صدر، طبقا لمقتضيات الفقرة الخامسة من الفصل 148 من الدستور وتنفيذا للمادة 100 من القانون رقم 99.62 المتعلق بمدونة المحاكم المالية)، التقرير السنوي لأنشطة المجلس الأعلى للحسابات برسم سنة 2012.

من ناحية الشكل، صدر التقرير في ثلاثة أجزاء تضم ما مجموعه 1650 صفحة، وأشرف عليه إدريس جطو الذي تنقل في عدة مناصب في الدولة ما بين الوزارة الأولى والتجارة والصناعة والتجارة الخارجية والمالية وإدارة المكتب الشريف للفوسفاط قبل أن يعين رئيسا للمجلس الأعلى للحسابات٬ خلفا لأحمد الميداوي.

ومن ناحية الأرقام الكثيرة الواردة فيه يكفي الإشارة هنا التحذير الواضح من ارتفاع حجم المديونية الداخلية والخارجية (بلغ حجم الدين العمومي 589 مليار درهم)، واللجوء المتزايد نحو الاقتراض الخارجي خلال 2012. كما يكفي ذكر أن المحاكم المالية، بناء على تدقيقها في 1020 حسابا قُدم من طرف مختلف المحاسبين العموميين، أصدرت أحكاما بالعجز بلغت 31.057.539.72 درهما.

يقدم التقرير بيانا عن الأنشطة القضائية وغير القضائية للمجلس الأعلى للحسابات والأنشطة الإدارية للمحاكم المالية في جانب مراقبة التدبير وتتبع التوصيات الصادرة عن المجلس الأعلى للحسابات خلال سنة 2010 ما قبلها والأنشطة المتعلقة بالرقابة القضائية والأنشطة المتعلقة بالتصريح الإجباري بالممتلكات وبتدقيق حسابات الأحزاب السياسية والموارد والأنشطة الإدارية للمحاكم المالي. كما ألقى التقرير نظرة حول المالية العامة المحلية ومراقبة التدبير واستخدام الأموال العمومية). واختتم بتعليق وزير الداخلية حول الملاحظات المتعلقة بمراقبة التدبير المفوض لمرافق الماء والكهرباء والتطهير السائل بكل من الرباط والدار البيضاء، وكذا مراقبة تدبير بعض الجماعات الترابية وتتبع توصيات المجالس الجهوية للحسابات والأعمال القضائية والأعمال الأخرى للمجالس الجهوية للحسابات).

السياق الفاضح

تناول التقرير بالجرد أنشطة المجلس سنة 2012، وهي السنة التي أعقبت انطلاق شرارة حراك 20 فبراير الذي خرج فيه الشعب بقواه الحية إلى الشارع رافعا شعار “إسقاط الفساد والاستبداد”، في سياق “الربيع العربي” الذي اجتاح ما بين المحيط والخليج وأسقط أنظمة ورؤوسا وزعزع عروشا من تحت أعجاز المستبدين.

الواضح الفاضح من السياق الزمني الذي يتناوله التقرير؛ هو حجم ما سمح أصحاب الشأن بإماطة اللثام عنه من فساد سياسي ومالي وإداري تلا حراك الشارع وواكب أول حكومة منبثقة عن دستور 2011 وكان من المفترض، في ظل توجس أقطاب الفساد من تداعيات ذلك الحراك، أن يكون حجمه (الفساد) أقل بكثير مما ظهر منه.

والسؤال الملح الذي يفرض علينا التأمل في واقع الفساد والاستبداد وفي طبيعته وفي حجم تغلغله وانتشاره الأخطبوطي الذي ينخر في البلاد ويمتص من دماء أبنائها هو: إذا كان النزر القليل الذي أريد للتقرير أن يكشفه وسمح بنشره، لحاجة في نفس “الاستبداد المقنّع”، هو في ذلك الحجم الكبير، وهو حصيلة سنة أعقبت حراكا كان المفسدون فيه يحتاطون ويتوجسون خيفة، وهو حصاد نهب وفساد أول سنة تم فيها تفعيل الدستور الممنوح الجديد بما واكبه من محاولات تلميع صورة جديدة للنظام المخزني وتسويقها… إذا كان هذا السياق الخاص والاستثنائي قد أفرز كل هذا الفساد الذي تناوله التقرير وهو على كل حال غيض من فيض، فكيف يمكن تخيل حجمه قبل انطلاق شرارة الربيع العربي ومعه الحراك المغربي إذ كان المفسدون آمنين من تحرك الشارع؟ وكيف هو الآن بعد أن التف المخزن على مطالب الشعب و”أمن” غضبته، كما يظن، بانحنائته للعاصفة؟

الاستقلالية المغيبة

كان من الممكن لتقرير المجلس الأعلى للحسابات أن يكشف المزيد مما تشي به حال البلد وسياساتها لو أنه صدر عن جهة مستقلة، لا يؤثر في عملها أي ضغط مهما كان ومن أي جهة كانت، ولا يوقفه ضوء أحمر في الشوارع الخلفية للفساد والاستبداد التي تخضع لنظام في السير وفي التسيير وفي التدبير مختلف تمام الاختلاف عن النظام الظاهر والمعروف…

فليس لدى أي باحث موضوعي الضمانات الكافية التي تطمئن إلى الاستقلالية التامة والمطلوبة في عمل مؤسسة لها مهمة خطيرة يجسده عنوان هذا المجلس، ولا يستطيع أحد الجزم بأنه كان لهذا المجلس أو سيكون له كامل الحرية في الحصول على المعلومات الضرورية والكفيلة بإنجاح عمله في ظل مخزن مستفرد بمفاتيح خزائن المعلومة أن تتداولها الأيدي والألسن. وبناء على هذا فصدقية النتائج التي وصل إليها المجلس هي، رغم كارثيتها، محل نظر.

الشفافية الانتقائية

يروم التقرير بطريقة غير مباشرة إظهار النظام كما لو كان يتمتع بدرجة عالية من الشفافية ب”دليل” ما كشفه من خروقات طالت عددا من المؤسسات والإدارات والأحزاب والهيئات. وهي شفافية مزعومة ليس بين أيدي المواطنين والمتابعين ما يزكيها، بل ليس بين أيديهم إلا ما يشكك فيها وفي صدقيتها. فهي شفافية، إن سلمنا بها، انتقائية بما تنتقيه مما تسلط عليه الضوء من خروقات واختلالات على الهامش الصغير والمحدود لبؤر الفساد الكبيرة التي لا يستطيع المجلس المذكور الحوم، مجرد الحوم، حول حماها إذ تعتبر عمليا خارج نطاق وظيفته واختصاصاته.

الشجرة التي تخفي الغابة

لا أحد يشك في أن الغاية من أسلوب التقارير هذا ليست أبعد، من حيث مراميها، عما استعمله العهد القديم من أساليب “الحملات” التي طالت في منتصف تسعينات القرن الماضي مؤسسات وشخصيات بغرض تزيين وجه النظام وتبرئة ذمته من الفساد الذي رعاه وحماه وحصنه هو واضطر، في وقت من الأوقات، إلى التضحية بهامش من هوامشه.

ليست حصيلة التقرير إلا الشجرة المسمومة التي تخفي خلفها غابة موحشة يسري فيها قانون خاص، وتحوطها حصون منيعة لا يدخل أبوابها إلا ذو الحظ العظيم من رضى رعاتها. غابة تغذيها دماء المستضعفين من فقراء ومساكين هذا الشعب المحروم.

ماذا بعد التقرير؟

إذا كان التقرير الجديد للمجلس الأعلى للحسابات على درجة ما من الصدقية والشفافية، فهل من ضمانات تضمن إعادة الحق إلى نصابه ومحاسبة المقصر مهما كان ومعاقبة المدان مهما كانت درجة مسؤوليته في الدولة وإنصاف المتضرر ولو كان من عامة الشعب؟ وأين القضاء العادل النزيه المستقل الذي يضمن فيه صاحب الحق حقه ويرتدع فيه الظالم عن التمادي في ظلمه ولا توضع الحواجز أمام طريقه؟ وأين آلة التنفيذ القوية والقادرة والشجاعة التي لا تشل إرادتها التعليمات الفوقية ولا تثبطها الحسابات السياسوية ولا يعرف الفساد إلى ذمتها سبيلا؟

لن يكون لتقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2012 أثر أكثر من أثر سابقه 2011، ويكفي على سبيل المثال لا الحصر التذكير بما واجهه قضاة المجلس الجهوي للحسابات المنتدبين لافتحاص ميزانية عمالة آسفي والمجلس الإقليمي من تعقيدات في أداء مهامهم بسبب اختفاء وثائق مهمة لصفقات تقدر بالملايير تمت ما بين 2006 و2012.

ولا يحتاج المواطن إلى دليل على “بروتوكولية” هذه التقارير وعلى افتضاح الأهداف منها أكبر مما يلمسه يوميا من دلائل على الفساد السياسي والمالي والإداري المستشري والمتعاظم في الإدارات والمؤسسات مما ينعكس على حياته ومعيشته وكرامته وقضاياه وقوت يومه وحاضر أبنائه ومستقبلهم.