تقديم

أثل الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله مشروعا تجديديا يتسم بتكامل عناصره ونسقيتها، بناه عبر جهاز مفاهيمي مؤصل ومفصل؛ إذ كان يدقق في اختيار المفاهيم القرآنية النبوية، ويبسط دلالاتها بقراءة مستجدة تلتحم بالحاضر وتعانق المستقبل.

من المفاهيم المركزية في مشروع الإمام التغييري مفهوم القومة الذي تفرد بنحت معانيه وصبغه بحركة متجددة في زمان الفرد والأمة والإنسانية، لكن فرادة المفهوم وجدته في الساحة الفكرية، وقصور الإدراك له والإحاطة بجوانبه الدلالية من جهة، وسيادة وشهرة مفهوم الثورة من جهة ثانية، جعل البعض يجانب الصواب في فهم مفهوم القومة واستعماله، إذ تم اختزاله في مرحلة من مراحلها وهي إسقاط الاستبداد.

من هنا، تتضح أهمية تجلية بعض معاني وملامح القومة في فكر الإمام المجدد، وتقديم بعض الإضاءات حولها.

في معنى القومة والثورة

تعريف القومة

يعطي الإمام رحمه الله للقومة مدلولا واسعا يمكن تلمسه من خلال تعريفات ثلاثة:

والقومة تغيير دوافع الإنسان وشخصيته وأفكاره، تغيير يسبق ويصاحب التغيير السياسي والاجتماعي) 1 . والقومة تعني نهضة، ولا ينهض الجسم العليل المفكك. القومة تعني حركة إرادية، ولا يتحرك المشلول. القومة تعني تغييرا للمنكر، ولا يغير المنكر من لا يعرف المنكر في أسبابه، ودخائله، وماضيه، وحاضره، وحماته. القومة تعني جهادا منظما، ولا جهاد بدون تربية الأمة وتعبئتها للجهاد المرير الطويل) 2 . وأستعمل كلمة “قومة” للدلالة على نهوض الأمة بقيادة طليعتها من جند الله لفرض العدل والإحسان على الواقع الكئيب المتميز بالتخلف والاستبداد في الحكم، والظلم في القسمة، والنفور العام عن دين الله، والجهل به، والإعراض عن الآخرة وعن الله عز وجل، والاستقالة من التشريف الإلهي والتكليف الذي عين هذه الأمة لحمل رسالة الحق للعالمين) 3 .

يتحصل لدينا من خلال النظر في هذه التعريفات أن القومة:

– تستهدف تغيير الفرد والمجتمع والأمة.

– تأسيس لتربية متينة وتنظيم محكم وتعبئة طويلة لأجيال متعاقبة.

– نقلة نوعية وجذرية وعميقة من الظلم والاستبداد إلى العدل والحرية.

– خط زمني طويل يؤسس لتحول كبير من واقع الأمة المفككة المتخلفة إلى مستقبل الأمة الموحدة النموذجية في العالم.

تعريف الثورة

ينطلق الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في تعريفه للثورة من مادة “ثار” التي كثيرا ما تقترن في الحديث النبوي بالسلاح والاضطراب والحركة العنيفة، ومن المعنى الذي أطلقه المسلمون في العهد الأول على كلمة “ثائر” وهو كل مسلح يحارب السلطان، وعلى كلمة ثورة بوصفها خروجا غير شرعي على السلطان، فاعتبر أن الثورة تغيير بالعنف للبيئة الاجتماعية) 4 ، فهي تصور غليان الغضب والعنف المحطم والهيجان) 5 ، وبتعريف أكثر وضوحا وألصق بالواقع يقول: يسمى اليوم ثورة كل عنف، وكل انقضاض على السلطة، وكل استبدال لوجوه بوجوه، ولشرطة بشرطة، ولعصبية بعصبية) 6 .

ولعل إبراز أهم الفروق بين القومة والثورة يزيد في إماطة اللثام عن كل منهما من حيث المنطلق والحافز والمسار والفاعل والغاية.

فروق بين القومة والثورة

– تدل القومة على معاني الاستقامة والقوة والإتقان، وتقترن بالعدل والقسط، بينما تدل الثورة على العنف، وتقترن بالسلاح والاضطراب والحركة العنيفة.

– الباعث في القومة سام وهو القومة في سبيل الله والمستضعفين طلبا لرضى الله، فيكون الهدف تبعا لذلك تحقيق العدل وإقامة الدين، فيما الباعث والحافز في الثورة أرضي صرف، وقد يكون الفكر الإديولوجي المحرك بهدف تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وقد تثمر سياسيا استبدادا جديدا بوجوه جديدة.

– الطاعة للصف وقيادة الصف في القومة نابعة من باعث إيماني ومشاركة طوعية إرادية، أما في الثورة فمنبع الطاعة الانضباط الحديدي للصف.

يتبع…


[1] عبد السلام ياسين، رجال القومة والإصلاح، ص 7.\
[2] المرجع نفسه، ص 26.\
[3] عبد السلام ياسين، الإحسان، ج 2، ص 500.\
[4] رجال القومة والإصلاح، مرجع سابق، ص 7.\
[5] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص 370.\
[6] رجال القومة والإصلاح، ص 31.\