إن المتتبع للواقع المغربي في الآونة الأخيرة سيستشف بما لا يدع مجالا للشك أنه يعيش غليانا لم يسبق له مثيل، وإن كانت الواجهة الإعلامية الممخزنة والمعدة بمقاسات محددة سلفا تخفي بشكل مطلق كل هذا.

إن الواقع المغربي يؤكد من جديد أن مقولة “الاستثناء المغربي” لا تعدو أن تكون وهما وهراء يسعى من يزعمونها إلى تبييض الجدار المرضوضة، وتنميق الواجهة، لكن الأرقام والإحصاءات تنطق بما لا تشتهي سفنهم، والواقع ينطق بحقيقة مرة تقف لهم غصة في حلقهم، فأينما حللت وارتحلت في كل المجالات تجد الكارثة المرة تستقبلك، وبئس الاستقبال.

احتجاجات الأساتذة المقصيين…

لقد شهدت مدينة الرباط لمدة لا تقل عن شهرين احتجاجات متواصلة بشتى الأشكال لمجموعة من الأساتذة المقصيين من الترقية إلى السلم 10 أو 11 حسب الشهادة المحصل عليها، ولا أحد يكترث لهم بدعوى أنهم لا ينضوون تحت أي إطار قانوني أو أن مطلبهم غير قانوني وليس واقعيا. إنها تبريرات واهية طبعا لا أساس واقعي وقانوني يعضدها، فباتت سياسة الأذن الصماء هي المتعامل بها مع هذه الشريحة المحرومة التي ما فتئت تعيش الأمرين منذ أمد بعيد وما زالت، بذريعة أن التعليم ليس قطاعا منتجا، وأنه يخرج المتمردين ذوي ثقافة سياسية ليس في صالح من يتحكمون في دواليب الدولة العميقة.

إن هذا الملف الذي ما زال لم تفك شفراته بعد، يوضح بجلاء أن الدولة بمفهومها الواقعي عاجزة عن التدبير الحقيقي للشأن التعليمي، بل ليس لديها أية إرادة حقيقية لذلك، في مقابل ذلك تحاول جاهدة أن تطفئ كل عريكة متقدة تنير الدرب بعصاها الغليظة وتعنتها المقيت.

انتفاضة تلاميذية تميط الستار عن هشاشة المدرسة..

قد يظن البعض بأن خروج التلاميذ في أشكال احتجاجية، ليس ضد السياسة التعليمية أو ما يسمى ببرنامج “مسار” الذي أطلقته الوزارة الوصية للمتابعة الإلكترونية لكل شؤون المؤسسة، بل فقط لعدم اكتراثهم للدراسة أو لامبالاتهم.

ويظن آخرون أنها سوء فهم للبرنامج الذي يناضلون بحذفه و…

وأقول بأن الاحتجاج التلاميذي الذي عرفته الساحة المدرسية بالمغرب لم يأت من فراغ، بل هو نتاج لأوضاع مزرية تعيشها هذه الفئة، والمتجلية في غياب بنيات تحتية قمينة بتمدرس في المستوى اللائق، وغياب مجموعة من الأساتذة بسبب الملف المشار إليه سلفا، إذ لا يعقل أن تمر سنة ويجتازها التلميذ دون أن يدرس كل المواد… أضف إلى ذلك الاكتظاظ الذي تعاني منه جل المدارس المغربية، فضلا عن غياب الأقسام الداخلية التي بمقدورها إيواء كل التلاميذ بدون استثناء فباتت المحسوبية والرشوة أحيانا هي المتسيدة على عملية الولوج إليها.

إن إمعان النظر في هذه المشاكل التي تزيد التعليم في المغرب ترهلا بينا سيضع الاحتجاجات التلاميذية في خانتها الصحيحة بعيدا عن الأحكام والتبريرات التي لا تترجم حقيقة الواقع.

الأساتذة الجدد ووضعيتهم الغامضة…

تعبيرا عن الرفض والامتعاض لسياسة التماطل واللامبالاة التي تتعامل بها الجهات المعنية حيال حقوقهم العادلة والمشروعة والمتمثلة أساسا في صرف الأجور، وتسوية وضعيتهم القانونية والمالية، وصرف أجور شهري يوليوز وغشت، فضلا عن الترسيم في السلم العاشر، والدرجة الثانية، خاضت مجموعة من التنسيقيات المحلية إضرابات ووقفات أمام النيابات الإقليمية للتعليم. ذلك أنه بعد ما يربو عن ستة أشهر أو ينوف لا أحد من المسؤوليين المعنيين حرك ساكنا واستيقظ من نومه العميق، ليستجيب لأصوات الأساتذة، مما يؤكد على أن التصعيد الاحتجاجي هو السبيل الوحيد للدفاع عن هذه الحقوق حتى انتزاعها.

احتجاجات طلابية متواصلة ومستقبل مخيف…

أصبح الطلبة في واقع “الاستثناء المغربي” لقمة سائغة أمام المشاكل البيداغوجية والاجتماعية والنقابية التي تعج بها الساحة الجامعية، ففي الوقت الذي ينتظر فيه الطالب المسكين والوافد الجديد أن يصنع لنفسه مستقبلا يليق بكرامته وينأى به عن شبح البطالة والمستقبل المخيف، يجد نفسه وسط اضطرابات نفسية لا تنتهي وتوترات سيكولوجية لا يقوى عليها، فتنهزم نفسيته وتتضاءل إرادة المقاومة.

فلا يسلك في أذن الجائع إلا صوت يبشر بالخبز، فكيف لهذا الطالب أن يجد ويجتهد في أتون هذه الأزمات الناعمة التي تعرفها الجامعة؟ وماذا عساه يفعل أمام هذه العواصف التي تهاجمه بين الفينة والأخرى؟

فلا يجد أمام نفسه إلا سبيل النضال والاحتجاج للتعبير عن الامتعاض الشديد والرفض المطلق لكل هذه المثالب المصنوعة لكي تبتر إرادة الطالب وييأس ويدب السأم في نفسيته.

الطلبة الحاصلون على الشواهد العليا، والاحتجاجات المتواصلة…

لو كانت تتحدث شوارع الرباط، لكانت أحسن ناطق رسمي عن المعاناة التي تساور شريحة من خيرة هذا البلد، ذنبهم الوحيد أنهم جدوا واجتهدوا، ليحصلوا في النهاية على شهادات تعبر عن مستواهم الثقافي والعلمي، وإذا بهم يصدمون بأمواج عاتية من المشاكل تتصدى لأحلامهم وآمالهم، وهي أن يحصل على وظيفة تحفظ له كرامته وترجع له قيمته.

ففي الوقت التي ينتظر أن يتم تشجيع البحث العلمي والرقي بالتعليم المغربي، أصبح العكس هو الحاصل تماما، مما يؤكد على أن سكة الحقيقة ما زالت بعيدة عن أصحاب القرار، وأن التغيير الذي يزعمونه وهم مصطنع ما دام قاع الإناء مخروما.

حاصل القول، إن هذه المؤشرات التي تعتبر نقطة في بحر من مظاهر الكساد، تعتبر حقيقة ناصعة عن المشهد السياسي في المغرب، وكل زعم يدحض هذا القول فهو تحريك للمياه الراكدة لا غير.