يطغى على النظام المغربي في الفترة الراهنة إحساس عارم بالعظمة جراء تمكنه من الالتفاف على جل مطالب المغاربة إبان غليان الشارع المغربي زمن 20 فبراير ليجتاز عنق الزجاجة ولو مؤقتا، في الوقت الذي كان فيه الحراك الشعبي في دول مجاورة يحصد أنظمة وطغاة أسروا شعوبهم عقودا، ليؤكد المخزن من جديد سمعته العريقة في القدرة على البقاء والانتصار على إرادة الشعب المغربي، وما زاد في تغوله تلك الانتكاسات الثورية المتواصلة في مصر وسوريا وغيرهما والظرف الدولي الرافض لأية تغييرات جوهرية في المنطقة، مما جعله يسعى إلى الانتقام من هذا الشارع واسترجاع هيبته ممن تجرأ عليه وتطاول على بعض مقدساته.

ما يؤكد هذا ممارسات المخزن الحالية في الشارع، والتي تريد إرجاع المغرب والمغاربة ليس إلى ما قبل 20 فبراير بل إلى ما قبل إجراءات السكتة القلبية المرتقبة آنذاك والإجهاز بذلك على المكتسبات القديمة، فقد سعى إلى تجفيف منابع أية مقاومة شعبية كيفما كان حجمها بدءا بالمعطلين حتى تمكن من إضعافهم وبث الفرقة بينهم، ثم الأساتذة حملة الشهادات الذين باغته حراكهم، فقد وجدها المخزن فرصة ذهبية لتأديب الحركات الاحتجاجية بهم وجعلهم عبرة لمن لا يعتبر، فحتى وإن كانت نضالاتهم فئوية إلا أن مكانتهم الاعتبارية رغم التحريض السافر في حقهم تجعل منهم طليعة المجتمع لاعتبارات يطول شرحها في هذا المقام، بدليل أنهم الفئة الوحيدة التي استطاعت أن تخرج للشارع بزخم هائل وتتحدى إجراءات تعسفية كان يتصور القائمون عليها أنها ستقطع مع مرحلة الاحتجاجات بشكل نهائي. لذلك فقد سلط عليهم مدفعيته الثقيلة وحاربهم بشكل لا يتناسب مطلقا مع حجم مطالبهم والتي لم تكن تشكل عليه أي عبء في حد ذاتها بقدر ما كان ينظر إلى ما وراء هذه المطالب، حيث ستعيد الاستجابة لها الحيوية إلى الشارع من جديد، لذلك ومن باب سد الذرائع على الاحتجاجات فقد تمنع. فإذا قمع تنسيقيتي الأساتذة المجازين والماستريين مع مطالبهم البسيطة فقد ضمن سكوت فئات ليست بمستوى صمودهم ولا تملك ثقافة الاحتجاج التي يعرف بها رجال التعليم. وإذا كان اعتصام ثمانين يوما وما رافقه من تعسفات إدارية وقمع همجي واعتقالات بالجملة لم يحقق لحد الساعة النتائج المرجوة، فمن هذا الذي يستطيع الخروج للشارع إن فشل الأساتذة؟

يبدو أن النظام المخزني قد نسي ما قدمه له تفييء المجتمع من خدمات جليلة، حيث لعب دورا تنفيسيا كبير ما بعد 20 فبراير، حتى إنه كان السبب الرئيسي في تعثر مسار التغيير في المغرب، ذلك أنه كان يقسم المجتمع ويورث الأحقاد بين أبنائه ويمنع لم شمل المغاربة في بوتقة واحدة كي لا يواجهوا عدوهم الحقيقي. لكن هَم استرجاع قوته الردعية قد أثر عليه وطغى على تفكيره، ففكرة سحق الحركات الاحتجاجية ذات المطالب الفئوية هي انتحار له قبل غيره.

قد ينجح المخزن في القطع مع النضال الفئوي بعجرفته وتهوره، وسيصعب بالتأكيد على المناضلين الفئويين بعدما رأينا من تصلب المسؤولين الشديد معهم أن يستمروا في الخروج إلى الشارع واستخدام أدوات معركة غير متكافئة. لكنهم في الوقت ذاته سيدركون حجم أخطائهم السابقة وسيتخلصون من حالة التقوقع غير المبرر حول فئاتهم والتي كانت تضعف الحركات الاحتجاجية وتقوي شوكة النظام المغربي. آنذاك سيندم النظام المخزني بعد انقضاء نشوته العابرة على خنقه للمجتمع.