ما زال ملف جماعة العدل والإحسان من حيث الأسلوب المخزني في التعاطي معه معيارا وطنيا واقعيا لمدى صدق الخطاب السياسي والحقوقي الرسمي أو كذبه. فالمتتبع لما يتعرض له أعضاء جماعة العدل والإحسان من انتهاكات حقوقية جسيمة، وخروقات قانونية مهينة، وظلم بلا حدود، عابر للزمان والمكان غير آبه بالأعراف والأديان، ولا يستثني النساء ولا الصبيان، يتجلى له (أي المتتبع) زيف الشعارات المرفوعة، والأوهام المصنوعة والوعود الموضوعة!

ليخلص المصنف إلى أن كل ما نسمع ونرى من السياسات القاتلة، والقرارات الجائرة، والخطط الفاشلة، والأحكام الظالمة إنما دفع إليها استرضاء فئات من الناس على حساب الحق، وتملق آخرين ولو بخراب الوطن، والتخلص من حرج اليوم ولو بتحميل الغد الخسائر كلها.

ومن “بركات” الوضع المشار إليه أعلاه ما شهده إقليم الرشيدية من خرق أخرق، وذلك لما أحرزت السلطة هناك السبق وانفردت بخرق الفصل 636 من قانون المسطرة الجنائية فحركت مسطرة الإكراه البدني في قضية سياسية بامتياز: جلسة لأعضاء جماعة العدل والإحسان ببيت أحدهم لتلاوة القرآن الكريم ومدارسته.

نعم القرآن الكريم! فهم يعلمون جيدا كما نعلم نحن أنه كيمياء الحياة والإحياء، ومادة الصلاح والإصلاح لذلك يجهدون أنفسهم لإبعادنا عنه وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ الأنعام 26. ونـأبى إلا التمسك به فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ الزخرف 43. يتوسلون إلى ذلك بالتضييق والاعتقال، وإصدار أقسى الأحكام أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ الطور 40. وبالمقابل نواجه ذلك كله بالتوكل على الله والصبر والاحتساب، فنؤثر السجن على أداء الغرامة، ولا غرابة!!

فقد قال سيدنا يوسف عليه السلام: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ يوسف 33.

والحبس ما لم تَغْشَهُ لِدَنِيَّةٍ *** تُزْري فنعم المنزل المُتَوَرِّدُ
بيت يجدد للكريم كرامةً *** ويُزَارُ فيه ولا يزور ويُحْمَدُ
أَمِن السوية يا ابن دين محمد *** خصم تقربه وآخَرُ تُبْعِدُ
ويكفي أن يقارن المؤمن بين توعدهم وموعود الله عز وجل ليسهل عليه الاختيار. والموفق من وفقه الله نسأله العفو والعافية!

توعدهم: اجتماع – اعتقال – محاكمة – إدانة (سجن، غرامة).

موعود الله: اجتماع – قرآن ومدارسة – أربعة أوسمة: ربانية، مغفرة، جنة، كرامة.

فمن المقرر شرعا ومنطقا وتاريخيا أن تهوين هذا الشأن والتهاون فيه يسهم في صناعة الاستبداد وتفريخ المستبدين. فالعلاقة طردية بين ذل الناس وطغيان الحكام.

فالقانون لا يطبق تلقائيا، وإنما يحترم بمعرفة الناس له والمطالبة به والتضحية من أجله وإلا لا حر بوادي عوف) كما يقولون.