قوم سلاحهم الشك والتشكيك يرونها ظاهرة شرك إن سُيِّدَ في لفظ محمد صلى الله عليه وسلم، أو عُظِّمَ في اللهجة، أو سُكِبَتْ العَبرةُ حنينا إليه. أولئك ما قرأوا أنه عبد يوحى إليه، وأنه سيد ولد آدم. إنما هو عندهم عبد آدمي بلَّغَ وانتهى ووَلَّى. نعوذ بالله من الخذلان!

لننس هذه الوحشية في صحبة أحباء الله ورسوله. قال الإمام علي كرم الله وجهه: أفضت كرامة الله سبحانه إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فأخرجه من أفضل المعادن منبتا، وأعز الأرومات مَغْرسا. من الشجرة التي صَدعَ منها أنبياءَه، وانتخب منها أمناءه. عترتُه خير العِتَرِ، وأسرته خير الأسر. وشجرته خير الشجر. نبتت في كرم، وبسقت في كرم، (…) فهو إمام من اتقى، وبصيرة من اهتدى. سراج لمع ضوؤه، وشهاب سطع نوره، وزَنْدٌ برق لمعه. سيرته القصد، وسنته الرشد، وكلامه الفصل، وحُكمه العدل) 1 . بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم وآله شهيدا وبشيرا ونذيرا. خيرَ البرية طفلا، وأنجبَها كهلا. أطهرَ المطهرين شيمة. وأجودَ المستَمْطرِين دِيمَةً) 2 . أرسله داعيا إلى الحق وشاهدا على الحق. فبلغ رسالات ربه غيْرَ وانٍ ولا مقصر. وجاهد في الله أعداءه غير واهن ولا مُعَذِّرٍ. إمامُ من اتقى، وبصرُ من اهتدى) 3 .

تنفسنا نسيم أهل الله فلنرجع. إن الله تعالى علمنا الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة الحجرات. هذا الأدب حرف لا معنى له، أم هو أدب من يريد الدخول على مقام النبوة ليعظم النبي من وراء الشخص البشري؟ قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (الحجرات، 4-3).

مِنَ الناس من لم تُزايلْهم أعرابيةُ الغِلظة، فساء أدبُهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كسوء أدبهم مع بعضهم. والله عز وجل يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ (الحجرات، 2). وقال سبحانه: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ (الأحزاب، 40). أمَا كفى هذا تمييزاً لمن يعقل؟

هذا النبي الخاتم العزيز على ربه هو القدوة الخالدة للبشرية، خاتم بالزمان وخاتم بالكمال. غشِيَتْ أعينٌ لا تستنير بنوره، وخابت وخسرت ذمم فَصَمَتْ ما بينها وبينه! قال الله في حقه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا الأحزاب، 46-45.

الإمام عبد السلام ياسين، “محمد صلى الله عليه وسلم المثل الكامل” من كتاب القرآن والنبوة، ص 56 إلى 58.


[1] نهج البلاغة، ج.1 ، ص 185.\
[2] نفس المصدر، ص 200.\
[3] نفس المصدر، ص 229.\