قصيدة تأبين فقيد الأخوّة الخالصة، والمحبّة الصّادقة “فاروق بُواص” بعد التحاقه بالرّفيق الأعلى. نظَمتُها بُعَيْد عُمرة مباركة نُعِيَ إليّ الرّاحل قُبَيْلَ أداء نُسُكها 1 ، فكان الخبر مُلهِباً للمشاعر، مُهيِّئاً جهاز القلب للتعرُّض لنفحات الله أثناء أداء الشّعائر؛ طوافاً باركه الله بقُبُلات ودعَوات في المـُلتزم، والرّكن، والحجَر، قبل زمزم طلب العلم والرّزق والشّفاء مِن السَّقَم، بين يدَيْ سَعْيٍ نحو الصّفاء والمروءة، والتجرّد من شُعَيرات الآثام تحلُّلا وتحرُّراً وانعتاقاً، وحمداً لله على ما به تفضَّل وتكرَّم.

في روحانية هذه الأجواء خطَّت الأنامِل هذه الأبيات في رثاء أحد الرّواحل الرّاحلات، والحمد لله على كلّ حال، والحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصّالحات.

فاروق يا زَيْن الشّباب بِما نَذَر *** لله نفسا لم تُطِق دُنيا الغَرَر
وهَبَتْ ربيع العُمر فِدْية رحلة *** الشوق حاديها وراحلة السّفر
ريحانة كان الفقيد وشامة *** وَسْطَ الصحاب بلا انتفاش أَو بَطَر
حُسْنُ الخليقة والخِلال وفِطنة *** مرمى الحسود وفتنة تُسْبي البصر
كان الحبيبُ ملاذَ كلّ معذَّبٍ *** نِعْم المُواسي في الشّدائد والغِيَر
بِدعائه كنّا نصول ونَتَّقي *** تُقضى الحوائج، والحواجز تَنْدَثِر
كم مرَّة ضاقَت بنا الدّنيا بما *** رحُبَت فتمّ بوصله كشْف الضّرَر
كان المُبادئ بالسّلام مُهاتفاً *** ومُهَنِّئاً بالعيد رائِدَ كلّ بِرّ
لله ما أعطى ولله البقا *** عَجِل الحبيب إلى المُهيمن وابتدر
لم يَسْتَطِب عيشا بُعَيْد رحيل من *** كان الأب الرّوحي مبتدأ الخبر
خَبَرِ السّعادة أن أهلّ بصحبة *** خَتَم الإله له بها زهر العُمر
كان المُحَبَّبَ للوليّ وأهله *** كان المُترجم للمشاعر والفِكَر
كيف الحياةُ وحِبُّ قلبك قد قضى؟ *** أواه يُتْم الرّوح أدهى بل أمَرّ
فاروقُ يا نَبْع الوفاء ورَبْعه *** يا روح طفل في حشاشة مُحتَظَر
ناشدْتُك الرّحمن هل بطن الثَّرى *** أولى لنا مِن ظهرها، صَدَق الأثر؟!
أم أنّ شوقَك للكريم وقُربه *** هو مَن دعاك لرحلة تُدْني الوَطَر
بجوار أحمد والصحابة والأُسَى *** ممّن تلاهم حاديا حَدْو الأثَر
ومعيّة المصحوب ياسين الذّي *** هو للأُسى فَرطٌ على خير البَشَر
عقد مِن المرض المُعيق مُمدّدا *** والقلب في حيويّة تُقْصي الضَّجر
والعقل في جولاته يطوي المَدى *** يرتاد آفاقا ويقتنِص العِبَر
والروح في أُنْس بمصباح الهُدى *** أحصيته وسواك بَرّر واعتذر
مِن “يوسف” الإحسان نِلْتَ نضارة *** ووهبتَها لله قربةَ مَنْ شكر
وبِصَبْر “أيّوب” صَعِدْت مِدراجا *** للفوز بالرّضوان غَيْرُك ما صَبر
في دعوة “نوحية” كُنت الفتى *** حالا، مقالا، حكمة، سلس الدّرر
متأملا، متواصلا، متباذلا *** وله من الأحباب رَهْطٌ مُعْتَبَر
من فطنة الأوّاه نِلْت بصائرا *** كَسَّرْت أصناما وأفْحَمت الحَجَر
عبَّدْت أقواما لربّك هاديا *** شَجَراً بَذَرْت مُباركا وله ثُمُر
مِن رحمة الهادي اكتسبْتَ محامِدا *** رِفق ولين، رَأْفَة تُربي الفِطر
من كلّ ذي عزم أخذْتَ محاسنا *** جَعَلَتْك فينا مائزاً بين الأطُر
أبْكَيْتَ عيْنَيْ مَن أحبّك، دمعُه *** حزنٌ وقلب الصَبِّ راض بالقدر
لمّا نعاك الأقربون كأنمّا *** في الليلة الظلماء قد فُقِدَ القمَر
لولا طواف في العتيق بكعبة *** والسعي قبل الحلق سنّة معتَمِر
ودعاؤنا أن يغفر المولى له *** ويثيبه عنّا كأفضل مَنْ أُجِر
بجنان خُلْد في جوار المصطفى *** ومقام صدق عند مَلْك مقتدر
لم نُلْفِ للبَلوى عزاءً أو ندى *** فوق الجراح، وهل يداوي الجرْحَ قر؟
للأم مَن آوَت وعانَت واكتَوَت *** بلظى فِراق الصَبِّ والنَّجْل الأبَرّ
قُبلات شُكْر فوق رأس ثباتها *** هل ثَبَّتَ الفُضلى سوى بُعْد النّظر؟!
أنّ الفقيد عريسُها وعروسُه *** حورٌ حِسانٌ دون مَهْرٍ في الحُجَر
زُفّ الحبيب لحضرة الوالي فتىً *** قُرْبانَ أُمٍّ ياله مِن مُدَّخَر!
وهديّة للمصطفى خير الورى *** ودليلَ رفض للضّلال المُنتشر
في مصر في شام الإباء ومغرب *** في تونس الخضراء في لبيا عمر
في المسجد الأقصى وفي يَمَنِ القِرى *** وخليج آبار وأمصار أُخَر
الوضع هَرْجٌ والمظالم جَمّة *** والحكم عضّ والتباين في الصُّوَر
فكأنّ فاروق العدالة قد جفا *** ظُلم البرايا وارتضى عدل الحُفَر
للمهتدي روضات جنات وللـ *** باغي سعير بئس مَثوى مَن فَجَر
وجنازة المرحوم شاهدُ فوزِه *** ومَعيشةُ المحروم حَصْرٌ في حَذَر
ومهازِل وزلازل وقلاقِل *** لا أَمْنَ لا عُقْبى لَهُم لا مُسْتَقَر
ماضيهمُ فَشَلٌ وحاضِرهم أَسى *** والخِزْي موعدهم، ومنزلهم سقر
دَعْنا مِن الأكدار تُدْسي أهلها *** فمسيرة الأخيار سُلْوة كُلِّ بَرّ
فاروقنا مَن عاش عيشَةَ مُبتلى *** وقضى فَجَلّى الموتُ جهراً ما سَتَر
لما رأيت الوجه في مهد الرّدى *** نورا على نور بقَوْلٍ مُخْتَصَر
أيقنت أنّ الله أنجز وعده *** هو خير من أعطى وأكرم من شكر
أعطى الحبيب محاسناً وفضائلا *** وحباه أعمالا تصدّق ما وَقَر
بُرهانَ إيمان نما حتّى سما *** والسّقم يَجْبُر ما تَصدَّع وانكسر
اغفر إلهي للفقيد ورَقِّه *** لمنازل الأحباب في أعلى الحُجَر
مع أحمد والآل أرباب التُّقى *** والصحب من آوى وهاجر أو نَصَر
ألحِقْهُ بالدّاعي مُجدّد قَرْنِه *** متقابلا معه على سُرر النظر
ما لا رأت عَيْن ولا خطرت على *** قلب ولا عنها سمعنا مِنْ خَبَر
صلّوا على طه صلاةَ متيّم *** ما زار مشتاق وحجّ أو اعتمر
صلّوا فإنّ صلاته سكن لنا *** لا هَمّ تُبْقى للأسيف ولا تَذَر


[1] السبت 29 ربيع الثاني 1435هـ الموافق لــفاتح مارس 2014م، يوم دفن الفقيد سيدي فاروق بواص رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، ورزق أمّه الطيّبة الصابرة المحتسبة وأقرباءه وأحبّاءه الصبر والسّلوان. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.\