ليست الإنسانية هي امتلاك الكائن البشري للقوة العقلية بل هي امتلاك القوة الخلقية؛ يقول ابن خلدون: إذا فسد الإنسان في قدرته على أخلاقه ودينه، فقد فسدت إنسانيته وصار مسخا على الحقيقة)(المقدمة، ص374).

إن الإنسانية هي أدنى المراتب عكس ما يعتبرها الفكر الغربي أعلى الرتب، فمجال التمايز هو التخلق الذي يرتقي ب”الإنسانية” إلى مقام “الرجولة” ثم “المروءة” ثم “الفتوة”.

إن “الرجولة” أو”الرجولية” هي جملة الصفات الخلقية التي يحصل بها الكائن البشري على كمال البشرية. ولا نعني بالمفهوم نقيض الأنوثة، فالأنوثة أمّ الرجولة وصانعتها.

والمروءة هي جملة الأخلاق التي يحصل بها الإنسان على كمال الرجولة، أي المروءة بلوغ كمال الرجولة، فالمروءة أكمل من الرجولة والرجولة أكمل من الإنسانية، أما الفتوة فهي أشرف الرتب الأخلاقية، فهي كمال التخلق والتدين.

تشترك هذه المراتب في ممارسة التخلق كمحدد لهوية الإنسان أكثر من ممارسة التعقل.

إن الأخلاق ليست جزءا من الأفعال التي يقوم بها الإنسان، بل هي مجموع هذه الأفعال صغيرها وكبيرها، فالفعل العقلي نفسه خلق نرتقي به إلى رتبة الإنسانية، ما دام نافعا غير ضار. والفعل السياسي خلق يرتقي للإنسانية ويورث صاحبه والمتحكم فيه صفة الإنسانية والرجولة والمروءة، إذا بني على المصلحة العامة والشاملة. أما إذا كانت المصلحة الضيقة والمستبدة تضيع الإنسانية وتصبح “الميكيافلية” و”النتشوية” وتسود قوة السلطة لا سلطة القوة، وقانون الأقوى في الهوى، وتصبح الأخلاق ضعفا وتكريسا للذل والهوان، فمن صفعك على الخد الأيسر فلتعطه الخد الأيمن.

إن المحدد لهوية الإنسان أخلاقيته لا عقلانيته، وبالتالي تصبح أخلاقية المروءة أقوى من أخلاقية الرجولة ومن أخلاقية الإنسانية، وتصبح أقدر من غيرها على صنع هوية الكائن.

أما مقام الفتوة، بيت القصيد، فأشرف الرتب الأخلاقية، يعلو على المروءة والرجولة والإنسانية.

تمتاز الفتوة ب”كمال التدين”، والمقصود بالتدين الآثار الخلقية لممارسته. وتختلف الفتوة عن الإنسانية التي قصرت الاهتمام على الإنسان، واعتبرته مستغنيا بذاته ووجوده وأفعاله وذهبت إلى تجاهل الواقع الديني الإلهي، أما الفتوة فممارسة الدين في الأخلاق والفعل، فلا فتى بغير دين، ولا فتوة لمن لا إيمان له برب العالمين، فأولى الناس بهذا الاسم نبي الله إبراهيم (أب الفتيان) ومحمد عليه الصلاة والسلام (سيد الفتيان).

إن التدين لدى الفتى ممارسة لاحقها أفضل من سابقها، ولكل تجربة أخلاقية أو زمان أخلاقي فتوته، فإما أن نكون فتوة زماننا الأخلاقي أو لا نكون. إن الفتوة لا تعرف التبعيض ولا أنصاف الحلول، إما ارتقاء أو لا ارتقاء، إما فتى أو لا فتى، لا نريد دونية أخلاقية نرضى فيها بالذل والهوان، لقد أعزنا الله بمكارم الأخلاق فإذا ابتغينا العزة في غيرها أذلنا القريب والغريب والذليل.

نريد أرقى وأكمل ممارسة تدينية تخلقية، نطلب نهاية التدين وكماله، ولن نرضى بالانتساب للدين تقليدا أو نفاقا.

إن التدين الكامل أقدر على صنع هويتنا بما هي هوية التزكية قد أفلح من زكاها، والتزكية لا تتحدد إلا بالتخلق والارتقاء الخلقي. وكمال التخلق من كمال التدين. بهذا يخلق الفتى أزكى هوية بكل أبعادها اللغوية والتاريخية والجغرافية والمصيرية…

كما تتميز الفتوة عن الرجولة ب”كمال القوة”، فلا فتوة إلا مع وجود القوة، يقول ابن عربي من لا قوة له لا فتوة معه)، فقد ارتبط تحطيم إبراهيم للأصنام بفتوته وقوته سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم (الأنبياء 60) فهو لم يستعن بأحد ولم تكشفه عين الرقيب، متحديا أقوى السلط، كانت قوته جسمية وعقلية وروحية، حكموا بقتله حرقا، وأبدعوا في ذلك، فلم يعبأ لحكمهم، فعلمه تعالى بحاله يغنيه عن السؤال.

إن مقام الفتوة، لا أن تكون قويا، بل أن تكون أقوى، أي أن تقوى على ما لم يقو عليه غيرك من الدرجات والارتقاء، فالضربات التي لا تقصم ظهرك تقويك.

وتمتاز الفتوة عن المروءة ب”كمال العمل”، فالمروءة غايتها تحصيل مكارم الأخلاق وتزكية الذات، كحفظ اللسان والبصر والسمع، ويبقى في ذلك نوع من الأثرة والمنفعية.

أما الفتوة، فأصل الأفعال الخلقية فيها مصالح الغير أي “أخلاق الإيثار”، فالفتوة في اصطلاح أهل الحقيقة هي أن تؤثر الخلق على نفسك بالدين والدنيا.

وأشكال الإيثار مراتب أعلاها التضحية بالنفس من أجل الغير وأوسطها الصبر على أذى الغير والتماس العذر والعفو عند المقدرة، ورد الإساءة بالتي هي أحسن.

ومن مقاصد الفتوة الإتيان بالأفعال على مقتضى الإيثار المناسب للمقام، وفي ذلك ارتقاء، حيث تؤثر إيثارا على إيثار سابق، لتصبح الفتوة هي إيثار الإيثار أو إخلاص الإخلاص، وهذا مقام الارتقاء في “الانحساس”، أن تحس بالإحساس.

إن الفتى يرتقي في الإيثار والإخلاص والانحساس ولا يرضى إلا بكمال التدين وكمال القوة وكمال العمل.