أجرت يومية المساء حوارا شاملا مع الأستاذ محمد عبادي، الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، حول العديد من القضايا والملفات.

الحوار، الذي نشر في عدد 2305 ليومي السبت والأحد 22 و23 فبراير 2014، تطرق للموقف من “إمارة المؤمنين”، والحاكم الفعلي في المغرب، والهامش المتاح للحكومة، وتحالفات الجماعة، وشروط انبثاق حراك شعبي، والموقف من ملف الصحراء، والتمدد الشيعي في المغرب، وقراءة الثورة والانقلاب في مصر، والتوافق في تونس، والحالة في سوريا، والخيار بين الاستبداد والعلمانية… وغيرها من القضايا الهامة.

نعيد نشر الحوار تعميما للفائدة:

يبدو أن العدل والإحسان بمواقفها المتصلبة تتجه إلى الارتطام بالحائط. كيف تجاهرون في خطكم السياسي بالقول: «نعصى الحكام لأنهم خرجوا عن الإسلام وخربوا الدين»، مع أن المغرب يحكمه، إلى جانب أمير المؤمنين وسبط الرسول، حزب إسلامي؟

نحن جماعة دعوة نتوب إلى الله وندعو الناس، حاكمين ومحكومين، إلى أن يتوبوا معنا إلى الله، لا نكفر أحدا من أهل القبلة إلا أن يجاهر، هو، بكفره قولا أو فعلا، والعبارة التي نقلتها من مقدمة كتاب «المنهاج النبوي» (نعصى الحكام لأنهم خرجوا عن الإسلام وخربوا الدين) يجب أن تفهم في سياقها ووفق موقف الإمام المجدد، رحمه الله، من حكم العض والجبر. فالعبارة وردت في سياق الإجابة عن سؤال: هل يجوز القيام على حكام الجور؟ فأورد نصوصا تدل على أن لا طاعة لمن عصى الله، ومنها حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “سيلي أموركم رجال يطفئون السنة ويعملون بالبدعة ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها. فقلت: يا رسول الله إن أدركتهم كيف أفعل. قال: تسألني يا ابن أم عبد كيف تفعل؟ لا طاعة لمن عصى الله”. وفي الآية الكريمة: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فيقف الإمام عبد السلام ياسين، رحمه الله، عند قوله تعالى «منكم»، متسائلا: أمِنّا دُمى الإلحاد في أفغانستان؟ أمِنّا من سفك دماء المؤمنين في مصر ومن يسفكها في كل بلاد المسلمين؟؟ أمِنّا من عذب المؤمنات الطاهرات القانتات بما لم يعذب به أحد في تاريخ البشر؟ أمنّا من يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف؟…ويطول التساؤل. وموقفه من كل الأنظمة التي تحكم العالم الإسلامي هو دعوتها للتوبة والسلوك مسلك عمر بن عبد العزيز…). هذه عبارته في مقدمة المنهاج، وهذا ما قام به فعلا من خلال رسالتيه المشهورتين: «الإسلام أو الطوفان» و«مذكرة لمن يهمه الأمر». أما صفة إمارة المؤمنين في المغرب فأريد لها أن تكون لقبا يخول صلاحيات سياسية مطلقة فوق الدستور والقانون والمؤسسات، بينما هي صفة شرعية ينبغي أن تستحضر في إطلاقها المعايير والمحددات الشرعية أولا، والمرجع في ذلك هو العلماء الأحرار الذين لا يخشون إلا الله في تنزيل مقتضيات شرعه وليس علماء السلطان الذين يتاجرون بدينهم ويفصلون الفتاوى على المقاس. أما قضية حكم حزب إسلامي فالكل يعرف الجهات الحاكمة فعليا.

ألا ترون أن الحكم الإطلاقي الجاهز في تقريركم السياسي الصادر في يناير الماضي على أن عمل أي حكومة، اشتراكية كانت أو ليبرالية أو إسلامية، يبقى مجرد عمل إداري محض، هو حكم مريح ولا يكلفكم عناء التتبع النقدي لتفاصيل كل تجربة حكومية على حدة؟

لقد تعاقبت على المغرب بعد «الاستقلال» حكومات متعددة، فأية حكومة منها استطاعت أن تطبق برنامجها بحذافيره دون ضغوط وقيود وعراقيل من قبل المخزن؟ ابتداء من حكومة السيد عبد الله إبراهيم، رحمه الله، الذي اضطر اضطرارا إلى مغادرة الحكومة، وانتهاء بحكومة السيد عبد الإله بنكيران، الذي يتحدث عن العفاريت والتماسيح. إننا لا ننكر جهد الصادقين من أبناء هذا البلد، الذين تسلموا مقاليد السلطة، غير أنهم لم يستطيعوا أن ينفذوا من برامجهم إلا ما سمح به المخزن وكان دعما لأركانه ولإيديولوجيته. ولهذا نجد المغرب بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال المزيف يصنف عالميا في مؤخرة الركب ومع الدول المتخلفة في كثير من المجالات. وعلى عكس ما تفضلت به في سؤالك كان ملخص التقرير السياسي متتبعا لكل تفاصيل السياسات العمومية ليبرهن على التخبط الكبير، الذي تقع فيه بلادنا بسبب غياب أجواء العمل الحكومي المسؤول والمستقل عن الإملاءات المخزنية، ومع ذلك لم نتردد في تحميل المسؤولية للجميع.

في الوقت الذي انبريتم لشجب الانقلاب على حكم الإسلاميين في مصر والتضييق عليهم في تونس لم يصدر عنكم أي موقف مؤازر لما يعتبره قادة العدالة والتنمية محاولة إسقاط الحكومة الإسلامية في المغرب؟

الحكومة في المغرب ليست هي التي تحكم مهما كان توجهها، فمن يحكم فعليا هو الملك ومحيطه، وقد جاء الدستور الممنوح الجديد ليعزز هذا التحكم والاستفراد، وبالتالي أن تكون الحكومة أو لا تكون فالأمر سيان، والكل تابع كيف استغرق التعديل الحكومي الثاني قرابة ثلاثة أشهر، وفي ذلك رسالة واضحة أن المغرب ليس في حاجة إلى الحكومة المنتخبة. ولهذا نتوجه بمعارضتنا إلى الجهات الحاكمة وليس إلى الواجهات الشكلية. وقد سبق لنا أن نصحنا إخواننا في العدالة والتنمية منذ بداية تجربتهم، وحذرناهم من التورط في تحمل مسؤولية حكومة لا تملك من الصلاحيات إلا هامش الهامش.

أي تصور، غير فئوي- قطاعي، تحملونه للحركة الاحتجاجية المغربية، بعد ثلاث سنوات على انطلاق حركة 20 فبراير؟

نعتبر كل ما جرى خلال السنوات الثلاث الماضية يشكل رصيدا مهما للبناء نحو مستقبل أفضل وتغيير عميق.

ونقدر أن الشروط السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أطلقت الحراك المغربي ما تزال قائمة، ولا يمكن للالتواء والمراوغة أن يطفئا هذه الجذوة حتى لو تم إخمادها ظرفيا، فالأوضاع تزداد سوءا، مما يفرض على الجميع التكاتف لتجنيب البلد الأسوأ والتأسيس لميثاق يضمن الانتقال باختيار واضحة مآلاته عوض المجهول الذي يقود إليه الحاكمون، والذي لا يمكن توقع حجم منزلقاته وكوارثه.

في الحوار الذي خصصت به «المساء» قبل حوالي سنة، وجوابا على سؤال حول جهاز التصنت الذي زرع في بيتك بوجده وكيف قمت بتفكيكه، قلت: «سنفصح عن ذلك عندما تكون الظروف مناسبة». احك لنا الآن عن ذلك؟

كل ما في الأمر أنني اكتشفت جهازا للتنصت زرع في المنزل وقد نشرنا صوره لحظتها.

الاقتناع بـ«الهامش» خير من المغامرة بالمطالبة بكل السلطة في غياب نضج الكثير من الشروط. يبدو أنكم لا تستشعرون قيمة الاستقرار الأمني والاجتماعي والديني الذي يعرفه المغرب؟

وهل هو قدر لا راد له أن نعيش أبد الدهر في الهوامش؟ وهل عقلية القبول بهذه الهوامش الضيقة هو ما أحدث التغييرات الهائلة، التي تجري في جسم الأمة خلال الثلاث سنوات الأخيرة؟ مع العلم أن هذه الهوامش يتحكم فيها الاستبداد بدقة ما دام هو من يمنحها. وإنه لممّا يبعث على الأسف الشديد أن نجد من لا يزال يروج لهذه العقلية الانبطاحية، رغم أن الشعوب من حولنا تنتزع حقوقها وحرياتها انتزاعا، وتسعى إلى استعادة إرادتها المسلوبة كاملة. طبعا مطالب تاريخية كهذه تستلزم تضحيات كبيرة، لن تكون في المجمل أكثر مما ارتكب في حق الشعوب طيلة عقود الاستبداد، التي أحكم فيها قبضته بالحديد والنار والاعتقالات والنفي والقهر والتجويع ونهب الثروات. أما عن الاستقرار فنحن أحرص الناس على المحافظة على الأمن والاستقرار ومبادئ الجماعة من نبذ للعنف وحرص على السلمية في جميع الظروف، وما قدمته جماعة العدل والإحسان ثمنا لذلك من استشهاد واعتقالات أكبر شاهد على ذلك. أما الاستقرار الذي يروجون له فهو استقرارهم في استبدادهم وفسادهم وتحكمهم، ولو على حساب الشعب المقهور في مختلف المجالات. فعلى المستوى الأمني يبقى القمع هو اللغة الوحيدة في ضبط الشارع، حيث لم تسلم منه أبسط حركة احتجاجية أو مطلبية، سواء كانت سياسية أو اجتماعية، ولم تسلم منه أي فئة، من معطلين ورجال تعليم وعمال وأئمة مساجد وأطباء وقضاة ونساء وطلبة وتلاميذ وغيرهم. ناهيك عن الغياب شبه الكلي للأمن الشخصي، وهو رعب يومي يعيشه كل فرد في ظل الارتفاع المهول في كل أنواع الجريمة، من سرقة وقتل واغتصاب. وأين الاستقرار الاجتماعي والأرقام الرسمية تقول إن عدد المغاربة الذين يعيشون تحت عتبة الفقر، والذين يعيشون وضع الهشاشة الاجتماعية، هو حوالي 8 ملايين، مع العلم أن حوالي 9 ملايين آخرين يصنفون رسميا ضمن الطبقة الوسطى، بناء على معيار 3500 درهم أجرا شهريا، وهم في الواقع يعيشون وضعا صعبا بالنظر إلى محدودية هذا الأجر في تحقيق الاستقرار الاجتماعي ﻷي أسرة في ظل الشروط المعيشية الملتهبة وجمود الأجور وتسريح العمال وإغلاق المصانع. فيكون بالتالي أكثر من نصف الشعب يعانون شظف العيش، في الوقت الذي ما تزال القلة المتنفذة مصرة على احتكار أزيد من 80 في المائة من ثروات المغرب. ثم أي أمن ديني هذا والمساجد مؤممة والأئمة والخطباء يتم طردهم بشبهة الانتماء، وتغلق دور القرآن، وتداهم مجالس القرآن والذكر ويعتقل روادها، وتمنع الاعتكافات، بل يطرد المعتكفون من بيوت الله، والدين في العموم يستعمل رسميا للتسلط فيما يشبه الدولة التيوقراطية، ناهيك عن السياسات الرسمية الثقافية واﻹعلامية التي تهدد قيم اﻹسلام، في الوقت الذي يحارب دعاة الفضيلة ويمنع صوتهم.

بما أنكم أقرب المجموعات السنية المغربية إلى التراث الشيعي، كيف تنظرون إلى الانتشار المتزايد للتشيع داخل المجتمع المغربي؟

بأي مقياس حكمت علينا بأننا أقرب الناس إلى التراث الشيعي؟ بيننا وبين الشيعة بون شاسع في كثير من المعتقدات والقضايا والأحكام الفرعية التي لا يتسع المجال للتفصيل فيها. والمجتمع المغربي بسبب فقدان الحصانة العَقَدية والتربوية أصبح مرتعا لكثير من الأفكار والمناهج والبرامج الهدامة، منها ما هو اﻵن أكثر خطرا على الشعب نظرا لاتساع انتشاره ورعاية بعضه رسميا أكثر من التشيع الذي يبقى محدودا.

ما كتبه المرحوم عبد السلام ياسين في كتابه «الشورى والديمقراطية» بأن معاوية بن أبي سفيان نقض أعلى عرى الإسلام، وما صرح به في تسجيل مصور: «نحن نسينا الحسين.. كل مسلم عليه أن يغضب»، أليس هو نفسه ما يقول به الشيعة»؟

ما قام به معاوية، رحمه الله، من تحويل الحكم الراشد إلى ملك عاض وراثي ثابت لا يجرؤ أحد على نكرانه، أما الغضب للحسين، رضي الله عنه، وللقائمين من آل البيت، رضوان الله عنهم، وموالاتهم ومحبتهم فهو واجب على كل مسلم كما فعل أئمتنا الأكابر أمثال أبي حنيفة والشافعي ومالك وغيرهم.

ما رأيكم في مآلات الربيع العربي؟

جميع الثورات التغييرية التي قامت في العالم لم تستقر في سنة أو سنتين، وإنما استغرقت زمنا طويلا. لذلك يصعب أن نصدر حكما مسبقا على مآلات الربيع العربي، وأكبر مكسب تحقق حتى الساعة من هذا الحراك هو تحرر الشعوب من هاجس الخوف من الطواغيت. هذا الهاجس الذي جلب عليها الذل والهوان زمنا طويلا.

إذا اتفقنا على أن ما حدث في مصر انقلاب على الشرعية ألم تساهم فيه علاقة الإخوان المتشنجة مع العديد من مكونات المجتمع المصري مثل الأزهر والكنيسة والزوايا الصوفية والجيش والشرطة..؟

مع التسليم ببعض الأخطاء التي يعترف الإخوان أنفسهم بالوقوع فيها، فلا يمكن تبرير ما قام ويقوم به الانقلابيون، وما يمارسونه يوميا، من تنكيل وتقتيل وزج بالأبرياء في المعتقلات وبث الرعب واليأس في النفوس، فالأخطاء أخطاء والجرائم جرائم. ومن ذكرتهم من بعض مكونات المجتمع المصري مثل الأزهر والكنيسة والزوايا والجيش والشرطة.. هؤلاء كان معظمهم ضد الثورة ابتداء، وكان لهم ولاء مطلق لنظام مبارك، ونرجو أن يستفيق من يساند الانقلاب من غفلته قبل فوات الأوان والزج بمصر الشقيقة في غياهب العنف والانتقام.

ألا يعني خروج الملايين للاحتجاج على حكم الرئيس مرسي فشلا للمشروع الإخواني الإسلامي؟

نتحدث عن الفشل عندما يسمح للمشروع بالتطبيق، أما والمشروع بقي حبرا على ورق، فكيف نحكم بفشله. الإعلام كشف من حرض على الخروج وكيف خرج وكيف صور المشهد. إنها مسرحية وكفى.

كيف تلقيتم توافق الأطراف السياسية في تونس مؤخرا؟

نهنئ كل المكونات التونسية على هذه الخطوة المهمة، ونرجو أن تتبعها خطوات في تنزيل الدستور دون عراقيل وصعوبات، فالله تعالى جعلنا لنتعارف ونتآلف ونتعاون على ما فيه الخير والصلاح، لا لنتناحر ونتقاتل.

وما تعليقكم على تصريح الشيخ راشد الغنوشي القائل إن دستور تونس الجديد امتداد لدستور المدينة المنورة؟

أعتقد أن هذه المقولة تفاؤل أكثر مما هي مقارنة، ولا شك أن إرساء قواعد الدساتير، التي تكفل حقوق الناس وتصون كرامتهم، من المبادئ التي جاء بها الإسلام، وأكدتها معاهدة الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود في المدينة المنورة.

ألم تراجعوا موقفكم مما يجري في سوريا على ضوء العديد من المستجدات الإقليمية والدولية والمعطيات الميدانية، التي من بينها تطاحن مكونات المقاومة فيما بينها؟

من يتحمل المسؤولية فيما يجري في سوريا؟ لقد خرج الناس يطالبون بحقوقهم بشكل سلمي حضاري. فلو استجاب النظام السوري لمطالب الشعب لما وجدت الأيادي الأجنبية منفذا للدخول إلى سوريا، والمذابح والتجويع والتشريد بطرق وحشية همجية، التي لم يسبق لها مثيل في التاريخ، تبقى في عنق النظام السوري، وفي عنق العالم المتبجح بالدفاع عن حقوق الإنسان، الذي يشاهد ما يشاهد ولا يتحرك بجدية في اتجاه يلبي رغبة الشعب السوري في الانعتاق الكلي من استبداد أسود جثم على رقبته عقودا طويلة.

وما رأيكم في المغاربة الذين يذهبون للقتال في سوريا؟

هذا السلوك خطأ كبير ناتج عن جهل الشباب بمفهوم الجهاد، متى ينبغي، وكيف، ومع من. ثم إن المعارضة هناك غير محتاجة للمقاتلين، وإنما هي محتاجة للدعم السياسي والمادي.

يعتبر العديدون أن نفوذ الدولة داخل الأحزاب ازداد بشكل غير مسبوق بعد خفوت ضغط حركة 20 فبراير، وأن المغرب انتقل من نموذج حزب الدولة إلى أحزاب الدولة، خصوصا بعد صدور اتهامات بتدخل السلطة لتعيين زعيمي حزبين ظلا دائما على مسافة معقولة من الدولة، هما حزبا الاتحاد الاشتراكي والاستقلال. ما رأيكم؟

ما يعلمه كل عارف بالشأن المغربي أن المخزن يحاول توظيف آلية اختراق البنية التنظيمية للأحزاب وتوجيه بوصلتها من الداخل وإثارة جو انعدام الثقة وتهمة التخوين داخل المكونات الحزبية. ولهذا نعتبر أن من أهم مداخل إنتاج حركة مجتمعية قوية ومؤثرة ومؤسسة لتغيير حقيقي وعميق هو استقلال إرادة قوى ومكونات المجتمع.

هناك من يرى استحالة ذلك أمام استشراء هذا التدخل وتأثيره العميق في البنية السوسيولوجية لهذه الأحزاب، وما يفعله ذلك من تأثير في هوية هذه الأحزاب ومواقفها. هل المغرب محتاج إلى أحزاب بنفس جديد لمواكبة الجيل الجديد من الحقوق والتحولات؟

هذا السؤال مطروح على الجميع؛ فالهبّات الشعبية التي حدثت أو التي تتفاعل في ظل استمرار نفس الشروط التي أطلقتها قبل ثلاث سنوات أحدثت فرزا واضحا بين جبهة المطالبين بالتغيير وجبهة الاستبداد والمنتفعين منه والمرتهنين له، مما يفرض على كل طرف تحديد موقعه. وهذا الأمر غير مستحيل، فأمامنا تجربة تونس، التي كانت محكومة بقبضة أمنية ومخابراتية شرسة وكان الكل يطبل للاستبداد باستثناء قلة قليلة، لكن في اللحظة التاريخية المفصلية رجحت الأغلبية الاصطفاف في صف الشعب.

تتحدثون في إحدى وثائقكم التنظيمية عن تصوركم لتحالفات الجماعة بالقول: «مضطرون إلى تصنيف من نعامل حسب سلم الأولويات لخدمة ما نطمح إلى تحقيقه». هل يمكن أن تحدد لي أيهما أقرب إليكم تكتيكيا وميدانيا: العدالة والتنمية أم النهج الديمقراطي؟

طموحاتنا هي طموحات الشعب في استرجاع كرامته وحريته وحقوقه، وكل من يسعى إلى تحقيق هذه الغاية نحن على استعداد للتعاون والتحالف معه، والتحالفات في الأصل فيها الاستراتيجي والتكتيكي الميداني، وحين ستجمعنا مائدة الحوار ليطرح كل الفرقاء تصورهم للخروج من هذه الأزمة، عند ذاك سنصنف من هو أقرب إلينا فنتكتل معه، ومن يخالفنا في توجهاتنا، فنحاول جميعا إيجاد آليات للعيش المشترك والمنافسة الشريفة.

الآن، وميدانيا، أية تنظيمات سياسية تجدون أنفسكم أقرب إليها؟

المشاريع المعروضة هي التي تحدد درجة التقارب والتباعد، وكما يقال في العمل المجتمعي: من الصعب أن تجد حليفا دائما أو خصما دائما.

هل الموقف الذي عبر عنه القيادي في الجماعة محمد سالمي، على هامش مشاركته في المنتدى الاجتماعي بتونس، بالقول: العلمانية أرحم بالإسلام والمسلمين من الأنظمة المتأسلمة، التي أدلجت الدين وسيّست المساجد وفق هواها، هو موقف العدل والإحسان؟

الدكتور محمد سالمي، حفظه الله، وصف واقعا معيشا، إذ لا يخفى على أحد أن نسبة الحرية التي يتمتع بها المسلمون في الدول العلمانية الغربية لا يمكن أن تقارن بالقمع والحصار وتكميم الأفواه، الذي يتعرض له المسلمون في دول العض والجبر.

ما دام الأمر كذلك، لماذا لا تقولونها بشجاعة وتتبنونها: العلمانية هي الدواء المكمل للديمقراطية في مواجهة الاستبداد؟ ولماذا تقبل الجماعات الإسلامية، خلال احتكاكها اليومي بباقي الحساسيات السياسية، بتدبير علماني، ولكن عند سماعها كلمة علمانية يحدث لها ما يشبه رد الفعل النفسي الارتكاسي؟

هناك فرق بين وصفنا لواقع ما وبين الاختيار الذي نؤمن به ونتصوره لصالح اﻹنسانية، مع العلم أن الواقع الذي وصفناه هو الواقع الغربي، رغم أنه من الملاحظ أن الغرب نفسه يتجه إلى اللائكية المتطرفة عندما يتعلق الأمر باﻹسلام. أما في بلادنا ذات الأغلبية المطلقة من المسلمين، فلا يمكن فرض علمانية عليهم تفصلهم عن هويتهم، كما هو مرفوض حكمهم بنظام يوظف الدين في التسلط. المسلك اﻵمن في تصورنا هو التأسيس، أولا، لمرحلة انتقالية يتم التوافق خلالها على قواعد العيش المشترك وتثبيت الحريات وربط ممارسة السلطة بالخضوع للمحاسبة، ويكون الانتخاب هو اﻵلية الوحيدة لاختيار الحكام. إذا ترسخت هذه الأرضية الصلبة يمكن العبور في ظلها بأمان نحو مرحلة الاستقرار حيث التنافس مفتوح بين المشاريع المجتمعية، ويبقى الاختيار الشعبي هو الحاسم دون أي ارتداد.

في ماي من السنة الفارطة حللت في أول رحلة لك خارج المغرب بعد انتخابك أمينا عاما للعدل والإحسان ضيفا على حركة «مجتمع السلم» الجزائرية. هل تناقشت مع مسؤولي هذا الحزب حول قضية الصحراء؟

لا، لم يحصل ذلك.

وما قيمة هذه الزيارة إن لم تتطرقوا فيها، وأنتم واحدة من أكبر المجموعات السياسية في المغرب، مع الإخوة الجزائريين سبل التنسيق لتذليل الخلافات في هذه القضية الخلافية، التي قد تعصف بالعلاقة بين البلدين اللذين لا يتوقفان عن التسلح، وتصريف الجفاء السياسي؟

لا نرى جدوى لذلك في ظل احتكار النظامين المغربي والجزائري لتدبير قضية الصحراء وتغييب الشعوب والمنظمات التي لا تدور في فلك هذه النظم.

هل مازال موقف العدل والإحسان من قضية الصحراء مؤسسا على تصور الشيخ عبد السلام ياسين، القائم على أن الصحراويين بين خيارين: إخضاع الصحراويين ذوي الأنفة والإباء للمراسيم المخزنية، أو نداء العصابات المسلحة التي تخاطبهم بلغة العزة؟

الجماعة تدعو إلى جمع شتات الأمة وتوحيدها، وهذا الملف يتحمل النظام وحده مسؤوليته لأنه استأثر بتدبيره دون إشراك الشعب وقواه الحية، ثم إن الأمر الذي يدفع الناس إلى المطالبة بالانفصال هو غياب العدل والحكم الرشيد. والأمر قد لا يقتصر على الصحراء وحدها-لا قدر الله- فقد بدأنا نسمع دعوات من هنا وهناك من بعض المناطق تنادي بالانفصال عن القطر.

موقف مؤسس الجماعة هذا «متخلف» زمنيا عن مشروع الحكم الذاتي، الذي يُمَكّن الصحراويين من حكم أنفسهم بأنفسهم، مع أخذ مسافة كافية عن النظام المغربي وعن «العصابات المسلحة»، التي قصد بها المرحوم عبد السلام ياسين «جبهة البوليساريو»، وهذا بضمانات دولية.

أيا كانت الحلول المطروحة، وفي غياب قواعد العدل والحرية والكرامة والحكم الرشيد، سيبقى المآل مفتوحا على المجهول.