تعتبر التنمية هم الجميع أفرادا ومؤسسات، بل هي الباب الذي يتوجب أن يسد، لكي يصلح ما بداخل الدار ويقوم، وهذه العملية تقتضي الوقوف عند المثالب والمعيقات، لتشخيصها والبحث عن دوائها، والنظر إليها بعين التغيير الشامل الكامل، إذ لا يسلك في أذن الجائع إلا صوت خبز يذهب عنه الجوع، ولا تنتظر ممن ساح في صحراء قاحلة أن يكترث بالتأمل والتفكر في خلقه سبحانه، ما دام الظمأ غير مروي.

فالتنمية إذن هم يجب أن يقضى لكي تكون الفرصة مواتية لعبادة الله، ومعرفة النفس، والاستعداد للسعادة الأبدية.

فاعلم أن أي بلد أثقلت كاهله هذه المشاكل، وجعلته دائما يتذيل قوائم التصنيف، والأزمات تزداد عمقا، والأوضاع تعرف ترهلا بيّنا، لا يمكنه أبدا أن ينظر للمستقبل ويؤسس لتنمية تقلع به نحو آفاق النهضة والتطور.

فعندما تغيب الإرادة السياسية الحقيقية الكفيلة بتغيير قتامة هذا الوضع وفظاعته، فلا تنتظر إلا العجب العجاب في كل شيء، سلب للحريات، وقمع للأحرار، وطمس للحقائق، ونشر للأوهام المبررة بالإيديولوجيا المفضوحة.

إنه لتدريب جيد أن يكون الإنسان صادقا مع نفسه، فمصارحة الذات ومعرفة حقيقتها هو الأس الحقيقي لبنائها، وكفى من كثرة الخطابات المعسولة، والبوح بعبارات الاستقرار والسلام والاطمئنان “العام زين”، دعونا من كل ذلك، فلا مبرر واقعي يعززه، ولا حجة تقويه، لتروي به ظمأ المواطن، وتشفي غليله، فما هي إلا أمنيات كاذبة تطلقها أفواه غير صادقة، لها مصلحتها في العلبة السوداء، وليس في صالحها تجلية الحقيقة وإبانتها.

فلا تنمية حقيقية يمكن أن نلحظها في الواقع ما لم نتصد لهذه المثالب بقومة حقيقية قوامها، بعد النظر، وشساعة الأفق، وتعزيز الصرح القيمي.

التبعية والاستهلاك

إن من فرط في أصوله الهوياتية، سواء أكانت قيمية أو فكرية، سيمنع حتما من الوصول بمقاساته الخاصة، فما دمنا لم نتحرر بعد من التبعية الخارجية، التي خلقت لدينا ثقافة الاستهلاك والخمول والكسل، فلا ننتظر إلا التفاقم والترهل في كل شيء.

فماذا عن تجربة التقويم الهيكلي في المغرب، مثلا، بشروطها وطوقها المحكم الذي يعتقد روادها أنه حل قد يطبب العليل، بينما هو علاج قاتل، مولد للحرمان، مر المذاق، وخيم العواقب السياسية؟

إن أهم عائق يحول دون تحقيق تنمية حقيقية هي الأنانية المستعلية التي تحكم قبضتها في من بيده القرار، فيغيب معها التدبير الصحيح، ويسود بذلك التيه، ومتى حل بنا الضنك نلجأ إلى شركائنا في صندوق النقد الدولي، منتظرين وصفاته السحرية وشروطه المحكمة.

إن التنمية المستوردة بمموليها وخبرائها، كالبضائع المستوردة الجاهزة، وكالتصنيع المستورد، ما هي إلا حركة على السطح وموجة لا قرار لها، فلا ننتظر من ذلك إلا الاختلال في كل شيء، في القيم، في التدبير، تفشي البطالة، هجرة الأدمغة، المحسوبية… لأن الرؤية التي تؤطر ذلك غير واضحة صواها، فبات شبح الديون يلاحقنا، حتى نقف مع ذواتنا بمنطق القطيعة الكلية لا بمنطق الإصلاح الجزئي الذي لا يعدو سمسرة في البرامج والخطط.

الدائرة الصماء

هذا المصطلح أطلق على الإنتلجنسيا التي نهلت من الفكر الغربي، فأصبحت نصيرا له ومن داعميه، وفي السياق ذاته سقت هذه العبارة لأبين أننا ما دمنا لم نصارح ذواتنا بما لنا وما علينا، ونخرج من تلك الدائرة التي تسيجنا سنكون حتما من مثالب التنمية، لأن كلمة المثقف تجر من ورائها مئات من الأتباع، فيظلون ضحايا الوهم والزيف، فمن لم ينطلق من الأصول سيمنع حتما من الوصول.

علينا أن نتصدى لتلك الدائرة المخيفة التي تكبر في أنفسنا، كلما تركناها ولم نكترث لها، إنها سم قاتل ينخر الذوات، ويبتر الإرادات، ولا بديل لنا عن النهل من قيمنا الإسلامية، فهي الأساس الذي يجب أن يحكم عملنا التنموي، بروح جهادية ننشد من خلالها إقامة دولة القرآن.

الإرث القروني

إن ما تركته قرون من الفساد والكساد، في كل المجالات ومناحي الحياة، سيشكل مثلبا كبيرا أمام جند الله عندما سيجدون على كاهلهم عبء الدولة ومسؤولية إنجاز ما لم ينجزه الظالمون) 1 ، فلا تكفي إذن خطابات التشخيص للشجب والتعبير عن الامتعاض، وإنما الأمر أكبر من ذلك، يتجلى في بلورة تصورات بديلة برؤى توافقية يشترك فيها الجميع من فرقاء وغيورين.

تعتبر هذه بعض المثالب الكبرى التي لا شك أنها ستشكل عائقا حقيقيا أمام أية محاولة تنموية، إن لم نعد لها حلولا آنية واستراتيجية، تخفف من حدتها وأثرها العويص، على الوجود الإنساني.

وكل هذا من أجل أن يتغير مفهوم المواطنة في أتون هذه الظروف المصطنعة، لينتقل من مواطنة مادية زائلة، إلى مواطنة قلبية ذات أفق شاسع، تبتغي رضا ربها عز وجل، ضمن تركيبة نفسية وسياسية واجتماعية وفكرية، قوامها القرآن والمحجة البيضاء.


[1] الأستاذ عبد السلام ياسين، العدل، الإسلاميون والحكم، ص: 228.\