للتدليل على مشروعية القومة، إلى جانب عدد من الأحاديث النبوية، كحديث انتقاض عرى الإسلام ابتداء من الحكم وانتهاء بالصلاة، وحديث افتراق القرآن والسلطان، وحديث الخلافة على منهاج النبوة، وحديث الغربة الثانية، وأحاديث الطاعة للحكام المقيدة بشروط مناقشا بشكل مستفيض آراء الفقهاء في مسألة التعامل مع الحكام في عدد من الكتابات، كل هذه الأحاديث وغيرها استند إليها لقراءة ماضي الأمة وتاريخها، والنظر على ضوئها في حاضرها، والتنظير لمستقبلها تغييرا وبناء، لكن الحديث الأساس في مشروع الإمام التجديدي هو حديث الخلافة على منهاج النبوة الحديث العظيم المنبئ عن العز المستقبل الذي ينتظر هذه الأمة المرحومة أصلا، المقهورة بلاء، الصاحية اليوم، المتيقظة المجاهدة المنتصرة بإذن الله)، يقول رحمه الله بعد عرض الحديث: تنطلق خطانا المنهاجية من قواعد الشرعة، يستنير القلب بنورها، والعقل بعلمها، والنظر بمفاهيمها، والإرادة بحافزها وداعيها وندائها، لنقتحم العقبة إلى الله عز وجل. هكذا نفكر وهكذا نعمل. والخلافة على منهاج النبوة هي الأفق) 5 .

التأصيل التاريخي

يقرر الإمام ياسين رحمه الله أن الأمة ولود للرجال القائمين المصلحين على مدى تاريخها، يقول: لم تنقطع في تاريخنا الطويل سلسلة الرجال القائمين بالقسط) 6 ، وقد صنفهم إلى ثلاثة أصناف، ممثلا لنماذج من كل صنف:

طالع أيضا  إضاءات حول مفهوم القومة عند الإمام عبد السلام ياسين [5]

– كمل الورثة المحمديين من جمع الله لهم بين العلم الواسع والفقه والجهاد أمثال القائمين من أهل البيت في مقدمتهم سبطي الرسول صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين رضي الله عنهما.

– قمم في العلم والإصلاح أمثال أئمة الفقه الأربعة رحمهم الله.

– مجاهدون غلب جهادهم علمهم.

وقد تراوحت قوماتهم حسب الإمام بين القومة المسلحة والمقاطعة الصامتة ومحاولة الإصلاح تربية وتعليما للأمة وتغذية لها بروح المقاومة. ويؤكد رحمه على أنه يجب أن نتبع ذلك القبس النبوي وهو ينتقل من جيل لجيل، صفاء في العقيدة، واستقامة في الدين، وصلابة في الحق، وجهادا مع الأمة) 7 ، فمن شأن تتبع نبضات القومة والمقاومة في تاريخ الأمة دعم التحفز لانبعاث الأمة المقاتلة على الحق أمة المستقبل) 8 .

التبرير الواقعي

لم يكتف الإمام رحمه الله بقراءة تاريخ الأمة، ثلماته وجروحه، وحسناته ومزاياه، بل وجه نظره لدراسة واقع الأمة وحال الحكم والحكام فيه.

حال الحكام

تعيش الأمة الحكم العاض والجبري استنادا إلى التحقيب النبوي في حديث “الخلافة على منهاج النبوة”، يحكمها حسب الإمام ياسين حكام العض والجبر مبرزا أنه لا هم لهم إلا البقاء على الكراسي) 9 إذ لا يدخل في اهتمام الحاكم المستبد إلا استمرار وجوده) 10 ، وقد عدد مجموعة من السلوكات التي يسلكها الحكام في علاقتهم بالمال والمجتمع والحركة الإسلامية والأحزاب والأعداء، لضمان خلودهم في الحكم واستمرارهم فيه، يمكن بسطها في النقاط الآتية مختصرة بعد استقرائها من بعض مكتوباته:

– الاستبداد المطلق والترف الذي اعتبر ظهوره وازدهاره ثمرة تلاقح بين استغلال النفوذ، واحتجان الأموال بالباطل. الترف زهرة مزابل الفساد السياسي الاقتصادي. فهو تركيب نفسي مواكب لحركة الاقتصاد والسياسة والاجتماع) 11 .

– ممارسة القهر السياسي والاحتقار الاجتماعي والتهميش الاقتصادي على الأمة.

طالع أيضا  إضاءات حول مفهوم القومة عند الإمام عبد السلام ياسين (1)

– تهميش الحركة الإسلامية، وتشويه صورتها بالبهتان المفترى، ومحاصرتها بكل الوسائل.

– التمكين لطبقة سياسية موالية صناعة لها وإغراء واحتواء واستدراجا.

– تسخير وسائل الإعلام والمال والسلطة لإقناع الأمة بمنهاجهم وفرضه عليها.

– موالاة الأعداء وتمكينهم من مقدرات الأمة وخيراتها.

– عقد الهدنة وصنع “السلام” مع اليهود.

– العبث بمصير الأمة ومستقبلها.

حال الأمة

كان لبيان حال الأمة وتشخيص أمراضها المختلفة نصيب لا يستهان به في تآليف الإمام رحمه الله؛ إذ لا بناء يرجى للأمة ولا صناعة لمستقبل وحدتها بدون تمريض واقعها، والحديث عن ذلك يطول، فلا مناص من ذكر بعض التوصيفات العامة، والتفاصيل والجزئيات تترك لبحوث موسعة. فالأمة المسلمة:

– منومة بالتخدير الكلي، ومغزوة غزوا شاملا أفرغ كل مجالات الحياة من الإسلام.

– ضحية الدعايات ضد الإسلام، وشبابها ضحية التهريج والتهييج.

– مقهورة مهمشة مغيبة في قضاياها وشؤونها.

– خاملة مستكينة راضية بدين الانقياد.

– مشتغلة عن الشأن العام بسفاسف الحياة اليومية.

– مستقيلة عن حقها وواجبها في تصريف شؤونها.

– متخلفة في كل المجالات.

لا يقف الإمام ياسين رحمه الله من حال الأمة وواقعها موقف الباكين أو المتباكين على جراحها، أو موقف اللاعنين للعدو الجالدين للذات القاعدين عن النهوض، أو موقف الهاربين إلى الماضي المتغنين بالأمجاد المسلين للأنفس بها، بل يقف موقف الراضي بأمر الله القدري، المشمر العامل لتنزيل أمر الله الشرعي القاضي بالقومة له والشهادة بالقسط والحضور الوازن والحركة التغييرية للأمة، يقول رحمه الله تعالى: من هذا الواقع الحاضر تبدأ الحركة وإياه تقصد بالتغيير) 12 ، ويعتبر إمامة الأمة محور الصراع بين عصبة الإيمان وعصابة الوكلاء من الجاهلية، نحن بلحمة الإيمان الواصلة بيننا وبين العامة أقرب لقلوب الأمة، وهم أحدٌ وعيا لعامل الالتصاق بالشعب وأعلى ادعاء له) 13 .

طالع أيضا  القومة أو آلية التغيير في التصور المنهاجي

[1] الإحسان، عبد السلام ياسين، ج 2، ص 500.\
[2] المرجع نفسه، ج 2، ص 500.\
[3] رجال القومة والإصلاح، عبد السلام ياسين، ص 8.\
[4] انظر كتاب العدل، الإسلاميون والحكم، عبد السلام ياسين، ص 122.\
[5] المرجع نفسه، ص 26.\
[6] رجال القومة والإصلاح، ص 42.\
[7] المرجع نفسه، ص 44.\
[8] المرجع نفسه، ص 81.\
[9] المرجع نفسه، ص 26.\
[10] الإحسان، ج 2، ص 510.\
[11] الخلافة والملك، عبد السلام ياسين، ص 83.\
[12] مقدمات لمستقبل الإسلام، عبد السلام ياسين، ص 20.\
[13] المرجع نفسه، ص 22.\