تعد أهل مكة أدرى بشعابها) واحدة من أشهر المقولات العربية المتداولة في المجال العربي الإسلامي في الآونة الأخيرة. المقولة واضحة ولا تحتاج لشرح كبير، فالوافد إلى مكة كان يجد صعوبة في الولوج إليها والتعرف على شِعابها بسبب وعورة تضاريسها، لأن الجبال تحيط بمكة من كل جانب مما يجعل الغريب عنها عرضة للتيه وربما الهلاك بخلاف أهلها الذين يعرفون بلدتهم جيدا. هذه الخاصية لا يمتاز بها أهل مكة فقط فهي تنطبق على كل المناطق في العالم، لذلك تستخدم المقولة على نطاق واسع ليس فقط في الاستدلال بقدرة أهل المنطقة على معرفة جغرافيتها أكثر من غيرهم بل حتى في العلم بعاداتها وكافة شؤونها الخاصة والعامة.

على الرغم مما في هذا المثل العربي من صواب إلا أن التعامل معه بالمطلق أمر غير صحي بتاتا، فقليل من التأمل يكشف جوانب كثيرة من القصور فيه، فليس شرطا أن تكون ابن منطقة ما حتى تحتكر الفهم والدراية في شؤونها، نعم هناك امتياز محدود لأبناء البلد في فهم خصوصية بلدهم لكنه مشروط بالتمكن من استخدام أدوات تحليلية أخرى لا تقل أهمية عن الانتماء الأصلي لاستيعاب الأوضاع تماما، وإلا فالباحث الأجنبي الجاد سيتفوق ساعتها عليهم وهذا ما أثبتته عدة تجارب في هذا الصدد. ولا أدل على ذلك نجاح القوى الغربية الدائم في التلاعب بالمنطقة وتشكيلها وفقا لأهواء خبرائها ومصالحهم منذ عقود، فقد أكدوا في كل مرة أنهم أدرى بشعاب مكة من أهلها.

ما يغيب عن أذهان أنصار هذه المقولة أيضا هو أنه وفي كثير من الأحيان قد تعجز المجموعات الواقعة تحت الضغط عن رؤية عدد من الحقائق رغم بداهتها بسبب الانفعال الزائد وبسبب الغرق في التفاصيل، فيما يظل المراقب من بعيد متحررا من كل ذلك وأكثر إحاطة بالصورة وشموليتها وهو ما يؤهله لاتخاذ مواقف أكثر نضجا، تماما كما يستطيع الطبيب النفسي سبر أغوار نفسية فرد معين أكثر منه شخصيا.

لذلك فإن اعتبار “أهل مكة أدرى بشعابها” مسلمة لا تناقش والتعسف في استخدامها بالذات على المستوى السياسي، هو أمر لا علاقة له بالموضوعية لا من قريب ولا من بعيد، ويكشف عن مستوى الأزمات المتفاقمة لدى أمتنا وحالة التشتت والتشرذم التي تعاني منها حتى أصبحنا ينقص بعضنا من بعض فقط بسبب اختلاف انتماءاتنا القطرية، وأيضا يفضح تهافت جل التيارات السياسية في المنطقة وضيقها تجاه أي رأي مخالف لخيار من خياراتها، بحجة أنه لا ينتمي إلى بلدها حتى لو كان يتقاسم معها نفس المرجعية، وحتى لو كان ذلك الرأي رائجا في البلد وتتبناه قطاعات واسعة من شعبها، فهي تختزل البلد في نفسها وفي التوجه الذي تمثله.

والمفارقة أنه وبعد ممارسة أتباعها الإقصاء بحق الآخر لا يجدون أية غضاضة في فعل ما ينكرونه على الآخرين أي حشر أنوفهم في شؤون بلد آخر حتى يأتي من يذكرهم بأن أهل هذا البلد أعلم بشؤونه، وهكذا يظل استخدام هذا المنطق المنحبس مستمرا وصداه مترددا في جميع البلدان العربية والإسلامية تقريبا.

الملاحظ أن هذا السلاح يستخدم بشكل مزاجي، ومن طرف جل الناشطين في الساحة، فإن تحدث محاورهم وانسجم مع أفكارهم ومواقفهم نسوا أنه غريب عن مكة ولا يهمهم إن عرف شيئا عن شعابها وأنسابها، لكنه إن تجرأ وخالفهم ذات مرة سرعان ما يشهرون في وجهه الورقة الحمراء، ويصبح هذا المحاور المسكين فجأة لا يفقه شيئا بعدما كانت آراؤه تحظى عندهم بإعجاب كبير. ثم كيف يُقبَل ممن كان فكرهم عابرا للحدود من قوميين أو إسلاميين أو غيرهم أن يتحدثوا بمنطق القطرية الضيقة ويتحمسوا لتطبيق هذا المثل بعصبية تنسف كل ادعاءاتهم الوحدوية؟

على أن المقولة هاته ليست مقبولة حتى وإن صدرت من الأطراف التي لا تؤمن إلا بما رسمه المستعمر من حدود والتي تعتبر أي موقف صادر من أية جهة خارج هاته الحدود تدخلا في شؤون بلدها، فلا أحد يحق له أن يحجر على التجارب الإنسانية وعلى متابعتها والاستفادة من الدروس التي تخلفها.

من مصلحة الجميع أن يضعوا هذا المثل العربي الأصيل في موضعه الطبيعي دون تطرف، فبعض النقد حتى لو كان من جهة بعيدة جغرافيا أو ثقافيا لا ينبغي أن يتعامل معه بتشنج أو عصبية، فقد يساهم في معرفة صورتهم لدى الآخر البعيد وسيعين حتما في البناء وفي تحصين وتقوية بيتهم الداخلي.