أجرى موقع الوحدة أنفو حوارا مع الدكتور محمد سلمي، منسق الهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان، باعتباره باحثا في علم الاجتماع القروي بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، كشف وجها آخر للرجل، سوسيولوجيا بامتياز، غير الوجه الحقوقي الذي عرف به سلمي في الساحة الوطنية باعتباره فاعلا ومناضلا حقوقيا.

الحوار وإن ركز على أوضاع وأحوال مدينة تنغير ووضعها الاجتماعي وتاريخها ومقاومتها، فقد عرض لأفكار عديدة عن السوسيولوجيا ودورها في دراسة المجتمعات والتجمعات البشرية، كما تطرق لشرود الدولة المستمر عن هذه المنطقة وأمثالها (المغرب غير النافع)، وعرج على بعض القضايا والأفكار الجديرة بالقراءة والتأمل.

نعيد نشر الحوار تعميما للفائدة:

نستضيف اليوم الأستاذ الدكتور الباحث في علم الاجتماع القروي بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة السيد محمد السلمي.

في البداية دكتور محمد السلمي أهلا وسهلا ومرحبا بكم سيدي الكريم، ولكم منا أستاذي الكريم ومن جمهور أبناء منطقة تنغير والنواحي كل الشكر والتحية والتقدير على هذا الحوار الذي نتمنى أن يلقى استحسانا وقبولا لدى كل المتتبعين المهتمين والرأي العام المحلي والجهوي والوطني. دكتور السلمي وددنا لو تفضلتم وتكرمتم لو تعطينا لمحة عن مسيرتكم العلمية ومساركم البحثي خاصة في مجال علم الاجتماع الذي هو مجال تخصصكم؟ ثم ماذا تمثل بالنسبة لكم تنغير؟

تحية طيبة لكم ولكافة مناضلي تنغير، وأهل هذه المنطقة كلهم مناضلون جميعا بالقوة وبالفعل إلا من أبى هذا اللقب وهذا التصنيف. تحية لكافة مغاربة ما وراء الجبال، سكان ما سمته الدراسات الكولونيالية ب”المغرب غير النافع” “Le Maroc inutile” وكان كذلك بالنسبة لهم لما تكبده المستعمر من خسائر فادحة دون أن ينال مبتغاه. ليس لدى شخص متواضع مثلي ما يقوله عن نفسه لولا بعض الإشارات التي قد يستفيد منها غيري ممن يقرأ هذه السطور، وسأعود إليها في مناسبة أخرى بمزيد من التفصيل إن تيسر ذلك، لأكشف مسار تلميذ ضمن أول فوج يدشن التعليم الإعدادي بتنغير، ويدشن الباكالوريا بثانوية بومالن دادس، ويتخرج من المعهد الوطني للعمل الاجتماعي بطنجة، ثم من المركز التوبوي الجهوي بذات المدينة، ثم يعود إلى ثانوية زايد أحماد فيكون أول تلميذ من تلاميذها يتخرج فيرجع إليها أستاذا للغة الفرنسية منضما لأساتذتها رفقة أستاذة أخرى للفزياء، قبل أن يلتحق بثانوية سيدي محمد بن عبد الله بأفانور، وبعدها بمركز التوجيه والتخطيط التربوي بالرباط، ويعين مستشارا في التوجيه التربوي بجامعة محمد الخامس، ويواصل مسار التعليم العالي في تخصص علم الاجتماع بدبلوم الدراسات المعمقة، ثم دبلوم الدراسات العليا ثم الدكتوراه، ويلتحق بجامعة ابن طفيل مدرسا منذ انطلاقة شعبة علم الاجتماع بهذه الجامعة سنة 2003. لم يكن التحاقي بالسوسيولوجيا منذ البداية، كسائر الطلاب، بل أتيتها عبر نافذة معادلة لم يحصل عليها في المغرب غيري لحد الساعة. حللت بهذا المجال أحمل تجربة متواضعة من الميدان والإدراة والتربية، والممارسة البيداغوجية، والعمل الجمعوي، ومن العمل السياسي والحقوقي، بالمغرب وفي بلدان أوروبية وأسيوية وإفريقية. كانت أولى بداياتي في البحث الميداني منذ 1985 مع بحث حول القوانين العرفية لقبائل أيت عطا. كنت حينها أزور القايد علي ابن عسو أوباسلام في منزله بتاغيا نيلمشان (بتدغى السفلى)، وكان مرجعا معتمدا عند الباحث الأنثروبولوجي الأمريكي دافيد هارت David Hart، فيما نشره بموسوعة “Les africains” وفي روايته المستوحاة من الثقافة الشعبية لأيت عطا “Dadda Atta and his forty grandsons” وأجريت مقابلات مع من شاركوا وعايشوا معركة بوكافر، وتدريبا بمركز القاضي المقيم بتنغير، وقفت أثناءه على أرشيف هام من سجلات مكتب الشؤون الأهلية للإدارة الفرنسية ” Le bureau des affaires indigènes” ولعله مما نسيت الإدارة الاستعمارية أن تحمله معها ليصبح جزءا من خزانة وزارة الخارجية الفرنسية، ولم يعلم من جاؤوا بعدها بقيمته. وقابلت شيوخا وأعيانا من رجال المنطقة رحلوا عنا الآن حاملين معهم كنوزا من المعارف التاريخية والاجتماعية غير مدونة مع الأسف الشديد، وأخص منهم بالذكر (الشيخ باسو علي السالمي، والشيخ عدي موحى السالمي، وسيدي حمو عبد العليم من تزكي بعد عودته من المنفى، وموحمد أوعدي نايت ساكوش من أيت الفرسي، وهيشو نايت إريح من مسمرير..). لقد كانت تنغير جزءا من كياني، واكبت تاريخها منذ الأحداث الأليمة لسنة 1973، والعقاب الجماعي والحصار الاقتصادي الذي فرض عليها، ومآسي الهجرة إلى الخارج، والفساد الإداري والقضائي، والحيف الضريبي، والإهمال الطبي، وهشاشة بنية التعليم والبنيات التحتية التي تفضحها الفيضانات وحوادث السير المفجعة، وكتبت عدة مقالات عن هذا المجتمع الذي يعيش وينمو بلا دولة، وخصصت أطروحة الدكتوراه لمساهمة المرأة في التنمية بتنغير، كما نشرت دراسة سوسيوأنتربولوجية حول “أعراف الزواج بمنطقة تنغير” ضمن منشورات جامعة ابن طفيل.

الدكتور محمد السلمي كمدخل للحوار بودنا لو نعرج قليلا على دور علم الاجتماع هل يقتصر على الوصف والتحليل، أم يتجاوز ذلك إلى تقديم حلول وإجابات للمجتمع؟

عندما نعود إلى تآليف رواد ومؤسسي السوسيولوجيا الغربيين أمثال سان سيمون Saint-Simon، وهربت سبنسرHerbert Spencer ، وأوكوست كانت Auguste Comte، وإميل دوركهايم Emile Durkheim، وماكس فيبر Max Weber، وكارل ماركس Karl Marx، وغيرهم نجد هموم مجتمعاتهم ومشاكلها بمثابة المحرك والطاقة الدافعة التي توجه بوصلة البحث حتى في عمق أسسه النظرية. وجاء من بعدهم بانخراط أكثر قوة في هذه الهموم عبر الانتماءات السياسية والنقابية والإيديولوجية كما الشأن عند الإيطالي أنطونيو غرامشي Antonio Gramsci صاحب فكرة “المثقف العضوي”، والفرنسي بيير بورديو Pierre Bourdieu، وألان تورين Alain Touraine، وإدجار موران Edgar Morin… السوسيولوجيا- منذ نشأتها- لم تكن ترفا معرفيا، بل دراسة علمية موضوعية للمجتمعات البشرية في حدود الممكن والمتاح. وقد وظفتها الإدارة الاستعمارية لتستنير بها في فهم المجتمعات المُستعمَرة واتخاذ القرارات المناسبة، ووجهت إلى البحث السوسيولوجي خيرة رجال إدارتها الأمنية والعسكرية والمدنية.

المطلع على بعض الإصدارات السوسيولوجية المغربية يجد بأنها حاضرة في كل المجالات؟ وقد طرح السوسيولوجي مارسيل جوليفي مفهوم التداخل التخصصي أو ما يسمى بالتعدد التخصصي معتبرا السوسيولوجيا القروية فرعا من فروع علم الاجتماع؟ كما برز في الأوساط السوسيولوجية الأكاديمية المغربية من يقول ”كلنا قرويون” ولعله محمد جسوس؟ فهل ينطلق علم الاجتماع في التحديد الجغرافي للمجال التمدني- الحضري والقروي- الريفي، من المساحة، أم من عدد السكان أم من محددات ومعايير أخرى؟

لابد من اعتماد معايير دقيقة لتحديد المجال التخصصي لكل علم، ولابد في عصرنا إلى جانب هذه الضرورة من تظافر جهود اختصاصات متعددة للدفع بالبحث العلمي إلى الأمام، سواء تعلق الأمر بالعلوم التجريبية، أو بالعلوم الإنسانية. فالسوسيولوجيا في حاجة إلى العلوم القانونية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، والأنتروبولوجياـ والديمغرافيا والإحصاء واللسانيات واللغات…. أثناء دراستها للبنيات والعلاقات والمؤسسات الاجتماعية. وهذه العلوم بعضها في حاجة إلى بعض. وبتنوع المجالات التي اقتحمها البحث السوسيولوجي تنوعت فروع السوسيولوجيا لتغطي مجالات السياسة والاقتصاد والتعليم والفن والدين والثقافة… وغيرها. وكان لبعض الفروع تميز عن غيرها، إما بوفرة الأبحاث والدراسات المنجزة كما، أو عمقها وتميزها كيفا، وإما بشهرة من ولجها من الباحثين، وإما لوجود دعم من الدولة أومن الدول المهتمة بهذا النوع من البحث أو ذاك كما الشأن بالنسبة للدراسات الكولونيالية، أو دعم إعلامي أو سياسي… وأهم دعم للبحث العلمي أن تستثمر نتائجه لخدمة مشروع مجتمعي تعطي انطلاقته إرادة سياسية جادة في التغيير.

دكتور بصفتكم باحثا ومتخصصا في علم الاجتماع، كيف ترون هذا العنوان البارز: ”تنغير من القبيلة إلى المدينة”؟

مما لاشك فيه أن خبراء السوسيولوجيا الاستعمارية من أمثال إيدمون دوتي Edmond Doutté وجاك بيرك Jacques Berque وروبير مونطاني Robert Montagne وإرنست جيلنير Ernest Gellner لما درسوا البنيات القبلية المغربية، كانت دراساتهم بحثا عن معرفة تيسر الهيمنة، وتمكن للوجود الاستعماري، وتضع حدا لمقاومة شرسة في مرحلة سمتها فرنسا بمرحلة “التهدئة” Phase de pacification، دكت أثناءها الآلة الحربية الفرنسية بطائراتها ومدفعيتها الثقيلة حصون القبائل الصامدة، قبل توقيع الهدنة مع بعضها كما حدث بين الجنيرال هيري Huré وعسو أوباسلام لإنهاء معركة بوكافر، والتفاوض مع من قبل التفاوض…. وباشرت بعد ذلك تعاملها مع الوضع القبلي مستفيدة من بنياته. ثم سارت الإدارة المخزنية بعد الحماية على نفس النهج، جاعلة من القبيلة دعامة أساسية للنظام، ومن شيوخ و”مقدمي” القبائل أعوانا للسلطة. وفي هذا السياق جاء كتاب ريمو لوفو Rémy Leveau “الفلاح المغربي مدافع عن العرش” “Le fellah marocain défenseur du trône”.

ولرصد مسار التحول الذي شهدته المنطقة، لابد من ذكر خلاصة أساسية مفادها أن طبيعتنا البدوية تجعلنا ننبهر بالعمران كلما اتسع، وبالنمو الديمغرافي كلما ارتفع، ونرى في كثرة البنايات والعمارات والسيارات تمدنا يولد نوعا من الرضى الداخلي، والإحساس بالتطور، والخروج من العزلة، وهذا ما عبر عنه ابن خلدون في المقدمة بكون المغلوب مولع على الدوام بانتحال نحلة الغالب. من هذا المنطلق فتنغير المكتظة أزقتها بالسيارات، المتنامي بنيانها وساكنتها بسرعة، تنغير “العمالة”… بخير وعلى خير. لقد انتقلنا من قبيلة الأمس إلى مدينة اليوم. لكن العمق السوسيولوجي، والتحليل الموضوعي لا يقبل هذا التبسيط.

فما الإضافة التي يمكن إذن للسوسيولوجيا بمعاييرها وضوابطها العلمية أن تقدم لفهم تطور المجتمع التنغيري؟

تنغير جزء متخلف، من هذا البلد العزيز المنتمي بدوره إلى عالم متخلف وليقل من شاء قولة الفرنسيين “au royaume des aveugles les borgnes sont des rois” وأقول بلغتنا “نُوفْ كا، يفاغْ كا، ونَّا نُوفْ، تُوفاس المُوت”. إن مقاييس ومؤشرات التنمية أو التخلف لا تؤخذ اعتباطا، وإنما بأضدادها تعرف الأشياء. فمنطقة يتجاوز تعداد ساكنتها المئتي ألف نسمة، ولا تتوفر في الألفية الثالثة على مستشفى واحد يستحق هذا الإسم، به أقسام جراحة وأطباء مختصين، وبه الضروري من التجهيزات والمعدات والأدوية، هذا وحده كاف لإعطاء صورة موضوعية بمقاييس عالمية لمؤشرات التنمية. فلا داعي لإثارة مؤشرات أخرى لمتوسط الدخل، ومستوى المعيشة، ونسب البطالة…. أكيد أن العمران توسع وتمدد، بيد أنه تمدد عشوائي كما الحال في كثير من مناطق المغرب. زحف الأسمنت المسلح بشكل فوضوي على الأراضي الزراعية، ومناطق الرعي، في غياب احترام لتصاميم التهيئة، وفي غياب شبه تام للمرافق العمومية الضرورية، وانعدام كلي لمظاهر جمالية التمدن والعمران، وغياب شوارع شاسعة لاستيعاب النمو السكاني المطرد، إنه الاختناق بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. سببه جشع، وقصر نظر، وغياب مساءلة ومحاسبة، وفساد إداري، وسلسلة من مكامن الخلل في إدارة لم تستطع بعد ضمان التحديث مع صون المصلحة العامة. على مستوى القيم، تهشمت بشكل كبير قيم إنسانية عالية، وأخلاق هي أس الركائز في بناء المجتمعات الإنسانية. لا أقول اندثرت بالكلية، لكن الذي ذهب منها في ظرف زمني قياسي يستحق دق ناقوس الخطر. مجتمع مدني يستحق كل التقدير والاحترام، بإمكانه أن ينوب عن الدولة ويسد عجزها، رغم أن دوره بالأساس في البلدان الديمقراطية مراقبة الأداء الحكومي، وتشكيل لوبيات الضغط للحفاظ على الصالح العام. لكن الهواجس الأمنية للدولة، أبقت على صورتها النمطية التقليدية تجاه أهل المنطقة، فهم في نظرها مصدر للضرائب، وأرضهم خزان مناجم يستفيد منها الكبار، وعمق تفكيرها منصب على آليات تفكيك قيم التضامن بين أهلها، وتوسيع بؤر التوثر والتفرقة، وما حرب أراضي الجموع التي وظفت إبان الربيع الديمقراطي الذي عرفته دول الجوار، إلا سلاح تمت تجربته وتأكدت نجاعته، ثم أرجع إلى المخازن، وسيعاد استعماله عند الضرورة. فهل يعد هؤلاء السكان مواطنون، أم أعداء؟ يبقى السؤال بدون جواب طالما غاب أهل المنطقة عن مراكز القرار. فغيرهم يتكلم دوما عنهم بالطريقة التي يريد.

ومن هذا الآخر الذي يتكلم بالنيابة عن أهل تنغير؟

الجميع من دون أهلها. هل سمعت قط بوزير أو مسؤول حكومي كبير من تنغير؟ أو مسؤول أمني كبير، أو عسكري، أو إداري، أو مستشار، أو سفير؟ أو رجال أعمال كبار؟ هل تتاح الفرصة لشباب المنطقة لإبراز مواهبهم العلمية والفكرية والفنية والرياضية؟ إنه التهميش والحصار والإقصاء الممنهج. وعندما يتكلم الغير بالنيابة عن أهل المنطقة، فالصور النمطية الجاهزة، والأحكام المسبقة الخاطئة، المدعمة -عن قصد أو بدونه- بخلفيات عرقية أو جهوية، وترسبات تاريخية، وتأثير الكتابات والثقافة الاستعمارية الحاقدة…كل هذا قد يحضر فيؤثر سلبا ويكرس وضعا غير موضوعي. القرارات الهامة تتخذ في إطار مجالس ومؤسسات، وقد تكون انفرادية أحيانا، فلا حضور ولا حظوظ هنالك. ومن الممكن جدا أن يؤثر في القرار ارتباط المغرب المتواصل مع فرنسا، التي قد يتأثر مسؤولوها بما يقرؤون عن المقاومة الشرسة لأهل المنطقة، وعن حرب العصابات التي قادها ثوار أبطال ضد الغزو الاستعماري من أمثال زايد أوحماد رحمه الله، وكانت تقاريرهم تنعتهم بالإرهابيين “terroristes”، مع أنهم لم يقوموا بغزو فرنسا، بل هي التي غزت أرضهم.

ألا تر أن مناطق أخرى في المغرب تعيش نفس الوضع؟

بالطبع، لكن بدرجات متفاوتة. ففي المغرب حضور كثيف لعائلات معينة، ولقبائل أو مناطق معينة، في مجالات محددة (في السلك الدبلوماسي، والأمن، والجيش، والمقاولات الكبرى… ومراكز القرار الحقيقية، والمناصب الإدارية العليا..)، وبفعل هذا النفوذ فالتوظيفات، وعقود التشغيل لليد العاملة في الخارج، بل حتى الاستثمارات الأجنبية المهمة توجه إلى مناطق بعينها. إن الملاحظة الأولية للبطالة في المنطقة، تبين أن تنغير تتجاوز المعدل الوطني بكثير، وكان بإمكان الدولة على مستوى الإدارات العمومية أن تتدارك خطأ الجهة التي تستغل الثروة المنجمية بالمنطقة، لتعطي الأولوية في التعيينات والتوظيفات لأبناء المنطقة. وسيكون ذلك خطوة لتفعيل ترسيم الأمازيغية. فإنه بمثابة تعطيل للدستور أن يفرض على المواطنين الأمازيغ بتنغير أن يخاطبوا موظفي الإدارات العمومية ب”الدارجة”وهم لا يتقنونها. وأخطر من ذلك أن يكونوا عرضة للسخرية، وهم يتلكؤون في الحديث مع هؤلاء الموظفين بلغة غير لغتهم. وغير مقبول على الإطلاق أن يعيش المواطن الغربة في بلده. فأول واجبات هذه الإدراة التي يفترض أنها في خدمة المواطن، أن تعلم موظفيها لغة التواصل مع هؤلاء المواطنين. وهذا ما دأبت عليه حتى الدول الأجنبية حينما ترسل موظفيها الدبلوماسيين وغيرهم إلى بلد من البلدان، فما بالك بدولة يعتبر أهل تنغير جزء منها؟

هذا خطاب جد متقدم في الدفاع عن الأمازيغية، أليس كذلك؟

أنا أمازيغي معتز بهذا الانتماء، بلا تعصب. ولم أفوض لغيري أن يتكلم باسمي في هذا الموضوع. وأحاول في هذا الحوار أن تظل أجوبتي موضوعية محايدة قدر المستطاع، إذ لا ينبغي للخطاب السوسيولوجي مهما غاص في هموم المجتمع، ومهما كان انخراط الباحث والتزامه العضوي، أن يتحول إلى بيان سياسي. لا أقحم نفسي في سجال “نكتة أبي زيد” وما شابهها. لكن الموضوع يحتاج إلى تبصر وعمق، وفي القضية حقوق مهضومة، وكرامة منتهكة، وتهميش كبير، قد يشكل خطرا على مصلحة المجتمع.

أنتقل بك لو سمحت إلى موضوع الهجرة، فقد أثار عبد الرحيم العطري في كتابه: ”تحولات المغرب القروي- أسئلة التنمية المؤجلة” مصطلح ”الزماكري”، فهل لهذا المصطلح أو الوصف تجليات في المجتمع التنغيري؟

إنها فرصة لأحيي الصديق العزيز الأستاذ الجامعي الدكتور عبد الرحيم العطري على إنتاجاته القيمة، وحضوره الإعلامي المتميز. أما ظاهرة الهجرة أو “الزماكرية” les immigrés، على وزن “الزوافرية” “les ouvriers” كما عاشتها تنغير فهي في حاجة إلى دراسات معمقة ذات أبعاد سوسيولوجية وأنثروبولوجية واقتصادية وسياسية وسوسيولغوية… كانت واحة تدغى والمناطق المجاورة لها منذ القدم أرضا مستقطبة لهجرات القبائل المستقرة بها. لكن محدودية النشاط الزراعي وشظف العيش فرض على الشباب القادرين على العمل طيلة القرن العشرين رحلة الشتاء والصيف صوب مناطق الأطلس المتوسط “أزغار”، أو في اتجاه ضيعات المعمرين الفرنسيين ب”التزاير” (الجزائر). وأثناء حرب تحرير الجزائر انخرط البعض في الجهاد ضد الاستعمار، وعاد من عاد، وسافر آخرون رفقة المعمرين إلى كورسيكا وجنوب فرنسا… ثم توالت الهجرة إلى فرنسا بواسطة “موغا” (Felix Mora) في ظروف تحيي في الذاكرة مشاهد الرق والاستعباد (ويمكنكم مشاهدة التسجيل التالي بهذا الصدد).

أو بطرق أخرى صوب عدة مدن فرنسية (خاصة مونبليي ونيس وباريس). هاجر الشباب، ثم تزوجوا. وتركوا الزوجات مع الأبناء في حماية الآباء وتحت سلطة الأمهات، داخل أسر ممتدة عششت فيها أصناف المعاناة الاجتماعية. لاشك أن عمل الأب في فرنسا وفر للأبناء “رفاهية” مادية لا تتاح لغيرهم. لكن في المقابل حرمان الأسرة من الأب، وعجز الزوجة عن القيام بالأدوار المنوطة بها، وهدر مدرسي… ومستقبل يتبخر. فكر البعض في التجمع العائلي، فاستقدموا الزوجات والأبناء، وعجز آخرون عن ذلك. وظل حلم الهجرة يراود فئات عريضة من الشباب، لتتشكل في المنطقة ما سميته بالصنف الثاني من هجرة الأدمغة: شباب هنا، ودماغه هناك. ثم تطورت الهجرة السرية التي يسميها الأوروبيون ب”غير الشرعية”. وبعد انسداد الآفاق في ظل الأزمة التي ضربت إسبانيا وإيطاليا، اشتد الخناق وساءت الأوضاع بشكل غير مسبوق. كانت اليد العاملة المهاجرة تدر على المنطقة العملة الصعبة، ثم صارت تدخل السلع المستعملة في تكيف جديد مع وضع صعب للغاية. أما الدولة المغربية فغائبة تماما عن معالجة الوضع، فدماء المهاجرين تفرقت بين عدة مؤسسات مكلفة بالمهاجرين (وزارة الهجرة، مجلس الهجرة، مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، وزارة الخارجية….).