رأينا في الحلقة السابقة كيف كتب الحاج إبراهيم الرسالة وقرأنا ما كتبه في الرسالة، ولنا الآن أن نعرف -في هذه الحلقة- ما وقع بعد أن بعث الرسالة.

لقد كان يتصور أنه بعودته إلى بيته وقد أكمل المهمة التي شغلته وأرقته سيرتاح. لكنه أخطأ التقدير. كل ليله وهو يفكر ويراجع قراءة الرسالة من ذاكرته، فلقد حفظها من كثرة ما كتب ثم شطب، ثم عاد فكتب فما لبث أن شطب وهكذا، إلى أن أغلق الغلاف وبعثها. تناسلت في ذهنه الأسئلة وراودته الظنون واعترته الحيرة. أَتَصِلُ الرسالة إلى السي عبد السلام أم تختطفها في الطريق إليه أيدي المخابرات الآثمة؟ وهل يقرؤها وينشرها، أم يركنها ضمن الأرشيف ويحفظها؟ وهل يقبله الإخوة ويحتضنونه أم يعتذرون له ويصرفونه؟ وهل وهل…؟

وبعد أن أعياه التفكير وأجهده الأرق وتعب من كثرة التقلب نتيجة تجافي جنبه عن مضجعه، هاهو فجأة يتذكر كلاما نفيسا دار بينه وبين الأستاذ ياسين، عند زيارته الثانية له بحضور السيد أحمد الملاخ.

– الله أكبر كيف نسيت هذا؟ أم كيف غاب عني؟! ألم يكلمني عن الاستخارة؟! ألم يدلني على كيفية القيام بها؟! ألم يقل لي ونحن نتذاكر عن كيفية اختيار من ننضم إليهم ونعزز صفهم ما قال؟! نعم أتذكر كلامه وكأني الآن أسمعه:

أمامك إحدى ثلاث طرائق للنظر والبحث فيمن تخاللهم وتصحبهم وتتعاون معهم للقيام بأمر الله والدعوة إليه. فالأمر موكولٌ إليك:)أول طريقة أن تعتمد على موازينك المسكينة وتزن بها من يُشار عليك بصحبته. تجيء بمواصفات مسبقة وَقَرَتْ في فهمك، فربَّما تتصور هذا الوارثَ الكامل النائبَ في مقام الدعوة إلى الله على صورة ما يشبه الملائكة، فكن على ثقة أنك لن تعثر على شيء ولو انقطع عمرك في السياحة شرقا وغرباً تحمل معك تلك الموازين المسكينة. ذلك أن أولياء الله أصنافٌ ومراتبٌ وألوانٌ)، وربما يفوتُك الفَوْت حين تتخطّى رجلا عاديا في مظهره لا يُؤبَهُ له، وهو من هو. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن أبي هريرة:)“رُبَّ أشعث أغبرَ مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبرَّه”.

الحاج إبراهيم الشرقاوي رحمه الله\

. الطريقة الثانية أن تجرِّب ثم تجرب، تنخرط مع هؤلاء ثم تذهب إلى هؤلاء حتى تعرف من نفسك هل عثرت على من ينطبق عليهم نصح ابن عطاء الله: لا تصحب من لا ينهض بك حاله ولا يدلك على الله مقاله).

. وثالثة الطرائق أن تدع الاعتماد على غير الله، وأن تبحث وأنت تحمل معك ميزان الشرع، لكن لا مخرجَ لك من البحث التائه إلا أن تقف على باب الملك الوهاب الهادي. استخره واستعنه وتوكل عليه ولن تعدُوَ قدرك ومقدورك وسابقتك على كل حال). قال الشيخ عبد القادر رحمه الله: إذا أردت أن تصحب أحدا في الله عز وجل، فأسبغ الوضوء عند سكون الهمم ونوم العيون، ثم أقبل على صلاتك تفتح باب الصلاة بطُهورك، وباب ربِّك بصلاتك. ثم اسأله بعد فراغك: من أصحب؟ من الدليل؟ من المخبر عنك؟ من المفرِّدُ؟ من الخليفة؟ من النائب؟ هو كريم لا يخيِّبُ ظنَّك. لا شك يُلهم قلبك، يوحي إلى سرِّك، يفتح الأبواب، يضيء لك الطريق. من طلب وجدَّ وجد) 1 .

آه لو رأيتم الحاج إبراهيم وهو قائم يصلي على السجاد، يبكي ويتضرع يستخير ربه ويسأله أن لا يخطئ الاختيار، فإنه أخد بالعزيمة وأشهد الخاص والعام في رسالته على أنه يجعل نفسه وما تراكم عنده من جاه ومال ومتاع لخدمة مشروع طموح، ما جاء بمثله من جاء إلا وتعرض للتمحيص والابتلاء. يسأل الله أن يثبته ويعينه وأن يجعل هذا القرار يعود عليه بما ينفعه في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار 2 .

وبعد صلاة الفجر بمسجد السنة، ها هو يعيد الكَرَّة ويُيَمِّمُ كما يمم الأسبوع الفائت نحو المدينة التي لم يفهم إلا هذا الصباح لم تُدْعَى مدينة البهجة، يبتغي زيارة من زيارته -وعلى خلاف دمعة ابن الرومي- تشفي وتجدي 3 . ولم ينس أن يحمل معه نسخة من الرسالة، يستبق بها تلك التي بالبريد أرسلها.

تغيرت رؤيا الرجل للحياة وللناس من حوله. لقد أصبح بصحبة هذا الرجل والذين معه رجلا آخر… أصبح همه كل همه خدمة هذه الدعوة. يسأل الله أن يفتح له في هذا الأمر وييسره له. فلو رأيتموه وهو يذهب من الرباط إلى مراكش ويجيء كما يذهب أحدنا إلى المسجد المجاور ويعود، ولو رأيتموه وهو منكب على تصحيح الصفيحات التي تجود عليه بها المطبعة بعد طول انتظار قبل أن يعود إليها وقد صححها ليطلب المزيد دون أن ينتظر الفراغ من تصفيف العدد بأكمله. أقول التصفيف لأنه آنذاك كانت الحروف تصفف جنبا إلى جنب قبل طباعتها، ويأخذ التصفيف من الوقت أضعاف أضعاف ما تأخذه وسائل الطباعة الرقمية اليوم.

ولو شاهدتموه وهو في سيارته ينقل الإخوان، الملاخ وبشيري وعبادي وآخرين، من مدينة لأخرى، يطوفون على العاملين في حقل الدعوة وعلى أولي العلم والمروءات، يقدمون لهم نظرتهم للعمل الدعوي، ويحاولون أن يجمعوهم على مشروع عمل موحد. ولو تأملتموه وهو في عز الانتشاء والحبور يحمل في سيارته وهما في الطريق إلى مجالس كانت تقام للتذاكر في مشروع العمل الإسلامي بالمغرب، من يحمله هو، وهو في طريقه إلى الله: الإمام المرشد السيد عبد السلام ياسين، الذي لم يكن يسافر إلا في سيارته.

ولو أنصتم، كما قدر لي أن أسمع وأنصت، وهو يتحدث بإكبار واحترام وتقدير وهيام عن “السي عبد السلام” وكيف يصفه، ويجتهد في تحبيبه لمخاطبيه، يرجو بذلك التحاقهم بمشروعه وتأييدهم له، وأن ينفعهم الله بصحبته كما انتفع هو بها، فيفهموا كما فهم هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: “المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل” 4 .

ولو اطلعتم على برنامجه بالليل كما اطلعت عليه شهرا كاملا حين ضيفني في دارته، إذ أسكنني بغرفة مجاورة لغرفته، ولم تكن في تلك الفترة زوجته بالبيت! ساعتان قبل فجر كل يوم تراه متوضئا مقبلا على صلاة إحدى عشرة ركعة جهرا بحيث كنت أسمعه من غرفتي. فإذا أتم وتره وحل السحر، جلس ذاكرا لربه مستغفرا من ذنبه إلى أن يؤذّن بنفسه لصلاة الفجر، فأنهض وأصلي معه، ثم يجلس لورده من القرآن يقرأ حزبين منه، قبل أن يَقيل، وقد ورد في الخبر قيلوا فإن الشياطين لا تقيل 5 .

يتبع..


[1] هذه النقول مستخرجة بتصرف بسيط من كتاب الإحسان، وقد سمعت الإمام المرشد رحمه الله مرات عديدة يذكرها، خاصة مسألة الاستخارة في جوف الليل.\
[2] سورة غافر (آية 51).\
[3] هنا إشارة إلى قول ابن الرومي راثيا ابنه وهو يخاطب عينيه: بكاؤكما يشفي وإن كان لا يجدي ** فجودا فقد أودى نظيركما عندي\
[4] أخرجه الإمام أحمد رحمه الله في المسند عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه.\
[5] أخرجه أبو نعيم رحمه الله في “الطب” عن سيدنا أنس رضي الله عنه. قال الخطيب الشربيني رحمه الله: يسن للمتهجد القيلولة، وهي: النوم قبل الزوال، وهي بمنزلة السحور للصائم.\