تفاعلا مع البيان الأخير الصادر، يوم 9 فبراير الجاري، عن اللجنة التحضيرية لحزب الأمة، والذي دعا فيه إلى تشكيل قطب ديمقراطي ممانع للاستبداد، أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الأستاذ عبد الكريم كريبي، عضو اللجنة التحضيرية لحزب الأمة، حول دواعي هذا النداء، ومضمون هذا الطرح، وإمكانيات تحققه. هذا نصه:

دعوتم في بيانكم الأخير، الصادر عن اللجنة التحضيرية لحزب الأمة يوم 9 فبراير الجاري، إلى تأسيس “قطب تاريخي ديمقراطي ممانع للاستبداد”، لماذا؟

لابد من مقدمات أساسية للجواب على سؤالكم:

أولها أن تجارب ربيع الثورات أثبتت أن إسقاط أنظمة الاستبداد هو شرط أساسي لبناء ديمقراطي سليم تكون فيه الكلمة للإرادة الشعبية لكنه ليس شرطا كافيا (condition necessaire mais insuffisante)، ذلك أن بناء دولة التعاقدات يبدأ أساسا ببناء مجتمع التعاقدات، إذ التعاقد المجتمعي الأفقي سابق على التعاقد العمودي لبناء الدولة الديمقراطية؛

ثانيها أن الانتقال إلى الديمقراطية يبنى بتوليفة مثلى بين التوافق المجتمعي وبين الاحتكام لصناديق الاقتراع، فهذا الانتقال لا ينبغي أن يختزل فقط في صناديق الاقتراع التي قد تغيب نتائجها أطرافا أساسية في بناء تعاقدات مجتمعية متينة، ولا تختزل فقط في التوافق المجتمعي الذي يغيب رأي الشعب والمجتمع وإرادته الحرة، إذن لبناء متين وصلب لديمقراطية واعدة في الوطن ينبغي المزاوجة بين هذين الأساسين: التوافق المجتمعي والاحتكام إلى صناديق الاقتراع؛

ثالثها أن إسقاط الاستبداد يتطلب سعيا حثيثا بين كل القوى الحية المنحازة لمعسكر الشعب والإرادة الشعبية الحرة أن تلتزم بدرجة عالية من النضج والمرونة، وترويض مطالبها الجزئية من أجل الالتفاف حول المطالب الكبرى المشتركة، بمعنى أن ينتقل وعيها الداخلي من التركيز على تناقضاتها الخاصة إلى التناقض الرئيسي الذي يجمعها مع كل الأحرار المتضررين من الاستبداد، والتناقض الرئيسي أعني به الاستبداد ومنتجاته في الفساد والتبعية.

على قاعدة هذه المقدمات سيكون الجواب: فنحن دعونا إلى قطب تاريخي ديمقراطي ممانع لأننا نعتبره نواة بناء تلك التعاقدات المجتمعية حول مختلف القضايا الكبرى أولا، ولأننا نعتبره أداة التوافق المجتمعي ثانيا ولأننا أخيرا نعتبره وعاء المشترك النضالي الذي سيجنبنا الخوض في التناقضات الثانوية ويجمعنا حول التناقض الرئيسي الذي هو الاستبداد وملحقاته في الفساد والتبعية.

ما هي الضمانات أو الشروط التي يمكن الاستناد إليها لنجاح هذا القطب الممانع المقترح في إحداث التغيير المطلوب؟

قبل الحديث عن الضمانات لابد أولا من الحديث عن الخطوات الأولية لنجاح تشكيل هذا القطب وتبدأ في تقديرنا ب:

أولها: التواصل، حتى تتبين الرؤى والمواقف وتتحرر مجالات الاختلاف والاتفاق؛

ثانيها: حوارات مسئولة وشفافة بين مختلف قوى وفعاليات هذا القطب المنشود؛

ثالثها: السعي نحو تنظيم مناظرة وطنية، أو اعتماد أي آلية أخرى، على أن يكون العنوان الرئيسي هو ميثاق هذا القطب التاريخي الديمقراطي الممانع.

أما الضمانات فيمكن إجمالها أساسا في وثيقة هذا التعاقد أي ميثاق القطب الذي قد تسفر عنه الخطوات التمهيدية الثلاث، كما نعتبر أن التزام الأطراف الأخلاقي مسؤولية وضمانة.

قلتم بأن هذا القطب ينبغي أن يؤسس “على تفاهمات تاريخية جامعة على مستوى التصور والأداة والأداء”. ما المقصود بهذه الثلاثية: التصور والأداة والأداء؟

أولا: التصور

نقصد بالتصور الجواب المشترك العام حول أمهات قضايا الإصلاح والتغيير بالمغرب (نذكرها هنا على شكل تساؤلات):

• ما هو الدستور الذي نريد؟ من حيث أسسه وركائزه وليس من حيث تفصيلاته؛ (ديمقراطي شكلا ومضمونا، وما هو الشكل المقترح لصياغته: مجلس تأسيسي أم حوار وطني أم الاثنين معا، هل نركز على مطلب الشكل ونترك المضامين من حيث النظام الدستوري المنشود إلى حين تحقق مطلب الشكل؟…).

• طبيعة الدولة، هل نريد دولة مدنية أم دولة تيوقراطية أم دولة عسكرية بوليسية أم دولة مدنية ديمقراطية؟

• شكل الدولة، هل نريد دولة مركزية يعقوبية، أم دولة فدرالية، أم دولة الجهات أم دولة الخلافة؟

• شكل النظام، هل نريد نظام الملكية التنفيذية أم الملكية البرلمانية أم الجمهورية؟

• قضايا المرأة.

• قضايا الحريات.

• مكانة الدين ودروه في الشأن العام.

ثانيا: نقصد بالأداة آلية النضال:

ما هي صيغة النضال المشترك التي نريد، هل نريد جبهة شعبية أم كتلة تاريخية أم كتلة تاريخية ديمقراطية؟

ثالثا: نقصد بالأداء شكل النضال:

هل نريد نضالا ثوريا يستحضر السياق ويعتمد الشارع فقط أم نريد نضالا سياسيا يلتزم بالنسق ويعمل من داخل المؤسسات القائمة فقط أم نريد نضالا يجمع بين أطروحة السياق وأطروحة النسق؟

وفي آخر هده النقط نعتقد أن الحوار والالتقاء لن يلغي الاختلافات، لكن هذه التفاهمات تسمح باستيعاب الاختلافات وتنفيس الألغام المحتملة، إلا أن هناك نوعا من الاختلاف يجب مواجهته بقوة، وهو كل اختلاف يؤدي إلى التشتيت… فهنا يجوز الاحتفاظ بالحق في اعتبار من يثير هذا النوع من الاختلاف أداة من أدوات التشتيت المخزني.

في نفس السياق سبق لجماعة العدل والإحسان أن دعت إلى فكرة “الميثاق”، وسبق لمحمد الجابري أن طرح فكرة “الكتلة التاريخية”. ألا تلمسون أن هناك عوائق في مكان ما تحول دون الاجتماع على مثل هذه المبادرات والدعوات؟

أظن أن بادرة العدل والإحسان في طرح الميثاق بادرة محمودة وتعبر عن حسن نية وقصد في سعيها نحو تكتل مشترك من أجل الإصلاح، لكن نعتقد أن طرح الفكرة لا يكفي بل يلزمه سعي نحو بلورة عملية للمضمون والمنشود، وهذا الأمر ظل متعذرا إذ أضحت فكرة الميثاق كما فكرة الكتلة التاريخية (مع ملاحظة سندرجها لاحقا حول فكرة الكتلة التاريخية) أضحيتا صيحات في واد بدون سعي للتنزيل، أما الكتلة التاريخية فلنا فيها تفصيل وتقدير، إن طرح الكتلة التاريخية كما عبرت عنها فكرة الجابري رحمه الله، هو طرح أراد أن يجد جوابا جامعا للشرخ الحاصل بين الإسلاميين والعلمانيين، في حين أننا نقترح قطبا تاريخيا يتجاوز ذلك التصنيف الإيديولوجي ويركز على التصنيف على أساس المواقف من الإصلاح والتغيير الديمقراطيين، إذ قد يكون الطرف إسلاميا لكن مواقفه العملية والقولية مخزنية ومتخاذلة، وقد يكون الطرف علمانيا ويساريا وتكون مواقفه العملية والقولية لصالح معسكر الاستبداد المخزني، فالتصنيف على الأساس الإيديولوجي لبناء القطب هو تصنيف مجانب للمأمول من هذا القطب.

كيف يمكن تجاوز هذه المعيقات من وجهة نظركم؟

لابد من مبادرة فعلية لتنشيط هذا “التصامم” الحاصل بين قوى الحراك أولا وكل الفعاليات التي تلتقي حول ضرورة إسقاط الاستبداد المخزني دستوريا وسياسيا وبنيويا ثانيا، والمبادرة الفعلية تبدأ بالخطوات الثلاث التي سبق وأن ذكرنا: التواصل الحوار ثم المناظرة الوطنية.

أبديتم استعدادكم لدعم كل حراك يحقق مطالب الشعب التاريخية في إسقاط مركب الاستبداد والفساد والتبعية، أليس لديكم تخوف من أن يتوقف قطار أي حراك جديد بسبب اختلاف منطلقات وأهداف ورؤى الأطراف التي تقوده؟ وكيف يمكن تجاوز هذا المحذَر؟

نحن أكدنا في البيان وكذلك من خلال حضورنا في آخر لقاء للمجلس الوطني لدعم حركة 20 فبراير على ضرورة السعي الحثيث نحو تشكيل قطب تاريخي ديمقراطي ممانع، واعتبرنا أن هذه الخطوة من شأنها أن تزخم الحراك الشعبي العشريني وغير العشريني، وبدونها سيظل الحراك الشعبي بدون بوصلة سياسية جامعة وبلون سياسي وإيديولوجي أحادي غالب عليه وبدون عمق شعبي، لكننا في نفس الوقت لسنا مع التخلي عن نبض الشارع والانسحاب من الحراك الشعبي، وفاء للمطالب التي انطلق منها منذ تظاهرات 20 فبراير والتي لم تتحقق عمليا لحد الآن، ووفاء لشهداء الحراك ومعتقليه وكل المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي والعقيدة، ووفاء للشعب المغربي الذي هب في تظاهرات 20 فبراير بعدما فتحت له أبواب أمل الإصلاح والتحرر من الاستبداد والفساد والفقر والبطالة والظلم والتخلف وكل الكوابيس الاجتماعية والسياسية والدستورية التي عانى منها لعقود من الزمن.

البعض يقدم واقع الثورات اليوم في بلدان الربيع العربي ليُخوف من أن كل تحرك وحراك وطلب للتغيير قد يدخل المغرب هو الآخر في مسار الاقتتال والنزاع والتفتيت. هل هذا التخويف له ما يبرره؟

نعم له ما يبرره إذا ما لم يتوازى هذا الحراك مع قوة سياسية مشتركة داعمة له تتركز في القطب الذي نادينا بتشكيله والذي يكون مؤسسا على تفاهمات تاريخية في التصور والأداة والأداء كما بينا في جواب سابق.

هل من خارطة طريق يقترحها حزب الأمة لمعركة تغيير ناجحة في هذا البلد تسقط الاستبداد والفساد وتؤسس للحرية والعدالة والكرامة؟

خارطة الطريق بالنسبة لنا تتشكل من ثلاثة أضلع، الهدف والآلية والمبتدأ. فالهدف هو إسقاط مركب الفساد والاستبداد والتبعية، والآلية هي كتلة تاريخية ديمقراطية والمبتدأ هو الحوار بين القوى الداعمة للحراك الشعبي عشرينيا كان أو غير عشريني، شريطة أن يكون ضد أي تسوية مع مركب الفساد والاستبداد والتبعية أي مواجها لأية تسوية مع المخزن وفريق عمله وداعميه الدوليين.