إن تمييز الله نبيه عنا لا يهدف لرفعه فوقنا رفعا يبعده عنا، لكن يهدف لتمكين هيبته في نفوسنا وتعميق حبه في قلوبنا. وكما أن تَعَالِيَ المولى سبحانه وتقدُّسَهُ لا يجعله بعيدا عن عباده بل يبقى قريبا، فكذلك هذا الرجل الذي لا يَصفو حبنا له من أكدار البشرية لو بقي في أعيننا واحدا من بعض رجالنا. وحبه صلى الله عليه وسلم من حب الله. ومِن حب الله والتعلق الدائم به يفيض الحب على رسوله بالإضافة والتبعية.

فمهما توغل حب العبد المصطفى في قلوبنا فسيبقى حبا مضافا. ولا خطر من الشرك كما يتوهم أهل اليُبْسِ والجفوة، عافانا الله.

حب الله ورسوله ليس عاطفة -وهذه كلمة محدثة تترجم لغة بشرية- حب الله ورسوله حركة قلبية كأخواتها من معاني القلب والغيب: الرحمة والسكينة والإيمان والإحسان وما إليها. أما الغرام، الذي يعبر عنه بكلمة الحب وهي شريفة أنزلها الاستعمال الدارج عن مكانتها، فهو حركة نفسية. وتشترك الانفعالات البشرية في التسمية، فيكون للمؤمن والجاهلي فرح وغضب، حب وبغض، وسائر ما تعتلج به الأنفس. لكن المؤمن وحده المختص بحاسة القلب يفرح بالله، ويغضب لله، ويحب في الله، ويبغض فيه. أما الكافر المطبوع على قلبه فلا يعدو الانفعالَ النفسيَّ. فمن أخص خصائص المؤمن حياةُ القلب، لا يعرفها عالم الجاهلية. وقد مستنا عدوى العقلانية الجافة، واختلطت في مجتمعاتنا دوافع النفس البشرية المشتركة مع الدوافع الجاهلية الهِيَاجِيَّةِ الـمُعْدية، فضمُرَت، ثم ذبُلَت، ثم ماتت رقائق القلب من تواد، وتراحم، وتساكن. فإذا مجتمعنا تركيب تُقَعْقِعُ فيه المصالح، والعلاقات النفعية الجافة، والكراهية، والتحاسد، والتباغض، والعنف وهو الجاهلية.

ما ذاك إلا لتعطيل، بل تعطل، الحياة القلبية. وإنَّ معين هذه الحياة حب الله ورسوله. فمتى غابت هذه الشُّعبة العظمى من شعب الإيمان من حياة المسلمين هوَوْا في دَرَكات العَمَاية. يقول الإمام الغزالي رحمه الله: إن من أحب غير الله، لا من حيث نسبتُه إلى الله تعالى، فذلك لجهله وقصوره في معرفة الله تعالى. وحب الرسول صلى الله عليه وسلم محمود لأنه عين حب الله تعالى. وكذلك حب العلماء والأتقياء، لأن محبوبَ المحبوب محبوب. ورسول المحبوب محبوب، ومحب المحبوب محبوب. وكل ذلك يرجع إلى حب الأصل، فلا يتجاوزه إلى غيره. فلا محبوب بالحقيقة عند ذوي البصائر إلا الله تعالى. ولا مستحق للمحبة سواه) 1 .

الإمام عبد السلام ياسين، “حبه صلى الله عليه وسلم من حب الله” من كتاب القرآن والنبوة، ص 58 إلى 60.


[1] الإحياء ج4 ص258.\