ابتغاء تسهيل العمل الإداري عبر اعتماد العمل الرقمي بدل العمل الورقي، وبهدف إحلال الصرامة الميكانيكية الآلية محل الروتين اليدوي المجهد، وتقليص هامش حضور الهوى وزيغ الذمم الفاسدة، والمراهنة على مروءة الإداريين ونزاهتهم، وكذلك سعيا لتسهيل مواكبة المسيرة الدراسية للأبناء من قبل الآباء وأولياء الأمور من أي بقعة على وجه البسيطة عبر شبكة الإنترنت، قررت وزارة التربية الوطنية تنزيل برنامج “مسار” بشكل صارم وصادم، وذلك بغية توفير فضاء عمل يمكن من تدبير التمدرس والاستفادة من كافة الخدمات الإلكترونية على مستوى كل مؤسسة وتوفير خدمات الكترونية للتلاميذ والآباء وأولياء الأمور من أجل رصد وتتبع تمدرس فلذات أكبادهم.

يبدو من النظر إلى الأهداف المقررة آنفا أن برنامج “مسار” يمثل حلا نموذجيا لإصلاح التعليم المغربي المنكوب، ولكن بالوقوف على واقع المدرسة العمومية وأولويات الإصلاح الأكثر إلحاحا واستعجالا يغدو برنامج “مسار” حلا “مثاليا” بالمعنى الفلسفي الطوباوي الحالم والمفارق للحقيقة والمتعالي على الواقع هربا من بؤسه وفداحته وقتامته التي يكتوي بلظاها أبناء الطبقة المستضعفة الذين يقضون جوعا وبردا وفقرا وجهلا.

إذ كيف لتعليم دأبت التصنيفات الدولية وآخرها تقرير منظمة التربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) على وضعه في ذيل القائمة التي تتضمن دولا لا تداني المغرب أمنا أو استقرارا أو ثروات أو موارد بشرية أو بنيات تحتية أن يفكر في تنزيل صيغة إصلاحية كبرنامج “مسار” قبل أن يفكر في إنقاذ نفسه من منطقة التخبط والهلكة بتلمسه طريقا يبسا تخلصه من بين شقي الرحى.

وكيف لتعليم هذا تصنيفه وهذه مكانته أن يعتمد برنامجا إلكترونيا على الشبكة العنكبوتية يجعله متاحا ومكشوفا وشفافا أمام القاصي والداني في ما يشبه نشر الغسيل الذي يدعو الأمم إلى الضحك من جهلنا، فيسخر الأغيار ويشمت الأعداء ويشفق الخلان ويلوم العذول.

ألم يكن من الأولى النظر إلى بؤس تعليمنا وغياب الجودة فيه، وإلى ضعف وتهالك بنية مؤسساته في قراه وحواضره، ومحاربة ارتفاع نسبة الأميين التقليديين والجدد، ومحاربة الفوارق الاجتماعية فيه ومن خلاله، ومواجهة الهدر المدرسي والاكتظاظ الذي يئد آمال المدرسين وينسف أحلام المتعلمين ويحيلها سرابا، والدفاع عن المدرسة العمومية المستهدفة لصالح التعليمين الخصوصي والأجنبي، أو التعليم العمومي المدعوم بالساعات الإضافية والذي لم تظهر الوزارة الوصية جدية في التصدي له، فأضحت المؤسسات مجازر وسلخانات بعد أن زالت القيم الماسكة لسماء الأخلاق أن تقع في أرض الفساد والرداءة والدوابية.

ألم يكن من الأجدى العمل على جعل التعليم المغربي بحق رافعة للتنمية بدل تكريسه مرتعا للريع التربوي، والعناية بجودة الفضاء المدرسي، وتنشيط الحياة المدرسية، والتصدي لمظاهر العنف، وتدشين سياسة تواصلية وطنية حول إصلاح واقعي وحقيقي، ومحاربة تدني المؤشرات العامة لنجاح المدرسية العمومية، من خلال ضمان وتعميم إمكانية الولوج إلى المدرسة العمومية والمساواة في فرص التعلم والاستفادة من الإمكانيات اللازمة لتعليم جيد ومنتج لا توهن عزم أهله الحادثات والطوارق، وتوفير الكفاءة وتطويرها باستمرار، والرفع من جودة المناهج والمقررات والوسائل التعليمية التي لم تعد تناسب العصر حفاظا على عروة المجانية من الانتقاض وعقد التعميم من الانفراط؟

أولم يكن من الضروري تقييم حصيلة الثلاثة عشر عاما الماضية والوقوف على مكامن الخلل ومحاسبة المقصرين والمتخاذلين، ومن تورط في نهب المال العام، وتشخيص الأسباب الحقيقية المؤدية إلى التراجع المخيف في اكتساب الكفايات الضرورية في التعلمات الأساسية، واعتماد مقاربة منهجية واضحة تعتمد بيداغوجيا محددة ومفعلة على أرض الواقع، وليس كما كان مع الكفايات التي لم تعرف الأجرأة الفعلية على مستوى الممارسة الفصلية أو إعداد وتأليف المقررات أو على مستوى معايير التقويم، وكذا ما حصل مع بيداغوجيا الإدماج التي وئدت في مهدها وبدأت شمسها في المغيب قبل إشراقها.

باستحضار ما سبق ذكره هل يمكن أن يكون برنامج “مسار” بدعا من الإصلاحات، وهل يكون العصا السحرية التي تنتشل التعليم من مستنقع الرداءة والارتجال، وهل ينجح هذا البرنامج في سلوك مسار ينجيه من الإلغاء والتجاوز بعد بذل الجهد وهدر المال واستنفاد التكوينات، وتراكم الدلائل والوثائق المصاحبة، وهل يجسد هذا البرنامج التخلص من الركون إلى الخبرة الأجنبية التي لا تراعي الخصوصية المغربية؟