بدأت دعوة الثلة القليلة الملتفة حول الإمام المرشد، وفي أيديها الأعداد الأولى من مجلة الجماعة، تعطي ثمارها، وشرع يلتحق بالصف جموع من المستجيبين تقاسموا مع الداعين مشروعهم وارتاحوا للعمل إلى جنبهم وأعجبوا بدورهم بشخص الأستاذ ياسين وفكره ومنهجه التربوي. فبالدار البيضاء انضمت مجموعة، وبآسفي تكونت نواة وبالرباط وسطات وطنجة والقصر الكبير وفي العديد من القرى أو المراكز الحضرية الصغرى انضم أفراد وتكونت أسر دعوية. وكان البريد يحمل إلى عنوان المجلة مراسلة من هنا وأخرى من هناك، فما يلبث الإخوة المنضمون الأوائل أن يشدوا الرحال نحو عناوين المرسِلين حين يضعونها، لأن كثيرا من القراء المتصلين ومخافة المتابعة من أجهزة المخابرات كانوا يكتفون بأسماء مستعارة أو بحرفين يرمزان إلى الاسم واللقب 1 . وكلما أثمر الاتصال وآتى أكله وأعلن المستهدف عزمه على التعاون وانضمامه للصف وأفصح عن رغبته في العمل لجمع شتات الدعوة بالمغرب وتنظيم تحركها وأنس هو من نفسه وأنس الإخوة منه رشدا، كانت له مع الإخوة الذين سبقوه إلى الانضمام جلسات وكانت له للأستاذ المرشد زيارات. وبما أن مراكش تبعد عن الوسط، ولم تكن آنذاك ملائمة لتكون مركز إشعاع الدعوة ومحضن اجتماعات الإخوة المنضمين الشهرية، فقد فكر الأستاذ الإمام رحمه الله أن ينتقل إلى الوسط، إلى الرباط العاصمة. ولكُمْ أن تُخُمِّنوا لمن أسندت هذه المهمة؟

– للحاج إبراهيم الشرقاوي، ذلك الوافد الجديد؟

– أصبتم التقدير، ومن أجدر منه للقيام بها!!

اضطلع الحاج إبراهيم بالمهمة إذن، وقفل راجعا إلى الرباط يستعجل إنجازها.

ومن جميل صنع الأقدار، أنه وفور وصوله إلى الرباط، التقى بصديق قديم جمعه به النضال داخل حزب من الأحزاب التي انتمى إليها الحاج إبراهيم أو لربما شارك في تأسيسها 2 ، وقد كان أخبره من قبل بكونه رحل من داره التي كان يقطنها بحي السلام بسلا، ليقطن بحي أكدال بالرباط، فما أن رآه حتى سأله:

– ما فعلت بدارك بحي السلام؟

– هي فارغة، وأتردد في تأجيرها لما تعلم من صعوبات استخلاص واجبات الكراء. فكثير ممن أَجَّرَ ممتلكاته يعدها ضاعت منه، فلا دارا أبقى ولا أجرا حَصَّل ولا هو حر في التصرف فيها.

– أنت إذن تعتزم إيجارها؟

– نعم! لكن ليس لأي نَكِرَة، الله وحده يعلم هل يصدقني في المعاملة أم “يجرجرني” أمام المحاكم.

– جاءك من تبحث عنه: يؤدي لك إيجارك ويحفظ لك دارك.

– وتضمنه أنت؟ فمن ضَمِنْتَه وثقنا به.

– بل هو يضمنني، ومن ضمنه هو كان أهلا للثقة.

– إلى هذا الحد تزكيه؟ من تُراه يكون؟

– أزكيه؟ بل هو يزكيني بعد أن أفلح في العثور على من زكاه فذكر اسم ربه وهو في صحبته فصلى 3 .

– حاج إبراهيم! بالله أخبرني من يكون؟

وهكذا منح الصديق صاحبُ الدار الحاج إبراهيم فرصة ليتكلم عن “السي” عبد السلام ياسين ويبين فضله وعلمه ومشروع عمله الدعوي.

لم ينضم صاحب الدار للجماعة ولم يعزز صفوفها، فلم يكن منصبه وهو المسؤول الحزبي المرموق ولا موقعه وهو النائب “المحترم” 4 بالبرلمان ليساعداه على ذلك، وكان الحاج إبراهيم يدرك ذلك. لكنها فرصة سنحت للتعريف بالإمام. فَلِمَ يُحرَمُ منها الأنام؟

وبعد أن رتب الأمور كلها بسلا، وأعانه على ذلك شباب كانت المجلة التي أصبح هو مسؤولها الإداري والمالي سببا في ربط الاتصال بهم، ها هو متجه من جديد نحو مراكش وكله فرح وسرور بل وفي عزة النشوة والحبور.

فهو ليس متوجها إلى مراكش وواردا ماءه ليشرب ويرتوي، وكما تعود أن يفعل، لكنه هذه المرة يقصد مراكش ليستقدم منه العين بكاملها وهي معين للشرب والرَّواء…

واستقر المرشد الإمام بالدار المؤجرة بسلا بحي السلام.

وكما فهم الحاج إبراهيم بالأمس لم تدعى مراكش مدينة البهجة، ها هو اليوم يفهم لم سميت الحاضرة المستقبلة للإمام “سلا”. نعم إنها سلا: سلت فيها نفسه، منذ أن وطئت قدما الوافد الجديد عليها أرضها، واطمأن قلبه وحلت به السكينة وغشيته الرحمة كلما زارها وحل ضيفا على ساكنها.

وصار البيت، الذي بطريق الخيزران، محضنا أرقميا تجتمع فيه النواة الأولى المؤسسة لأسرة الجماعة، فالزيارات إليه وعلى مدار الأسبوع لا تنقطع، ويوم الأحد يصبح فضاء مفتوحا يستقبل كُلَّ من طَرَقَه، سواء أكان الطارق راغبا في الاستفادة من مجلس العلم والوعظ والتذكير بالله الذي يقيمه الأستاذ ياسين، أو كان شابا يافعا متأثرا بالحملة “السلفية” التي كانت في أوجها آنذاك تمولها أموال النفط ويؤطرها شيوخ الوهابية الكبار، فوجد الفرصة سانحة للوقوف عن قرب على ثغرات رجل يتحدث عن الدعوة خارج حدود ما سطره الشيوخ المذكورون لها، لعله يتصيد منه قولا في مسألة، يطوف مشهرا بها على أشياخه ورفقائه من أتباعهم، أو كان مجرد فضولي جاء به فضول التعرف على الرجل الذي تجرأ فكتب رسالة مفتوحة للملك.

وفي السبت الأخير من كل شهر يتحول البيت السلاوي إلى منتدى موسع يلتئم به جميع المنضمين من كل مناطق المغرب، حتى تضيق غرف طابقه السفلي عن آخرها بالإخوة، فيبيت بعضهم بالسيارات المركونة بحديقته أو الأزقة المجاورة. وكثيرا ما يكون المحظوظ من ظفر بمقعد بسيارة، لأن الازدحام بالبيت لا يترك للنائم مساحة نصف سيارة يتمدد عليها.

فيا للتربية، وما تنتجه من تحول في النفوس! فهؤلاء الذين يقطعون مئات الكلومترات على متن الحافلات العمومية – وما أدراك ما حافلات ذلك الزمان!- مرة كل شهر، ليتكدسوا في غرف ضيقة يسجد الساجد منهم في تهجده على أرجل آخيه، وقد ينتظر أحدهم قرابة نصف ساعة ليحين دوره لدخول المرحاض والوضوء للصلاة، كل هذا من أجل مجالسة المرشد والاستماع إلى كلامه القريب العهد من الله) 5 وذكر الكلم الطيب وقيام الليل والتذاكر في أمور المسلمين وسبل الدعوة إلى الله.

فإذا حان موعد الانصراف، فلا أثر لتعب السفر المتبوع بالسهر، ولا ضيق ولا ضجر، ولكن بِشْر على الوجوه وسكينة تعم القلوب، فإذا بدأ العناق إيذانا بالافتراق سالت العيون بالدموع الغزيرة فرحا بالله وحزنا على فراق أحبة أذن الله باجتماعهم في بيت من بيوت الله، تلوا فيه كتاب الله وتدارسوه فيما بينهم، فحصل لهم كل ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من سكينة أحست بها القلوب ورحمة غمرت المكان، ولو أن أحدهم ردد آنذاك قسم سيد العارفين بالله علي بن أبي طالب والله لو كشفت الغيوب ما ازددت يقينا) لما حَنِثَ في قسمه.

وفي كل شهر تعاد الكرة ويتكاثر العدد، ويزداد بتكاثره الفيض من الله والمدد.

هذا عن توظيف البيت بسلا، أما ما قام به ساكنه لما استوطنها، فإن وجوده بها يسر له المشاركة المباشرة في المشاورات التي سعت إليها الجماعة مع العاملين في حقل الدعوة لتوحيد الجهود في المتفق عليه بين الأطراف المكونة لها والتغاضي عما عسر إيجاد توافق حوله. كما أن مُقامَه الجديد مكنه من القيام بأنشطة جديدة، من قبيل الدروس التي كان يلقيها بدار الدعوة بالمدينة العتيقة للرباط التابعة لإحدى الجمعيات ذات التوجه السلفي، وإلقاء بعض المحاضرات العمومية في بعض معاهد التكوين الجامعية ومنها المعهد الوطني للإحصاء التطبيقي وغيره، علاوة على المحاضرة الشهيرة التي ألقاها في قاعة المحاضرات بوزارة الثقافة باللغة الفرنسية في موضوع من أجل حوار مع النخبة المغربية المغربة) 6 وذلك قبل أن تلاحقه عصا المنع والحظر وقبل أن يُسَلَّط عليه السجن ثم بعده الحصار.

وفي كل هذه الأنشطة كان الحاج إبراهيم المرافق والخفير وكانت على الدوام سيارته مطيتهما إلى ما يقصدان.

يتبع…


[1] هذا يلاحظ كثيرا عند تصفح أعداد مجلة الجماعة، وهو من تجليات الجو البوليسي الخانق السائد آنذاك وما نشره من رعب في صفوف الناس.\
[2] لم أعد أذكر.\
[3] يرمز هنا إلى صحبة الأستاذ ياسين للشيخ الجليل السيد العباس القادري البوتشيشي رحمه الله، الذي صحبه الأستاذ ياسين فاستفاد من صحبته ونال منها ما يرجوه الصاحب -وهو في طريقه إلى الله- من المصحوب. انظر رسالة الإسلام أو الطوفان المنشورة بهذا الموقع.\
[4] “المحترم” صفة يطلقها النواب البرلمانيون على بعضهم البعض حين يتخاطبون فيما بينهم أو بينهم وبين الوزراء.\
[5] بهذه العبارة وصف سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام كلام الشيخ أبي الحسن الشاذلي عندما جلس في مجلسه بمصر.\
[6] وهي مطبوعة ومنشورة باللغة الفرنسية.\