كان فاروق بواس رحمه الله، الذي وافته المنية مساء الجمعة 28 الربيع الثاني 1434 الموافق ل 28 فبراير 2014 بعد معاناة طويلة مع المرض، فتى من فتيان الكلمة بكل ما في الفتوة من معان ودلالات وقيم نبيلة.

تعرفت عليه سنة 2005 حين استدعاني لزيارته في بيت أمه الحاجة خديجة، رزقها الله الصبر والسلوان على فراقه. كانت المرة الوحيدة التي ألتقيه فيها وقد وجدته كما تخيلته تماما من وحي ترجماته وكتاباته ـ ذاكرا لله جم الأدب رقيق الحاشية جلي الفكر عميق الثقافة، فترسخ لدي يقين بأنه مترجم لا يشق له غبار. وقد كان.

بزغ نجم فاروق بواس وصار ملء السمع والبصر وتبوأ مكانة في حياتي الثقافية تليق بقدره وعلمه وملكاته النقدية وثقافته المتعددة المناهل والمشارب. كان التلميذ النابه للإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، فعنه أخذ نصوع البيان وعمق الفكر ووضوح الرؤية وإشراق العبارة وتماسك المنهج والإيمان العميق بدور الترجمة ورسالتها في المجتمع الإنساني وفي النفس البشرية، دون إغفال للقيم الجمالية، أو هبوط إلى مستوى الترجمة الفجة التي تفقد المادة مصداقيتها وأثرها العميق في العقل والروح والقلب. كما أخذ عن الإمام المجدد رحمهما الله أسمى ما يطلبه سالك إلى مولاه؛ طلب وجه الله تعالى.

عرفته أديبا وفنانا، راصدا لحركات الواقع وسكناته، ومعبرا بضميره الحي وبلسانه عن خلجاته وآماله وآلامه وأوجاعه. عرفته مترجما حقا لا انفصام بين فكره وسلوكه، ولا تناقض بين آرائه ومواقفه.

شارك الراحل، قبل مرضه، في منتديات عدة كان آخرها الملتقى السنوي لجمعية دراسات البحر الأبيض المتوسط في ماي 2003، ضمن وفد جماعة العدل والإحسان إلى جانب الأستاذة ندية ياسين والأستاذ عبد الله الشيباني بجامعة بودابيست بهنغاريا.

وها هو ذا يرحل عنا بعد سنوات طوال من المكابدة مع المرض تحملها في صبر وثبات وتفاؤل وإيمان عميق ويقين لا يتزعزع مهما تعقدت المسيرة وتفاقمت الصعاب.

رحل عنا أخونا فاروق بواس.. لكنه ترك لنا زادا ثقافيا وسيرة حياة سوف تبقى في ضمائرنا وضمائر أجيال مقبلة بقاء البذرة في أصل النبات المزهر.