يعتبر موضوع الاستبداد إيوالية تحليلية لا يمكن لكل مقبل على تحليل معطى سياسي في البلدان العربية بالخصوص التنكف عنها، فهي سمة تطبعت بها الأنظمة السياسية بالعالم العربي، وفهم هذه الأخيرة لا يتم إلا بالتسلح بإطار نظري، وهذا ما أسميته ب”نظرية الاستبداد”، أما عن وهم التنمية كمفهوم آخر، فهو لا يعدو أن يكون نتيجة ميكانيكية لحالة تستبد فيها الأفكار والأفعال وتنجز المشاريع التنموية وفق مقاسات المستبدين الطغاة، التي غالبا ما تكون كذبا على الذقون، وسياسة حفر الآبار في عمق الصحاري القاحلة.

وقفة مع المفاهيم

يقصد بالاستبداد لغة: غرور المرء برأيه، والأنفة عن قبول النصيحة، أو الاستقلال في الرأي و في الحقوق المشتركة، أما اصطلاحا فيدل عادة على الجور والظلم والاستحواذ على خيرات العباد بدون حسيب ولا رقيب، فيكثر الكساد، ويقوض بناء العدل والمساواة وتطغى النزوات في الحكم والتدبير، فلا يحق للعبد أن يتكلم ويبدي بالمخالف من الرأي، ويصبح الإنسان حينها عبيدا محنطا، منساقا بهراوات الفكر والتخويف.

أما عن وهم التنمية، فلا يرتفع عن مستوى الاستبداد ولا ينزل عنه، إذ هو مظهر من مظاهر الاستبداد، فعندما تجف الإرادة فعن أي حياة سنتحدث؟ وإن كانت فستكون بمقاسات منخورة ومبتورة، على أساس هش مؤثلة، وبمجرد أن تبتغي منها الحقيقة المرجوة تفتضح في حينها. وهذا ما أطلقت عليه ب”الوهم”، لأن إيهام الناس بأن تغييرا حقيقيا قد وقع، وأن الزمن هو زمن الاستثناء، وما تحقق لم يكن منتظرا، وهلم جرا من الأطروحات… لم تف بوعدها فتخلفت عن التاريخ وتخلف عنها التاريخ. فباتت تستعمل كإيوالية تحليلية لمعطيات سياسية تستجد بالمشهد السياسي من حين لآخر، مبررة إياها ومعززة أساسها المصطنع.

اثنان لا يجتمعان…

عجبا لمن يرى حلكة الليل في ضوء النهار، فالتنمية والاستبداد لا يجتمعان، كالحقيقة والكذب لا ينسجمان، فكل معطى ينحو منحاه وما لهما من ملتقى، إلا إن اصطنع وخلق، وهذا يعني الإيهام بالصواب وسياسة التنويم. فالتنمية تشي بوجود فضاء حر، وروح ديمقراطية في التدبير، وإرادة مسؤولة في البناء الفعال وبالقيم مكين. قيم الوفاء والاعتراف بالغير والعدل والمساواة للجميع، لا إقصاء يُعمل ولا فتنة تُشعل، الكل على حدب حب الاختلاف والسعي نحو بناء أمثل لمشروع مجتمعي، قوامه التغيير الحقيقي.

بهذا الأساس فالتنمية الحقيقية رهينة بتقويض صرح الاستبداد، وتبديد بنيته، بمنطق كلي، لا بمنطق الجزئيات، بحيث تواجه الكليات الاستبدادية بكل مظاهرها، بكليات تغييريه، قوامها الوضوح والمسؤولية والإحسان، وممتوحة من المعين الرباني، والمحجة البيضاء النبوية، لكي نكون بالفعل أمام إنجاز تاريخي بمقاسات استثنائية حقيقية، تتحرر فيها الأفكار من الإصلاحية المقيتة، والوصولية المشينة، مستشرفة غد الإصلاح الكامل، الموشوم بالحرية الكاملة والمتحررة من مكبلات الانصياع والتبعية المفروضة.

خصائص الاستبداد

إن الحديث عن خصائص الاستبداد بالعالم العربي من حيث هو نمط تدبير لشؤون العباد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية و… يمكن أن نجملها في ما يلي، مستحضرين المنطق الثلاثي المبني على الأساس والمسار ثم الغاية، أي بمعنى آخر، على أي أساس ينبني؟ وكيف يتم ؟ وما الغاية التي يتغيى المستبد؟

الأساس

إن أهم ما يسم الاستبداد من حيث بنيته، هي الهشاشة، إذ الأعمدة التي يرتكز عليها سواء المادية أو المعنوية، يغلب عليها طابع الانتهازية، والطاعة المصطنعة، والأفكار المقولبة في قالب التبعية والانصياع، فضلا عن صفة الخوف الدائم، بحيث تجد كل من يزمر ويطبل للسياسات الموضوعة للإنجاز، دائما في خوف وخشية دائمة لا تتوقف، إنه إحساس يساوره كلما رأى أو أخبر بحدث سيطيحه عن عرشه، وستقله انتفاضة الشعوب إذا وعت فنهضت نهضة لا رجوع بعدها للسكون والاستكانة، ناهيك عن صفة الاصطناع والإيهام بالحقيقة، إذ السياسات التنموية حينها تعد بمثابة قوالب تبدو لك من الخارج كجنات النعيم، لكن ما أن تقترب إليها، فتفكك بنيتها حتى تجدها خاوية جافة، لا ماء يسيل فيها، لأن المنبع جف فجفت معه القنوات، إنها الإرادة الغائبة والإلحاح بالإيهام بأن استثناء قد وقع.

المسار

إذا ضعف الأساس، فسيضعف كل شيء يأتي بعده، فالاستبداد يتم عبر قنوات متعددة وبآليات شتى، لذلك وسمت هذا بسمة الشمولية، بحيث أن السياسات المنخورة لا تدع مجالا إلا ومسته، ووطأته، وقوضته من بنيته القيمية والفكرية الصافية، فهذا إعلام لا يعكس لا ملة ولا دينا، لا يحترم لا القريب ولا البعيد، ما في الأمر إلا أفكار مؤدلجة تمرر، وسموم قيمية تقدم، أما في الثقافة والاجتماع والاقتصاد فلا يخطر ببالك وأنت تصف المشهد، إلا عمق الأزمة وفظاعة الكارثة، استغلال فاحش للموارد، توجيه المجتمع صوب الوجهة الخادمة للمصلحة الشخصية، ناهيك عن الاستئثار بالقرار.

بالإضافة إلى خاصية أخرى تتمثل في أن الأنظمة الاستبدادية مما يميزها أن التدبير يكون فيها غير مؤسساتي ويتحكم فيه الأفراد بعيدا عن القانون وكل ما يشي بالمراقبة والمحاسبة. فتقصى بذلك الأفكار وتسود عقلية الفكرة الواحدة والرأي المقدس والمبجل.

أما عن الآليات المتوسل بها، فلا تهم من حيث طبيعتها إن كانت شرعية أو غير شرعية، فالهدف منها يبقى استبدادا مستداما، محل التنمية المستدامة، التي لم توفر لها أدنى الشروط ألا وهي القضاء على الفقر. إلى جانب ثقافة الإشراك والقبول بالرأي المنافي للرأي القائم.

الهدف

يبدو واضحا للغاية وهو استمرار الاستبداد، وإضعاف العدو وزرع ثقافة الخوف والتبعية لدى المواطن، ومن ثمة تدجينه بحيث لا يبالي بأي شيء ولا يكترث لأي قرار فيكون آنذاك المستبد قد أطفأ شعلة قد تحرقه، وتزيحه عن الرغد الذي يتنعم فيه بدون رقيب ولا حسيب.

في الأخير أريد أن أشير إلى أن الاستبداد لا ينتج إلا وهما في كل شيء، ولا تنمية يمكن أن ننتظرها داخل فضاء تغيب فيه الإرادة الحقيقية، مما يجعلنا نفكر في الموضوع بشكل جدي ومسؤول، من خلاله تجتمع الإرادات للتصدي القوي لهذا البلاء الذي حل بالأمة.