الهداية قرينة الخلق في الدلالة على الرب وأسمائه وصفاته وتوحيده، قال تعالى في سؤال فرعون، وجواب موسى قال: فمن ربكما يا موسى؟ قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. طه 50.

إن الهداية جواب عن إشكالية الربوبية، وجواب عن الطغيان والاستبداد الذاتي، فالآيات السابقة يقول فيها تعالى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى طه 44. إنه خطاب إلى فرعون، الذي ادعى الربوبية وقال: أنا ربكم الأعلى النازعات 24، فهو في الدرجة الثانية بعد إبليس ومع ذلك يحتاج إلى الهداية. إنه مقام الدعوة إلى التوحيد مع الطغيان بكل أنواعه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فقد كان الخطاب إلى قارون دعوة إلى الإحسان وأحسن كما أحسن الله إليك القصص 77، قبل الدعوة إلى الإقلاع عن الاستبداد ولا تبغ الفساد في الأرض القصص 77.

لقد كان الاستبداد ذاتيا في سؤال فرعون فلم يجرؤ على إسناد الربوبية لذاته، مع أن الخطاب كان موجها إليه إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك طه 47، فقد كان حريا بالمقام أن يقول: فمن ربي الذي تدعيان؟

وقد كان الجواب مقصديا، فلم يقل مثلا: ربنا هو رب العالمين بالشمولية، لكن الجواب بالبرهان والمقام مقام الدعوة بالهداية.

ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.

أعطى كل شيء صورته وصلاحه أي أعطاه من الخلق والتصوير ما يصلح به لما خلق له، ثم هداه لما خلق له، وهداية كل شيء هو الغاية التي يرتبط بها وجوده وينتهي إليها، فالجنين نطفة مصورة مجهزة بقوى تناسب ما ينتهي به إلى إنسان كامل في نفسه وبدنه، فقد أعطيت النطفة بما لها من الاستعداد خلقها ثم هديت لما يصلحها في معيشتها ومطعمها ومشربها وتصرفها. وكل شيء مهدي نحو كماله بما جهز به من تجهيز، والله تعالى هو المجهز والهادي.

وفي تفسير الطبري أعطى كل شيء خلقه أي نظير خلقه في الصورة والهيئة، حيث أعطى للذكور من بني آدم نظير خلقهم من الإناث، فلم يعط الإنسان خلاف خلقه فيزوجه بالإناث من البهائم.

والخلق هنا يتسم بالشمولية، أعطى كل شيء خلقه وتأمل “كل شيء”، أعطى الإنسان خلقه وأعطى الحيوان خلقه وأعطى النبات خلقه والكون خلقه وأعطى الخلق خلقه وأعطى العطاء عطاءه وأعطى الوجود خلقه… هذه الشمولية تتسم بالكمال “كل العطاء وكل الخلق” فالمطلوب التأمل في الخلق كي تهتدي إلى الخالق، والخلق صفة خاصة إلهية لا يمكن لأي مخلوق أن يتصف بها، فكيف يمكن للمخلوق أن يخلق؟

إن الهداية جواب عن سؤال فرعون الذي ادعى الربوبية، فقد يتحكم في رقاب الناس ويكون مصدر تشريع لكنه لا يمكن أن يكون مصدر الخلق أو الهداية.