كثر الطلب والتهافت على استنساخ التجربة المغربية في تدبير الشأن الديني، تهافت دول عدة على تبني هذه المقاربة وإيفاد أفواج من الخطباء والأئمة لتأهيلهم والإفادة من “الخبرة” المغربية فرض تناول المقاربة لكشف مرتكزاتها وأهدافها. وقبل ذلك، وجب التمييز بين دلالة لفظ “تدبير” كما هو متعارف عليه في مجال الإدارة والتسيير لأي شأن أو قطاع، وبين ما يعنيه هذا اللفظ في واقع الشأن الديني.

إن ما يسمى اليوم في الخطاب والإعلام الرسميين “تدبيرا للحقل الديني” قديم، وإنما الجديد هو التسمية في محاولة لفرض مصطلحات وتسميات ارتبط إطلاقها بما يوصف بالعهد الجديد لإيهام الناس أن تغييرا وإصلاحا قد انطلقت أوراشه. ولهذا الغرض تم إعداد “منظومة” مفاهيم تلخص معالم “العهد الجديد” منها: الميثاق الوطني للتربية والتكوين، مدونة الأسرة، تدبير الحقل الديني، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، المغرب الأخضر، المغرب الأزرق، الجهوية الموسعة…

تدبير الحقل الديني إجراء واختيار قديم فطن له النظام منذ ستينات القرن الماضي وعيا منه بحيوية الإسلام في التعبئة وصناعة الوعي الشعبي والتأثير في وجدان مجتمع مسلم؛ اختيار وظفه النظام في عهد الملك الراحل الحسن الثاني لقطع الطريق على اليسار كما على الحركات الإسلامية.

لقد مر تدبير النظام للحقل الديني من مراحل أهمها:

ـ مرحلة إقصاء الخطاب الديني من الحياة العامة للمجتمع انتهت بالثورة الإيرانية وإسقاط الشاه.

ـ مرحلة تأطير الحقل الديني بإطلاق الجيل الأول للمجالس العلمية الذي دشن ميلاده بفتوى تكفير الخميني قائد الثورة الإيرانية، في رسالة واضحة لطبيعة الأدوار التي من أجلها تم إحداثها.

ونبقى في نفس المرحلة، وخلال لقاء الملك الراحل الحسن الثاني مع أعضاء المجلس العلمي الأعلى الذي عُين على هامشه عبد الكبير العلوي المدغري وزيرا للأوقاف والشؤون الإسلامية، 11 أبريل 1985، قرر الملك إيفاد أفواج من الشباب المغاربة لتعليم دعاة مسلمي آسيا وإفريقيا اللغة العربية وإقدارهم على تبليغ دعوة الإسلام، حيث قال: أنا أريد أن أقترح عليكم… أن نوجد في أقرب وقت ممكن من أولئك الذين لهم باكالوريا العربية ولا يدركون ولا يتحكمون في لغة أجنبية، أن نعطيهم القليل بالوسائل المرئية السمعية اليوم في ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر، إما الإنجليزية أو الفرنسية أولئك الذين سيكونون دعاة الإسلام في المدارس الابتدائية في بنغلاديش، في الباكستان، في الصومال، في دجيبوتي، في جزر القمر، في غينيا، في السينغال، في جميع الدول الإسلامية التي لا تتكلم العربية…) 1 .

ـ مرحلة إطلاق الجيل الثاني من المجالس العلمية غداة تفجيرات 11شتنبر 2001، وأحداث 16 ماي 2003، وفيها تم تجديد المجالس العلمية الإقليمية وإحداث المندوبيات الجهوية وإطلاق محطة إذاعية وأخرى فضائية وُظف في أسمائها رقم “6” بدلالته الترتيبية، في إحالة إلى ما سلف من عناوين يراد لها أن تؤطر ما يسمى “العهد الجديد”.

جيل جديد من المجالس العلمية والمنابر الدينية تمّ بها الانفتاح على فعاليات علمية ودعوية ضخا لدماء جديدة وإنعاشا لخطاب ديني رسمي يشكو الرتابة وعدم الجاذبية رُصدت لها إمكانيات مالية هائلة ووفرت تعويضات مالية أحالت الحقل الديني مجالا للريع باسم الدين.

فما أشبه اليوم بالأمس، بعث أفواج من المغاربة ليعلموا أئمة ودعاة آسيا وإفريقيا اللغة العربية ويؤهلوهم لتبليغ للإسلام، واليوم، استقبال أفواج من الخطباء من بلدان عربية وإفريقية لتدريبهم أصول التواصل والخطابة والوعظ الدينيين.

إن تدبير/احتكار الشأن الديني اختيار استراتيجي متجذر في النظام السياسي المغربي يؤسس عليه شرعيته، بل إن هذا الاختيار اعتبر نباهة سياسية لم يكن الملك الراحل الحسن الثاني يفوت الإشارة إليها، وهو يردد على محاوريه في الاستجوابات الصحفية نصيحته لشاه إيران بأن يراقب العلماء، علماء الدين، قبل أن تدك الثورة الخمينية عرشه؛ اختيار زكاه دستور فاتح يوليوز 2011 حيث صنف الفصل: 41 الحقل الديني مجالا سياديا يباشره الملك حصريا من خلال المجلس العلمي الأعلى الذي يرأسه، وباسمه تصدر التوصيات والقرارات الدينية: صلاة الاستسقاء نموذجا.

بعد هذا الجرد، نتساءل: أليس تدبير الشأن الديني مطلوبا لضبط الخطاب الديني توفيرا لأسباب الاستقرار والتعايش المجتمعيين؟ ألا يوفر غياب الرقابة للحقل الديني فرصة سانحة لنشوء خطابات وتصورات متطرفة تضلل الأغرار من الشباب للانخراط في أنشطة هدامة؟ وإذا سلمنا بضرورة المراقبة، ما هي حدودها وضوابطها تفاديا لتوظيف النظام للحقل الديني فتلا في شرعيته وإضفاء لصفة القداسة والنزاهة على قراراته ومبادراته؟

بداية، نؤكد: إن مراقبة الحقل الديني مطلوبة اجتثاثا للخطاب المتطرف وتكريسا للوسطية والاعتدال وتفاديا للانزلاق إلى التطرف والتجاذب وسموا به عن التوظيف السياسوي وتجنيبا البلاد خطر الاستقطاب القيمي المهدد للاستقرار والتعايش المجتمعيين. إلا يفعل تكن فتنة وفساد كبير.

إن الشأن الديني قضية مجتمعية لا يحق لأي طرف نظاما كان أو هيئات أو أفرادا أن يوظفه تحقيقا لأجندته، بل يجب أن يعبر من خلال الاختيارات المذهبية والفقهية والتربوية على إرادة الشعب ويستجيب لحاجياته.

وإذا كان القائمون على الشأن الديني رسميا يبررون مقاربتهم لتدبير هذا الحقل الحساس بمنع توظيف الخطاب الديني من أجل مآرب سياسية، فالممارسة تؤكد احتكارهم وتوظيفهم للدين لإضفاء الشرعية الدينية على النظام، ويبقى تعميم خطب الدعوة للتصويت بـ”نعم” على دستور فاتح يوليوز2011 أوضح دليل على هذا التوظيف، في حين يحرُم على الخطباء في منابر الجُمع تناول قضايا سياسية ولو بالتلميح، وإلا فالعزل مصيرهم. إنه تدبير بنكهة الاحتكار يكشف الدوافع الحقيقية لاعتماد المقاربة متمثلة تحديدا في تقييد التنظيمات الإسلامية المعتدلة، التي تؤرق شعبية خطابها النظام وتنازعه الشرعية، من خلال السيطرة على كل منابر المساجد وتوحيدها في خطاب وفكر يتناغم مع توجهات النظام.

إن ضبط الخطاب الديني لا يعني تحويله لماكينة دعائية تُسوق مبادرات النظام هبة سماوية منزهة عن الخطإ أو النقصان تقتضي التسليم والشكر، بل تعني الالتزام بالضوابط التي ترقى بالخطاب الديني للاضطلاع بوظائفه التربوية، اكتسابا لخصال الخير والصلاح، والتعبوية انخراطا فاعلا وراشدا في البناء، والتوجيهية تفعيلا لآليات المراقبة تآمرا بالمعروف وتناهيا عن المنكر. وإلا ما دور العلماء عموما والمجلس العلمي الأعلى مما يتناسل من منظومات فساد وتفسيق وتمييع تستهدف قيم المجتمع؟ ما دور هؤلاء جميعا فيما يستشري من فساد ونهب للمال العام؟ ثم كيف يمكن أن يتسنى للعلماء والمجلس العلمي الأعلى تحديدا أن يوجه الحاكم ولو من طرف خفي، وبأقصى ما يكون التلطف والأدب، حتى لا نقول ينتقده، وهو ولي نعمته ورئيسه المباشر؟

وخلاصة القول: يجب التمييز بين التدبير القائم على حكامة راشدة انطلاقا من ضوابط وأصول معتبرة، وبين تدبير هو في الحقيقة احتكار وتوظيف لشأن يرتبط أصلا بوجدان الشعب، لهذا لم يخترق الخطاب الديني الرسمي، رغم كل محاولات الإنعاش والتنشيط، جدار الرتابة، وظل بعيدا عن التأثير في مشاعر الناس، ولا أدل على ذلك من تواضع مستوى تجاوب رواد المساجد مع دروس الوعظ، حيث، ولتفادي انكشاف العزوف عن هذا الخطاب، تبرمج حلقات الوعظ والتوجيه قبيل صلاة العشاء ضمانا لحضور يرفع الحرج.

إن مقاربة النظام لتدبير الشأن الديني آلية للتحكم في الحقل الديني، لا تنتعش و”تؤتي” أكلها إلا في إطار وصاية سلطوية تصادر الحريات والحقوق العامة، فنجاح المقاربة يقتضي لزوما توفير بيئة بنفس شروط المناخ السياسي المغربي، وإلا لن تحقق المقاربة النتائج المأمولة، لأن بيئة أية مبادرة هي شرط في نجاحها.


[1] نص الخطاب كاملا في موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.\