المحور الأول: غايات التواصل مع الغرب

تعرف العلاقات الدولية المعاصرة حركية ونشاطا غير مسبوقين، فالدولة والتجمعات الإقليمية مطالبة بالتعاون مع الكيانات الدولية الأخرى، ولم يبق في الوقت الحاضر مجال للانزواء والاكتفاء بالمقدرات الذاتية، كما أن منطق الصراع الذي دام لقرون طويلة، غدا مرفوضا في الوقت الحالي، نظرا لما عانته الإنسانية من ويلات الحرب، والتي كان ضحيتها الإنسان والأرض والبيئة، وآخرها الحربان العالميتان المدمرتان، اللتان ستبقيان وصمة عار في جبين من كان السبب في اندلاعها. إن الشعوب على وجه الخصوص مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، باستقراء التاريخ قراءة متأنية فاحصة لاستخلاص العبر المفيدة، لاستشراف مستقبل يسود فيه السلام والتعاون والتضامن.

من هذه المنطلقات السامية التي لا يختلف حولها عاقلان، يحدد الإمام المرشد غايتين أساسيتين ودعامتين متكاملتين للتواصل مع الغرب وأهله، فنحن نعيش في كوكب واحد، نعاني آلاما مشتركة، ونحمل آمالا واحدة وواعدة، مطلوب منا البحث عن القواسم المشتركة الكثيرة التي تجمعنا، للسير بسفينة الإنسانية نحو شاطئ النجاة والسلام.

تتمثل الغاية الأولى في انتشال الإنسان الغربي من وحل الشك والحيرة والعبثية التي يعيشها، والتي تنتهي به إلى الشقاء والبؤس في أحسن الأحوال، أو إلى الانتحار في أسوئها، والإحصائيات في هذا المجال ناطقة ومعبرة؛ إن الإنسان الغربي يمتلك مفاتيح السعادة الدنيوية، لكنه سرعان ما يملها، بسبب الفراغ الروحي الذي يعاني منه، فهو مدعو إلى فهم الإسلام فهما سليما، بعيدا عن المشوشات والأحكام المسبقة.

الغاية الثانية، وهي مرتبطة بالأولى، تسعى إلى بسط أهداف شريعة الإسلام والتفكير في مستقبل الإسلام، باعتباره شريعة جامعة، يعالج جميع القضايا، الشخصية والمجتمعية؛ إن الإنسانية تعاني اليوم من مشكلات وويلات لا تنتهي، جراء بعدها عن الله سبحانه وتعالى وشريعته، وآخرها الأزمة المالية العالمية الأخيرة التي أطاحت بدول غنية، وعلى رأسها رمز الليبرالية وحاميتها الولايات الأمريكية المتحدة، مؤذنة بسقوط وشيك للأديولوجية الليبرالية المتوحشة، وليس ببعيد عنا السقوط المفاجئ للعقيدة الشيوعية المفلسة، وهذا ما يؤكد أن الشريعة الإسلامية هي الحل لمستقبل الإنسانية جمعاء.

الفقرة الأولى: الدعوة إلى الله

كما في كل كتابات الإمام المجدد رحمه الله، فإن أسمى غاية يحملها الإمام هي دعوة الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى، يقول الإمام: سعيدا أكون لو أن نفسا قلقة وجدت في هذا المكتوب مادةً تقوي عزماتها الضعيفة وتزيل عنها الظن والريب الحديثين للإقدام على الرحلة إلى الله بخطى مطمئنة وحازمة. إنارة الطريق إلى سعي روحي فردي وشخصي هو همي الأول) 1 ، فهو يجعل أولى أهدافه تبليغ رسالة الإسلام صافية نقية للإنسان المعذب في هذه الأرض، يقول: أرجو أن لا يحجب التأكيد على حوادث هذا العالم همي الأول، ألا وهو إسماع الرسالة القرآنية، رسالة السلام لعالم عنيف، رسالة المعنى لعالم ضائع، رسالة الروح للإنسان المريض بحداثته) 2 .

إن مهندسي ودعاة الحداثة اليوم، همهم الأول هو البحث عن وسائل متطورة ومتجددة للإنسان الغربي خاصة، لهدر وقته وشغل أوقات فراغه، وملئها بحاجيات تلهيه وتنسيه البؤس والشقاء الذي يعانيهما، يقول الإمام: ألم يعلنوا عن أساليب ثورية تمكن الإنسان من تبديد حياته وتفتيت أيامه ولياليه في دقدقة الجهاز السحري الذي يقتصد في وقت الجميع بواسطة تبذير وقت كل واحد منهم؟) 3 ، فالإنسان الحديث يجْهَد في خدمة ما يستهلك أمواله ووقته وزبدة حياته بعينها. يوفِّر أمواله أقل فأقل، ويًبذِّرُ وقته أكثر فأكثر) 4 وأغنياء الشمال يمتلكون كل التسهيلات لتقديم حياتهم قربانا للشهوة، زبائن خاضعين للسوق الاستهلاكية أو مدمنين على إحدى وسائل التخدير) 5 . لكن النتيجة تبقى سلبية، والأدوات التقنية، نسل التكنولوجيا المتكاثر، والآلات الرهيبة بين يدي الناس، لم تسمح لهم حتى بضمان حياة مادية لائقة ونظيفة للجميع، ولم تساعدهم على شق طريق نحو معنى الحياة الدنيا) 6 . ويزداد الإنسان الغربي شقاوة، ويعيش اضطرابا نفسيا خطيرا، لم تعد تنفع معه المسكنات والمهدئات والملهيات الفانية. يقول الإمام: تتطور العلوم بخطى عملاقة، وتغزو التكنولوجيات، بنات العلوم، حياة البشر حاملة معها ألعاب السوق العالمي الصاخبة والمرعبة، لكن الإنسان يغرق أكثر فأكثر في الجهل بمعنى وجوده، والقرآن وحده قادر على انتشاله) 7 .

يحاور الإمام عقل الإنسان الغربي وتفكيره، ويحرجه بأسئلة عجز المفكرون اللائيكيون، وعجزت الأديولوجيات عن إيجاد جواب يروي عطش الفكر الغربي والإنسان الغربي الحائرين التائهين، يقول الإمام: تغيب وتظهر التحولات، و”تتفتح مائة زهرة” في البستان الثقافي للفنون والآداب، توضع ألف نظرية فلسفية تدحض الواحدة منها الأخرى، ولا شيء من كل هذا يحمل جوابا عن السؤال الجوهري حول سر الوجود، الجواب الذي تبحث عنه الحداثة بشوق وبدون جدوى، والذي يحمله القرآن وحده) 8 ، ثم ينوع الإمام الحوار لإقناع الإنسان الغربي، ويخاطب فيه قلبه وضميره، ويذكره بمصلحته التي ينبغي له معرفتها والسعي لتحقيقها: يبدأ تسليم الحداثة بصرخة تحذير موجهة للإنسان الحديث الذي يبترُ هم الفانية جزءا من حياته. تسليم الحداثة يعني إيقاظه من سباته ومنعه من التعثر والسقوط في حضيض العبث الذي يتربص به كل حين. إن الضحية المسكين يتعثر بالفعل ويسقط ويغرق في الحضيض) 9 .

يقترح الإمام حلا جذريا للخروج من ظلمة الجهل والشك والحيرة القاتلة، إلى أنوار المعرفة واليقين والطمأنينة الأبدية، يقول الإمام: لنقرأ القرآن حتى نرتاح من الهذيان العلماني اللاييكي) 10 لأن القرآن، هذه الوثيقة التي لا تماثلها وثيقة في أصالتها (…) القرآن حاضر، كلمة ربانية حية، رسالة وشريعة، تاريخ ومساهمة، عدل وإحسان، سياسة وجهاد (…) تتلاشى اللغات وأساليب التعبير، ويبقى الخطاب القرآني يخاطب دائما قلوب البشر وعقولهم). 11 الإنسان الغربي لا وقت له ولا استعداد لسماع صوت الحق المؤدي لسعادة الدنيا والآخرة: لنتأكدَ من ذلك نقرأ القرآن ولو مرة واحدة في العمر إن استطعنا أن نظفر بلحظة من الراحة وسط الضجيج الحديث. لنقرأه إن استطعنا اختلاس فترة عزلة من فضول وسائل الإعلام الحديثة. لنقرأه إن تركت لنا لحظةَ حريةٍ شبكاتُ الإنترنيت وأفلتنا من اكتظاظها المعلوماتي وسمحت لنا باستنشاق النسيم العليل وبالسير في حياتنا كما نريد لا على هوى الحداثة المجنونة التي تبرمجنا كما تبرمج الربوط الآلي.) 12 لكن قد يصعب عليك بالتأكيد فعل ذلك، أخي الرجل، أختي المرأة، كيفما كان وفاؤك الإيديولوجي ودينك وانتماؤك السياسي، لأنك موزع بين ألف انشغال، شارد الفكر دائما، حزين باستمرار، متحرر من المشاغل نادرا. أتمسك باقتراحي عليك فتح القرآن، فقد يصادف فتحك المصحف الكريم وقتا مباركا أو يطفو على السطح ذلك القلق الذي يسكننا جميعا وندفعه حتى نستسلم لعدم المبالاة. قد يدفعك ذلك إلى إلقاء السمع وإلى الإصغاء إلى الرسالة. اقرأ منه صفحة، صفحة واحدة !قد تجد فيها جوابا عن سؤال يطرحه عليك بانتظام صوت حميم.) 13 وفي الأخير يسلم الإمام أمره إلى الله الهادي، لعل كلمته تلقى قبولا، ودعوته تشهد استجابة لمجتمع غافل عن الله، ينتظر من يوصل له دعوة الإسلام الرؤوف الرحيم، يقول الإمام: أرجو أن يجد من همته الله والباحثون عن الحق ما يتقون به قلقهم ويقوون به بحثهم.) 14

الفقرة الثانية: مستقبل الإسلام

لا أحد ينكر ما قدمته وتقدمه الحضارة الغربية من أعمال إيجابية مفيدة للإنسانية، كما أن الثقافة الغربية يوجد بها الكثير من القواسم المشتركة التي تجمع العقلاء الغربيين والإسلاميين؛ إلا أن أهم ما يعاب على الحضارة الغربية، أنها أمة مادية، تعيش فقط لحياتها الدنيوية، ولا خبر عندها عن الدار الآخرة. ومن ثمت يبدو أن الحضارتين متكاملتان، ولا بد لهما من التعاون بينها لتستفيد إحداهما من الأخرى، عكس بعض الكتابات الإقصائية من الطرفين، التي تنبذ الآخر وتسعى لمحاربته وإقصائه، وتتنبأ ب”صراع وصدام” بين الحضارات، خاصة الإسلام والغرب. ويبدو أن الإمام توقع هذه العقبة، على الأقل في الوقت الحاضر، حيث قال: كيف السبيل إلى إسماع صوتك وإقناع عالم متخم وأنت تنتمي إلى عالم جائع؟ لا مكان لصوتنا في عالم حديث ينمق الكلام، عندما نكون مدفوعين إلى الجهر وإعلان اقتناعنا بفكرة مناقضة للأفكار الواردة والمقبولة في الغرب. ماذا تستطيع الفكرة؟ ماذا تمثل فكرة عزلاء أمام غرب مدجج بالسلاح؟) 15 .

كان الإمام أول من استعمل شعار “أسلمة الحداثة”، وهو شعار يحمل وراء سطوره الخفية والعميقة، معنى التواصل وضرورة التعاون، ذلك أن من بين أهم مرادفات الإسلام: السلام والتعايش بين بني الإنسان والتعارف، يقول الإمام: (…) طرح مسألة الإسلام وقضية الحركة الإسلامية في العالم، ليس باعتبارها شقاقاً بين البشر، ولا بوصفها عدوا مطلقا للغرب أو تصادما بين الحضارات، ولكن بكونها يدا متوددة للإنسان، مُحبة للإنسان، حاملة رسالة الإنصاف والعدل للإنسان) 16 ، ويكرر الإمام ويلح على دعوة الحضارة الغربية إلى الإسلام، باعتباره الشريعة الصالحة والقريبة من الفطرة الإنسانية الطبيعية، وهي الوحيدة القادرة على الإجابة عن الأسئلة المحيرة “أظن أني كنت أول من استعمل منذ ما يقرب من عشرين سنة، صيغة تسليم الحداثة. العبارة أخذها آخرون منذ ذلك الحين. أعيد الكرة لا لاجترار شعار، ولكن لأواجه الحداثة بالأسئلة التي لا تهتم بها إطلاقا، وليس لأتباعها الوقت لطرحها على أنفسهم: من أنا؟ وما أكون، وإلى أين أسير؟) 17

يدعو الإمام إلى البحث عن القواسم المشتركة التي تتقاطع بين الحضارتين، وما أكثرها، فهو يؤمن أن الحضارة الغربية لها من الأخلاق الإنسانية ما يدفعها إلى التفاعل والتعاون مع الشركاء الآخرين خدمة للأنسانية؛ إن المطلوب من الحضارتين البحث عن الدوائر والمساحات المشتركة، وجعلها أرضية للحوار والتفاهم، وإرجاء أسباب الشقاق إلى حين، يقول الإمام: ننوي مع ذلك توضيح المفاهيم والغايات التي يمكن أن يشارك فيها المسلمون فيما بينهم ويشاركوا فيها الناس ذوي الإرادات الطيبة، وننوي كذلك تعيين المكان والحدود التي يمكن أن ينمو فيها الوفاق وتتبدد فيها أسباب الشقاق بين الإسلام والحداثة) 18 . ويستخلص قاعدة ذهبية ويؤصل لفلسفة أساسها التفاهم والحوار، مفادها أن ما الخلاف في الغالب إلا مولود غير شرعي لكلمة غامضة أو لنية سيئة) 19 .

إن الغرب وأهله، مدعوون اليوم، خاصة في عصر العولمة الثقافية، إلى قراءة الإسلام قراءة سليمة صافية، بعيدا عن التعصب الديني، وتحررا من الأحكام المسبقة، خاصة من طرف المثقفين والعلماء الفضلاء، ذلك أن الإسلام ساهم بقوة، كباقي الحضارات الأخرى، في بناء الحضارة الإنسانية، وبصمها ببصمات واضحة جلية لا ينكرها إلا جاهل أو حاقد، والإسلام أيضا، خلافا للشرائع الأخرى، السماوية والوضعية، يعتبر شريعة كاملة تعالج جميع القضايا، الشخصية والمجتمعية، وهذه أهم خصيصة يتفرد ويتميز بها، يقول الإمام: الإسلام مشاركة كاملة وعازمة في الحياة الإنسانية، في التاريخ الإنساني وفي الحدث الإنساني) 20 . ويقول: القرآن حاضر، كلمة ربانية حية، رسالة وشريعة، تاريخ ومساهمة، عدل وإحسان، سياسة وجهاد) 21 .

ينوع الإمام أسلوب الحوار والخطاب، ويتألم لحال الحضارة الغربية، بقلب شفيق على مآلها، إن هي ربحت دنياها وخسرت آخرتها، ويحرص أشد الحرص على مصلحتها، التي تنكرها جهلا أو تعنتا، ويذكرها بتاريخ الأمم التي سبقتنا، وكيف كان مصيرها بعد تكذيبها لأنبيائها ورسلها، يقول الإمام: طموحه الآخر هو دعوة حداثة متمردة على الله إلى الاتعاظ حتى لا يصيبها ما أصاب قوم نوح المتمردين على الله المغرقين بالطوفان) 22 .

وفي الأخير يفتح الإمام آمالا واسعة، ويرجو من العلي القدير أن يعجل باليوم الذي يفهم الغرب مصلحته ويسمع لنداء الفطرة، ويجعل شريعة الإسلام الرحيمة بديلا عن الأديولوجيات التي أهانت الإنسان والإنسانية، ولم تصل كلها إلى منح البشرية السعادة التي بشرت بها في كتاباتها ونظرياتها؛ يخاطب الإمام ضمير الحضارة الغربية من الفئات المثقفة المتعقلة، التي تبحث عن الحق والحقيقة، حتى وإن خالفت دينها وأديولوجيتها ومعتقدها، يقول الإمام: لكن سيأتي اليوم الذي سيلقي فيه عالم حديث متعقل سمعه ليصغي إلى رسالة الإسلام وكله استعداد وانفتاح لتقبل اقتراح الإسلام، وكله سعادة للاسترشاد بحكمة الإسلام. إن شاء الله. العالم المتعقل سيفهم أن الإسلام هو خضوع لله. سيتعلم كيف ينظر بعيدا وكيف يرفع الأشرعة لبداية إبحار إلى بلاد الحرية: بلاد يكون فيها الإنسان عبدا لله لا يعترف بأي سيادة مناقضة لسيادة البارئ الواحد، ولا يخضع لأي شريعة مخالفة لشريعة الله رب العالمين) 23 .


[1] الإسلام والحداثة، ص 9.\
[2] نفس المرجع، ص 8.\
[3] نفس المرجع ص 35.\
[4] نفس المرجع، ص 35.\
[5] نفس المرجع، ص 35.\
[6] نفس المرجع، ص 34.\
[7] نفس المرجع، ص 34.\
[8] نفس المرجع، ص 33.\
[9] نفس المرجع، ص 30.\
[10] نفس المرجع، ص 32.\
[11] نفس المرجع، ص 33.\
[12] نفس المرجع، ص 32.\
[13] نفس المرجع، ص 36.\
[14] نفس المرجع، ص 9.\
[15] نفس المرجع، ص 15.\
[16] نفس المرجع، ص 10.\
[17] نفس المرجع، ص 9.\
[18] نفس المرجع، ص 24.\
[19] نفس المرجع، ص 24.\
[20] نفس المرجع، ص 31.\
[21] نفس المرجع، ص 33.\
[22] نفس المرجع، ص 16.\
[23] نفس المرجع، ص 16.\