من بين أهم الخصائص التي تتميز بها كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين، رحمه الله، والفقه المنهاجي الجامع التجديدي الذي نظر له وقعد أصوله: الشمولية؛ فما من قضية، أكانت تربوية أو سياسية، إلا وتلقى في “النظرية المنهاجية” الإحاطة الشاملة، والدراسة المستوفية لجميع عناصرها الضرورية، دون إغراق في التفاصيل المملة، ودون المعالجة السطحية السريعة الفضفاضة المؤدية إلى نتائج ناقصة.

إن الإمام المجدد، رحمه الله، يحترم طرق البحث العلمي الأصيل في التأليف، المبني على معالجة القضايا قصد الدراسة معالجة علمية متكاملة، فهو يجمع ويرصد المعطيات كاملة، ويقوم بتحليلها وإعطائها التفسير المناسب، والأقرب للمنطق العقلي الاستدلالي، ليستخلص العبر ويتوقع النتائج دون إجحاف ولا مبالغة.

لقد طرحت قضية “الإسلام والغرب” تحديا كبيرا أمام المثقفين والأكاديميين والعلماء وغيرهم، في الطرف الإسلامي والغربي على حد سواء، فقد انقسم “الإسلاميون” في نظرتهم للغرب إلى قسمين رئيسيين:

– القسم الأول عالج القضية بتركها، فهو يعتبر الغرب شيطانا أكبر، ومنبعا للشر، راعيا للكفر ومُصَدرا للإلحاد، فلا يجوز التعامل معه، داره دار حرب، ينبغي مقاتلته ومجاهدته، ولهذا الطرف جزء من الصواب، خاصة من الزاوية السوداء التي ينظر منها؛ فهو يرى الجزء الفارغ من الكأس الأوروبية، التي تتميز بشيء مما ذكر من قبل، فالغرب يتعامل مع المسلمين باحتقار، ولا يزال يستبيح أرض المسلمين واقتصادهم وأعراضهم، والأمثلة أكثر من أن تذكر في هذا المقام، والتي توضح بما لا تدع مجالا للشك أن الحرب منظمة وممنهجة ضد الإسلام والمسلمين، فالأحوط، حسب اعتقادهم، اعتبارهم كأعداء، مفروض على المسلمين مواجهتهم ومعاداتهم، خاصة مع التحالف الجديد الصليبي – الصهيوني المعادي للسلام والإسلام والمسلمين.

– القسم الثاني وقف منبهرا بما وصلت إليه الحضارة الغربية من تقدم في جميع المجالات، فهو يحاول يائسا نقل التجربة الغربية وتطبيقها في البيئة الإسلامية، واعتماد المنهج التجريبي المعتمد على العقل، في مقابل محاولة تقديم صورة عن الإسلام “علمية” للغرب، خاصة في ما يتعلق بالغيبيات، ويدفعون عن الإسلام كل “شبهة غيبية” لا تستقيم والتفسير العلمي العقلي الاستدلالي الذي يؤمن به الغرب؛ إن التفسير “العلمي التجريبي” للغيبيات يفرغها من رسالتها وجدواها، فهي – الغيبيات – تتطلب إيمانا مجردا دون الخوض في مدلولاتها وأسبابها ونتائجها، حتى لا يصل الباحث إلى أسئلة لا إجابة عنها، ويقع في المحظور المؤدي للفلسفة “الكفرية الإلحادية”، وهذا هو أصل المعاناة التي يتخبط فيها الفكر الأوروبي، وفي نفس الوقت هو المدخل لإسماع نداء الفطرة للإنسانية الشاكة البعيدة عن الله تعالى، المتشوقة للبحث عن أسئلة لطالما أرقتها ولم تجد لها إجابة شافية، تخرجها من ظلمة الجهل بذاتها ومهمتها في هذه الحياة. إن الغرب محتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى فهم الإسلام فهما سليما خاصة الأمور الغيبية.

في مقابل هذين القسمين، انبرى بعض المهتمين إلى معالجة هذه القضية الشائكة من زاوية أكاديمية معينة، اقتصادية أو تاريخية أو حضارية أو دينية، وهي وإن قدمت رؤية علمية للقضية، وعالجتها بموضوعية، وقدمت دراسات مهمة لا يمكن الاستغناء عنها، وأثرت النقاش الدائر حول هذه القضية، إلا أنها تفتقر إلى الشمولية والتفسير السليم للعلاقة بين الطرفين ومحاولة الوصول إلى نتائج واقعية متكاملة.

أما الطرف الغربي فهو يعتبر الإسلام شريعة إرهاب وتخلف، نظرا لما تعانيه الحضارة الإسلامية من تخلف وتبعية تامة للغرب، وقد ظهرت مؤخرا، في تسعينات القرن الماضي، بعد سقوط العذر الاستراتيجي للغرب: الشيوعية، دراستان لأمريكيين تلخصان نظرة الغرب للإسلام:

– الدراسة الأولى للكاتب الأكاديمي فرنسيس فوكوياما في مؤلفه “نهاية التاريخ”، الذي نظَر أن العالم يشهد نهاية التاريخ، وذلك بانتصار الليبرالية على الشيوعية، وسيعتنق العالم كله الليبرالية و”يكفر” بكل العقائد والإيديولوجيات الأخرى، ومنها طبعا الإسلام، وهذه نظرة استعلاء وتكبر وإقصاء للآخر، وقد أغفل أن الحضارة الإنسانية هي تراث مشترك، شاركت وتشارك فيها كل الحضارات، قديمها وحديثها، وأن التاريخ القديم والحديث عرف حضارات أكثر تقدما من العصر الحالي، قادت العالم في فترات زمنية محددة، لكن لم يدّع أحد أن التاريخ سينتهي عند تألق حضارة ما.

– الدراسة الثانية، وهي أقل حدة من سابقتها، تعترف بالحضارات الأخرى وتؤمن بها، لكن توقعت الصراع بينها بدل التعاون، والاختلاف بدل الاتفاق، وهي دراسة “صدام الحضارات ” للكاتب اليهودي صمويل هنتغتون، الذي رأى أن الغرب، وعلى رأسه الولايات الأمريكة المتحدة، ستدخل في صراع حضاري وثقافي مع حضارة معينة، خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط المعسكر الشيوعي، وقد عدد ثمان حضارات يمكن أن تشكل خطرا على الحضارة الغربية، وقد رجح أن تكون الحضارة الإسلامية هي المرشح الأول لمواجهة الغرب. لأن منطق الغرب يستدعي أن يكون له “عدو” لن يستطيع العيش بدونه!!!

لقد أثار الإمام المجدد هذه القضية الشائكة، وحاول رصدها ومعالجتها معالجة مخالفة لمن سبقه، وذلك بإعطائها ما تستحقه من تحليل بعيدا عن “الانفعال الفكري”، ومتحررا من القيود التي قد تؤثر على التحليل العلمي العميق، ومحيطا بكل جوانبها، ومنح القضية إضافة جديدة، قد تساعد الطرف الإسلامي والغربي على تجاوز الحسابات الضيقة لكليهما، والمساهمة في بناء غد مشرق للإنسانية جمعاء؛ فبدأ بنقد الحضارة الغربية نقدا هادئا، قد يشهد الغربيون بوجاهته، وقدم تفسيرا واضحا للعلاقة القائمة بين الطرفين، ونظرة كل طرف للآخر، وبحث بدقة وعمق عن معيقات التواصل، ليستخلص سبل وآليات التعاون بينهما.

توصل رحمه الله إلى خلاصة مهمة، ألا وهي أن الحضارتين متكاملتان، ويحتاج أحدهما للآخر للعيش بسلام في هذا الكون الذي يجمعنا؛ الحضارة الإسلامية بما لديها من شريعة جامعة، وزاد إيماني روحي، سيكون في المستقبل القريب، إن شاء الله، ملاذا وقبلة للإنسان الغربي الذي يعيش العبث في هذه الحياة الدنيا، والحضارة الغربية بما حققته من تقدم حضاري هائل، سيساعد بلا شك الإنسانية على العيش برغد وهناء وتقاسم خيرات الأرض بعدل وسوية.

يتحدث الإمام المجدد إذن عن شعار ينبغي تحقيقه مستقبلا، ألا وهو “أسلمة الحداثة”، وهو أول من استعمل العبارة، ويحدد للتواصل مع الغرب غايات ومعيقات ووسائل وقنوات. وستحاول هذه الدراسة مناقشة هذه الإشكاليات من خلال كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين رضي الله عنه.