توطئة

ما يتعرض له اليوم مئات الأعضاء من جماعة العدل والإحسان، التنظيم السلمي المدني القانوني 1 من متابعات قضائية في ملفات سياسية تعود إلى سنوات ما بعد 2006، بتهم الانتماء إلى جمعية غير مرخص لها أو بتهمة تنظيم تجمعات عمومية غير مرخصة، يشكل، من زاوية القانون الدولي، انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بالنظر إلى كون ممارسات الدولة عبر أجهزتها الأمنية ممتدة زمنا ومكانا، ودافعها سياسي بهدف تضييق الخناق على تنظيم معارض، وبدلا من جبر الضرر، واعتماد مقاربة سياسية قانونية لطي صفحة من الظلم والتسلط والانتهاكات الموثقة بالأسماء والتواريخ والأمكنة، مما يشكل ورقة حقوقية قانونية في يد العدل والإحسان ضد مرتكبي تلك الجرائم غير القابلة للتقادم، بدلا من ذلك تصر بعض الجهات على تحريك الملفات والإبقاء على بيوت الجماعة مشمعة ومنها بيت الأمين العام الأستاذ محمد عبادي بمدينة وجدة، كما تصر على توظيف ملف المعتقل السياسي السيد عمر محب القابع وراء قضبان الاستبداد، وتصر على عدم الكشف عن الحقيقة في ملفي الشهيدين كمال عماري وعبد الوهاب زيدون رحمهما الله، وتصر على التماطل في تسوية الوضعية المادية للمختطفين السبعة المعذبين على أيدي جلادي نظام العهد الجديد، كما تصر على الاستمرار في حصار أنشطة الجماعة وتعطيل ومنع الجمعيات التي ينشط بها مغاربة لمجرد أن تشم فيهم رائحة العدل والإحسان، علاوة على التضييق الممنهج على فصيلها الطلابي داخل أسوار الجامعة، ولعل ما يثير الانتباه اليوم، هو تحريك ملفات الإكراه البدني المهدد به مئات من الأعضاء تحت طائلة أداء غرامات هي نتيجة محاكمات سياسية غير عادلة، ومحاولة المخزن تغليف هذه القضايا بأقنعة القانون وتكييف المتابعات مع قواعد القوانين الداخلية، والحقيقة أننا أمام سياسة ممنهجة ضد جماعة من المغاربة ينتمون إلى تنظيم سياسي مدني سلمي قانوني معارض، وهذا يرفع جريمة الدولة في حق هذا التنظيم إلى مستوى الاضطهاد 2 كما ورد في متن اتفاقية روما لسنة 1998، والتي لم يصادق عليها المغرب إلى حدود اليوم، ووقوفا عند الأبعاد القانونية والسياسية للإكراه البدني في حق أعضاء جماعة العدل والإحسان، وتفكيك البنية القانونية الدولية والوطنية التي تناولت الموضوع، وكذلك تحليل سلوك الدولة على ضوء القواعد القانونية والمعايير الدولية، ورصد الخروقات التي مارستها الأجهزة الأمنية في ملفات عالقة اليوم في أكثر من نقطة جغرافية بوطننا الحبيب، نتناول هذا الموضوع باعتماد مقاربة قانونية تحليلية مقارنة من خلال المحاور الآتية:

أولا: الإطار القانوني الدولي والوطني للإكراه البدني

سنحاول من خلال هذا المحور، أن نتناول أهم المقتضيات القانونية للإكراه البدني، كما نصت على ذلك المواثيق الدولية، والتشريعات الوطنية، فقد نص العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على أنه لا يجوز سجن أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي) 3 ، وهذا بطبيعة الحال نص واضح غير قابل للتأويل، بل هذه المادة تؤسس لمعنى مهم جدا في القانون وهي أسبقية الحرية على الاعتقال وإن كان الدافع ماديا محضا، فبالأحرى إذا كانت خلفية الاعتقال سياسية فتلك طامة كبرى، ولو كان صاحب التهمة قادرا على الأداء، ومن المعلوم بأن المغرب صادق على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، مما يستوجب التكييف القانوني للتشريع الوطني بما يستجيب لتلك المصادقة، أي إن المشرع المغربي، أصبح من الناحية القانونية ملزما بأحكامها، لأن المبدأ المستقر في القانون الدولي يقضي بسمو المعاهدات الدولية على القوانين الداخلية والذي أكدت عليه أغلب الدساتير والقوانين الداخلية في العالم) 4 وقد سار الدستور المغربي لفاتح يوليوز سنة 2011 على هذا النهج، حيث نص في ديباجته على جعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية، والعمل على ملائمة هذه التشريعات، مع ما تتطلبه تلك المصادقة) 5 فإلى أي حد تلتزم الدولة المغربية بقواعد القانون الدولي وتطبيق القوانين الوطنية؟

إن المشرع المغربي تناول الإكراه البدني في قانون المسطرة الجنائية، في مواد عديدة تتعلق بكيفية استرداد الديون على المدين بمجموعة من الطرق، وحددت المسطرة الشروط الشكلية لتنفيذ الإكراه البدني تحت مسؤولية قاضي تطبيق العقوبات، كما تناولت طرق وقف تنفيذ الإكراه البدني، والحالات المسثناة منه، كتنفيذه مثلا في نفس الوقت على الزوج وزوجته، أو على المرأة الحامل، أو المرأة المرضع… 6

والذي يهمنا بالضرورة في هذا الموضوع، هو الإكراه البدني في الجرائم السياسية كما حددتها المادة 636 من قانون المسطرة الجنائية، فهذه المادة تنص على ما يلي: يجب على كل محكمة زجرية عندما تصدر مقرراً بالغرامة أو برد ما يلزم رده أو بالتعويضات أو المصاريف أن تحدد مدة الإكراه البدني. في حالة الإغفال إما عن الحكم بالإكراه البدني أو عن تحديد مدته يرجع إلى المحكمة لتبت في الموضوع بغرفة المشورة وينفذ مقررها رغم كل طعن. غير أنه لا يمكن الحكم بالإكراه البدني أو تطبيقه:)1ـ في الجرائم السياسية؛)2ـ إذا صدر الحكم بعقوبة الإعدام أو بالسجن المؤبد؛)3ـ إذا كان عمر المحكوم عليه يقل عن 18 سنة يوم ارتكابه للجريمة؛)4ـ بمجرد ما يبلغ سن المحكوم عليه 60 عاما؛)5ـ ضد مدين لفائدة زوجه أو أصوله أو فروعه أو إخوته أو أخواته أو عمه أو خاله أو عمته أو خالته أو ابن أخيه أو ابن أخته أو ابنة أخيه أو ابنة أخته أو من تربطه به مصاهرة من نفس الدرجة) 7 .

وعندما نبحث عن مفهوم الجريمة السياسية، في التشريع المغربي نجد أنه، لم يرد لها تعريف في القوانين المغربية، واكتفى المشرع بالإشارة إليها في مجموعة من النصوص القانونية كمجموعة القانون الجنائي ضمن مقتضيات الفصل 26 منه الذي نص على أن التجريد من الحقوق الوطنية عندما يكون يحكم به لزجر الجنايات السياسية، وكذا ضمن مقتضيات قانون المسطرة الجنائية في المادة 636 التي نصت على عدم الحكم بالإكراه المدني في الجرائم السياسية، والمادة 721 بشأن عدم الموافقة على تسليم المجرمين إذا كانت الجريمة المطلوب من أجلها التسليم جريمة سياسية أو مرتبطة بجريمة سياسية. لكن الفقه الدولي حدد تعريفا واضحا للجريمة السياسية، ومن هنا نجد اجتهاد لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة الذي تم الرقي بها سنة 2006 إلى مستوى مجلس حقوق الإنسان، ، حيث تعرف اللجنة المجرم السياسي ب: الشخص الذي يبحث سلميا عن ممارسة أو تطوير حقوقه في حرية التفكير والرأي والتعبير وكذا في تكوين الجمعيات والتجمعات وحق المشاركة في القضايا العامة) 8 . وبناء على هذا التعريف القانوني الصادر عن مؤسسة أممية، والتي أصبح المغرب اليوم دولة عضوا فيها، يطرح تساؤل كبير ومقلق، ننقله عبر هذه الدراسة إلى أعضاء مجلس حقوق الإنسان ومنها المغرب: ما موقع الإكراه البدني الذي تقوده الدولة ضد مئات من المغاربة بتهمة تنظيم تجمعات عمومية غير مرخص لها، والانتماء إلى جمعية غير مرخص لها، علما بان المغرب يزعم تنفيذ المواثيق الدولية في مجال حقوق الإنسان التي صادق عليها؟؟

وبخصوص مواقف الفاعل القانوني والحقوقي المغربي نورد في هذ السياق كلاما للرئيس السابق للجمعية المغربية لحقوق الإنسان والمناضل الحقوقي والسياسي النقيب عبد الرحمان بن عمرو، يقول فيه: فمن المفروض، حسب الدستور والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، أن حرية الرأي والتعبير والعقيدة والانتساب إلى الأحزاب والجمعيات… مضمونة. وبالتالي، فحسب هذا المفهوم لا يمكن أن تكون حرية الرأي والتعبير جريمة، بل إن الجريمة هي من يعتدي على هذه الحرية) 9 .

وبخصوص الممارسة القضائية المغربية، فإن الاجتهاد القضائي لم يرس لحدود الساعة قواعد واضحة لتحديد مفهوم الجريمة السياسية، رغم بعض النوازل التي جاءت لتؤكد عدم تنفيذ الإكراه البدني في الجرائم السياسية، حيث ذهب المجلس الأعلى في حكم له بتاريخ 1 فبراير 1960 إلى نقض حكم المحكمة العسكرية جزئيا في الشق المتعلق بإجبار المتهم وذلك بنصه على ما يلي: حيث إن المحكمة خرقت القانون عندما حكمت على المتهم بالإجبار مع أن القضية لها صبغة سياسية والحال أن الفقرة الثانية من الفصل 676 المذكور أعلاه ينص على أنه لا يمكن الحكم بالإجبار في قضايا الجرائم السياسية) 10 . ذلك أن القضاء المغربي لم يكلف نفسه الاجتهاد في الموضوع، بل يعتبر كل الجرائم المجرمة بمقتضى القانون الجنائي جرائم للحق العام Crimes du droit commun ولو استهدفت أمن الدولة الداخلي أو الخارجّ، وهو ما يتناقض مع الاجتهاد الذي قامت به مؤسسات وطنية معنية بموضوع حقوق الإنسان بالمغرب، فقد تأتى للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان 11 أن تناول الموضوع بالدراسة بمناسبة تقديمه لاقتراحات العفو على المعتقلين السياسيين سنة 1994، وانتهى في خلاصاته إلى اعتبار أحد عشر شخصا 12 فقط من بين المرشحين للعفو تنطبق عليهم معايير الاعتقال السياسي 13 . والشاهد عندنا أن المجلس الاستشاري في تحديده لمفهوم الجريمة السياسية، اعتمد المعايير التي حددتها لجنة حقوق الإنسان في دورتها لسنة 1938، وهي ذات المعايير التي تنطبق كلية على ملفات العدل والإحسان.


[1] سبق لمؤسسي الجماعة ووفقا لظهير 1958، أن قاموا بالإجراءات التالية: – التصريح لدى السلطة المحلية في شخص عامل مدينة الرباط بتاريخ 13 فبراير 1983 بواسطة البريد المضمون عدد 731 والذي توصلت به السلطة المحلية بتاريخ 15 فبراير 1983 وأرجع الإشعار بالتوصل نهاية شهر مارس 1983. – التصريح لدى النيابة العامة خلال شهر أبريل 1983 وقد تسلمت الجمعية إشهادا بذلك مؤرخا في 26/04/1983 تحت عدد 83/48. – قضت مجموعة من المحاكم المغربية بكل مراتبها، بقانونية جماعة العدل والإحسان، وتتوفر الجماعة اليوم على عشرات الأحكام النهائية في الموضوع.\
[2] تنص الفقرة “ح” من المادة 7 من نظام روما لسنة 1998 على جريمة الاضطهاد: اضطهاد أية جماعة محددة أو مجموع محدد من السكان لأسباب سياسية أو عرقية أو قومية أو إثنية أو ثقافية أو دينية، أو متعلقة بنوع الجنس على النحو المعرف في الفقرة 3، أو لأسباب أخرى من المسلم عالمياً بأن القانون الدولي لا يجيزها، وذلك فيما يتصل بأي فعل مشار إليه في هذه الفقرة أو أية جريمة تدخل في اختصاص المحكمة.\
[3] المادة 11 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.\
[4] حمد عبد الكريم سلامة، علم قاعدة التنازع والاختيار بين الشرائع، مكتبة الجلاء الجديدة، المنصورة، ط1، 1993، ص 143.\
[5] تصدير الدستور المغربي لسنة 2011.\
[6] المادة 637 من قانون المسطرة الجنائية.\
[7] المادة 636 من قانون المسطرة الجنائية.\
[8] انظر تقرير أشغال لجنة حقوق الإنسان في دورتها لسنة 1938.\
[9] جريدة “الصحيفة” العدد 145، 16/01/2004.\
[10] حكم تحت رقم 188 س 3 في القضية عدد 3861.\
[11] تم الرقي به في الدستور الجديد لسنة 2011 إلى مستوى مؤسسة وطنية.\
[12] يلاحظ من استعراض لائحة الأشخاص الأحد عشر الذين اعتبرهم المجلس معتقلين سياسيين، أنهم أدينوا من أجل جرائم عرض أوراق من شأنها الإخلال بنظامها العام وتأسيس خلية تتعلق بجمعية غير مرخص بها وإهانة هيئة منظمة وترديد شعارات تمس بمبادئ الدستور والتحريض على أعمال يقصد منها بلبلة الأمن العام والطمأنينة والتجمهر والقتل العمد مع سبق الإصرار.\
[13] اقترح للعفو 413 شخصا آخرين “حكم عليهم في أحداث مؤلمة” لكن المجلس رأى أنهم لم تتوفر فيهم معايير المعتقل السياسي، حسبما أقرتها لجنة حقوق الإنسان التابعة لهيئة الأمم المتحدة في دورتها لسنة 1938 في: “الشخص الذي يبحث سلميا عن ممارسة أو تطوير حقوقه في حرية التفكير والرأي والتعبير وكذا في تكوين الجمعيات والتجمعات وحق المشاركة في القضايا العامة”.\