كذلك الكبار والمقتدرون لا يكون موتهم سكونا وجمودا وتحنطا، وإنما محطة بارزة ومعلمة مشرقة لطرح الأسئلة وإعادة صياغة الإشكالات وتقويم المراحل واستيعاب الدروس واستشراف المستقبل.

إن رحيل الشرفاء وذوي المروءات والفضلاء كان دائما وسيبقى منارة لجمع الشتات ورأب الصدع والتخلص من الأنانية والخروج من قفص “الفردية المنهجية” إلى فضاء “النزعة الفعلية” بتعبير السوسيولوجي الفرنسي “ريمون بودن”.

إن ما قرأته -إلى حد كتابة هذه السطور- من مقالات حول فقيد المغاربة -رحمه الله وجعل الجنة مأواه- لم يتجاوز أصحابها، مشكورين، الإشادة بالرجل وذكر مناقبه الكثيرة: من تعفف وتجرد وتخلّق وجمع بين الممارسة والتنظير وبين أصالة الهوية والانفتاح… وذلك من حق الرجل علينا ولا ريب؛ ولكن أيكون ذلك مبلغنا من قيمة الرجل ونضاله؟ أكان مشغولا بخويصة نفسه بعيدا عن هموم مجتمعه حتى ننكبّ على شخصه ولا نتعداه إلى فضاء رحب كان يرنو إليه بنظارتيه حسّا ومعنى؟

أهذا ما كان يطمح إليه من مخالطته وتأطيره وتكوينه وكتاباته على قلتها، ونضاله المستميت الصابر المتـئد وإيثاره البقاء في بلده رغم ما عرض عليه؟

إني لأرغب أن تلامس أسئلتي هذه صفاء أذن شريحتين، كان الفقيد -رحمه الله- ينتمي إليهما على حد سواء “السياسيون” و”علماء الاجتماع” لتكون وفاته قفزة جديدة تحطم الحواجز بين السياسيين وتبعدهم عن مناقشة سفاسف الأمور وصغارها، إلى مطارحة عظام الأمور وأصولها، ولدكّ الأوهام بين إسلامييها ويسارييها وليبرالييها من جهة؛ وبين علماء الاجتماع ومدرسيه والمهتمين به من جهة ثانية. وكأنني به -رحمه الله- يناديهم على لسان محمد عزت حجازي ويقول ومع أننا نسّلم بما يجد الباحث الاجتماعي نفسه في مواجهته من قيود وتحريمات تحدّ من حريته في الاختيار فإن الأمر الواضح هو أننا لم نستفد من القدر من الحرية المتاح لنا بطريقة سليمة وكفوءة، ونظن أن ذلك يرجع إلى عدم وضوح الرؤية الذي يترتب على الانحياز الاجتماعي والاختيار الإيديولوجي للغالبية من المشتغلين بالعلم، والذي يؤدي إلى العجز عن التمييز بين الهموم الاجتماعية الأساسية والمشكلات الفردية أو الفئوية التافهة الضيقة) 1 .

ولينادي الفئتين معا مرشدا لهما على اللسان نفسه … ولكننا لا نظن أن الخلاص ممكن بمجرد تنشيط جهدنا الفكري وتثويره، وإنما يتطلب الأمر بالإضافة إلى ذلك ومعه عملا سياسيا لتغيير الواقع. صحيح أن صفوة المثقفين ـ والمشتغلين بعلم الاجتماع منهم بخاصة ـ هم من الطلائع التي يمكن أن تشارك في العمل من أجل التحول، ولكن جهدهم سيظل محدود الفاعلية حتى يكون جزءا من حركة عامة للتغيير الشامل) 2 .

إن أقوى سلاح لدى السوسيولوجي هو سلاح السؤال، الذي يخترق الحواجز والطابوهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، السلاح الذي يزداد قوة وفعالية كلما تقوى بالأطر النظرية الفعالة والأصيلة لا المتمركزة حول الذات، وتحصّن بالوسائل المنهجية الملائمة والنفّاذة.

وأقوى سلاح لدى السياسيين هو الفعل والموقف الذي يتأسس عن جواب لسؤال يتخطّى المآرب الشخصية، ويتمثل المصلحة العامة حاضرا ومستقبلا، ويكون الوضوح والمسؤولية منطلقه، والصدق والإخلاص دافعه، والحقّ منتهي غايته.

إن خير ما نعزّي به أنفسنا في مقتدرينا وفضلائنا هو أن تكون وفاتهم بعثا لروح جديدة في أمتهم تكون أول شرارتها أسئلة مزعجة تقضّ مضجع خمولها أو استسلامها أو أحكامها المسبقة…


[1] د. محمد عزت حجازي، نحو علم اجتماعي عربي، الأزمة الراهنة لعلم الاجتماع في الوطن العربي، مركز الدراسات العربية ط 2 ص 24.\
[2] المصدر نفسه ص 41.\