الهوة الشاسعة

لقد كشفت موجة الربيع العربي عن هوة شاسعة بين شباب نزل من العوالم الافتراضية إلى الشوارع والميادين يطالب بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية وبين نخبة من العلماء ومثقفي الأبراج العاجية الذين لا يظهر لهم أثر إلا على الشاشات وفوق الأرائك المريحة، بوجوه مُجَمَّلة مليحة، سلعتهم كلام وتنظير. لكن حينما جد الجد وثارت ثائرة الشعوب وجدناهم أول من يبث خطابات “التهدئة” والدعوة إلى ضبط النفس وتجنب “الفتن” ما ظهر منها وما بطن، ومن هؤلاء “شيوخ الفضائيات” الذين ملأوا الشاشات، وأصبحت القنوات الدينية موضة العصر، يحمد الناس الله على وجودها لأنها “تعلمهم” الدين وتأخذ بأيديهم إلى “الجنة”. وبالفعل فقد روت هذه الفضائيات تعطش الناس إلى معرفة دينهم، وفتحت المجال ل”الدعاة” و”العلماء” و”الشيوخ” ليتواصلوا مع الناس ويفتوهم في أمور العبادات والمعاملات.. لكن العديد من هؤلاء “الشيوخ” سكتوا عن معاناة الشباب ومطالبهم الحقيقية المتمثلة في الحرية والعدالة والعيش الكريم، وهي مطالب من صميم الدين.

النخبة المحنطة

لقد كان معظم “شيوخ الفضائيات” نخبة محنطة حبست نفسها عند نصوص بشرية لفقهاء عهود منصرمة اجتهدت لعصرها وظروفها السياسية وأقرت “وجوب طاعة الحاكم المتغلب بالسيف”، وانسجاما مع هذا “النص” اكتفى “الشيوخ” بالتشكي من فساد الواقع والمجتمع وكثرة منكراته في الحدود التي لا تمس المسبب الرئيسي في هذا الفساد الذي هو الحكم، “خوفا” من الفتنة، ف”الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها”، وطبعا فإن الفتنة لم يغمض لها جفن منذ أصبح الحكم وراثيا بالجبر والإكراه.

دروس ومواعظ.. ولا عبر

انبرى “الشيوخ” و”الدعاة” في الفضائيات التي أسسها أصحاب الملايين من دول البترودولار وتصدوا ل”جهاد الدعوة” فخصصوا برامج للفتاوى وأخرى للأحكام الفقهية في العبادات والمعاملات أو لقصص الأنبياء ومحنهم مع الطغاة أو عذاب القبر واليوم الآخر والحساب والعقاب، مع الوعظ الممزوج بالبكاء والتأثير في المشاهدين.. لكن للأسف الشديد لم يثمر هذا العلم فهما وعملا يغير ما بالأمة، إذ ما فائدة علم بلا عمل؟ وما فائدة مواعظ بلا عبر؟

كان الأولى بالشيوخ والعلماء أن يقودوا سفينة التغيير ويأمروا بالمعرف وينهوا عن المنكر، ويقفوا في وجه الطغاة والمستبدين وقفة أفضل الجهاد. وما فعلها إلا من رحم ربك. ولكن مع هبوب رياح الربيع العربي توجس الكثير منهم واتخذوا مواقف غير واضحة بل مخزية أحيانا، فمنهم من دعا الشباب إلى الصبر وطاعة “ولي الأمر”، ومنهم من حذرهم من “الفتنة” ومنهم من دعا الحاكم إلى التصدي ل”الخوارج”، والقليل جدا من وقف إلى جانب الشباب الثائر.

شيوخ الميادين

لقد انحسر وتراجع كثيرا نفوذ “القنوات الدينية” المدعومة خليجيا التي كانت تسعى إلى إقناع الناس بفهم معين للدين مقتضاه الرضى بالواقع مهما كان فيه من فساد واستبداد من أجل الحفاظ على “الأمن” وتجنب “الفتن”. وتراجعت معها مكانة “الشيوخ” في قلوب الناس الذين لم يقتنعوا بردود الفعل التي لم ترق إلى مستوى الأحداث والمطالب الجماهيرية.

لقد أظهر الربيع العربي نوعا جديدا من “الشيوخ” ليسوا فقهاء ولا دكاترة، أصحاب عمائم أو طويلي اللحى، لكنهم أثبتوا أنهم قادرون بالفعل لا بالقول على تغيير المنكر ومدافعة الباطل ومواجهة الفساد والاستبداد، وقول كلمة الحق أمام سلاطين الجور والطغيان مهما كانت التضحيات، إنهم الشباب، “شيوخ الميادين”.