خرج الحاج إبراهيم الشرقاوي بعد لقيا الأستاذ عبد السلام ياسين، على غير الوجه الذي دخل به عليه. لقد أحس بسعادة غامرة وارتياح كبير. شعور بالفرح والاطمئنان، وكأنه شحن بهذه اللقيا قلبه بالإيمان. وعلى طول طريق العودة إلى مسكنه بالرباط كان يفكر في الرسالة التي فيها يشهد الأستاذ ياسين وقراء مجلة الجماعة والناس أجمعين، على أنه قرر أن يتوب من ماضي الغفلة عن الله وعدم الاكتراث بأمر المسلمين وأن يعمل مع الأستاذ ياسين ومن معه من المؤمنين على جادة الوضوح والمحجة اللاحبة، وأنه يُسَخِّر لذلك ما من الله به عليه من نفس ومال ومتاع، وما متاع الدنيا إلا قليل.

وطيلة أسبوعه، تفرغ الحاج إبراهيم لكتابة الرسالة، يكتب الفقرة منها، ثم لا يلبث يغيرها بما يراه أفضل وأصوب، ويقرأ في المساء ما كتبه في الصباح فيشطب ويحذف ويضيف. لكنه مساء يوم الجمعة حسم أمره، وقبل أن يقفل مركز البريد أبوابه كان آخر طابع بيع فيه ذاك الذي ألصقه الحاج إبراهيم على غلاف الرسالة الموجهة إلى الصندوق البريدي رقم 763 مراكش وهو العنوان البريدي لمجلة الجماعة.

كان بإمكاني أن ألخص في هذه الحلقة مضمون الرسالة، وأحافظ بذلك على نفس الأسلوب الذي اعتمدته في كتابة هذه الحلقات والتي تهدف أن تُعَيِّشَ قارئها مع الحاج إبراهيم رحمه الله وتعرفه بما بذل في صحبة الإمام عبد السلام ياسين وفي بناء جماعة العدل والإحسان وهي تتلمس خطواتها الأولى في معركة الوجود وترسيخ القدم. لكني وجدت أني -بهذا التلخيص- سأبخس الرسالة حقها وأضيع على القارئ فرصة الاستماع المباشر لهذا الرجل الذي وصفه لي الإمام عبد السلام ياسين بقوله: لقد خبرت الحاج إبراهيم، فوجدته رجلا مكتمل الرجولة)، وهنا يكمن سر تسمية هذه الحلقات بذلك العنوان. أتركك أخي القارئ، أختي القارئة مع نص الرسالة:

طالع أيضا  الحاج إبراهيم الشرقاوي المعتصم.. معالم في سيرة رجل مكتمل الرجولة (3)الحلقة الثانية: مطبعة حين عزت المطابع

“بسم الله الرحمن الرحيم

أخي عبد السلام

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ربما يتساءل البعض لم أكتب إليكم على صفحات هذه المجلة وقد عُرِّفت بكم من قبل وتعرفت عليكم أخيرا، ولعل الجواب واضح لمن يعرف قراءة ما بين السطور. إن الوضوح والصراحة التي تنادون بها في مجلة المسلمين المغربية تفرض على كل وطني مخلص مثلي عرف المواجهة والصمود أمام المستعمر، وعلى كل سياسي مثلي عرف التقلب في الهيئات السياسية الموجودة في البلاد، وشارك في إنشائها، عرف كيف تأسست ثم تفرقت ثم اندثرت أو ستندثر، وعلى كل ميسور مثلي اكتسب ماله من حلال وحاز ثروة لا بأس بها، على كل هؤلاء أن يخرجوا من الصمت الذي كان مفروضا عليهم وأن يعبروا عن انتمائهم لحركة إسلامية جادة وعن ودرجة إيمانهم وتعلقهم بتلك المبادئ التي كانت منطلقا لعملنا بالأمس البعيد والقريب والتي خانتها بعض الشخصيات ممن عرفنا وبلونا أخبارهم وأُطلعنا على نياتهم.

نعم إنها شهادة وطني وسياسي يعتز الآن بأن بقي محافظا على تلك البذرة الطيبة من الإيمان ولو كانت على درجة بسيطة من التعلق بالله. أَلِسذاجة في تفكيري؟ حمدا لله يا رب! على أن أبقيتني على الفطرة، فلم أغتر بالجاه والمال اللذين غيرا كثيرا من رفاقي في الكفاح فلم أرتم قط في بؤرة الخيانة والمحسوبية والوصولية والارتزاق! أم لغاية ادخرتني لها يا رب حتى أكون شهيدا على من تنكر للمبادئ التي جعلت منا نحن الوطنيين أسودا في المواقف لا نخاف المستعمر ولا نُتَاجِرُ على حساب بعضنا ولا على حساب مقوماتنا؟ فهذا فضلك تختص به من تشاء من عبادك. رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه.

إن لي عادات ورثتها من ماض أكسبني تجربة من معرفة الناس وخصوصا في مستويات تشرئب إليها أعناق من يلهث وراء الدنيا، وإن لي تطلعات اكتسبتها من مخالطات كانت مفروضة علي، أريد الآن أن أعرف ما حكم الله فيها وكيف التخلص منها لأتقرب إلى ربي.

طالع أيضا  بين يدي الحلقات التعريفية بسيرة الفقيد الحاج إبراهيم الشرقاوي المعتصم

لن ننخدع بعد هذا، وليستهزئ المستهزئون!

تكونت في المعهد الديني وحفظت ما تيسر من القرآن وانطبع في نفسي رصيد من المبادئ السامية حينما جلست على الحصير ورافقت الضعيف المسكين وتتلمذت للأيادي المتوضئة والقلوب الطاهرة، لكن المدرسة الوطنية، وخصوصا بعد الاستقلال، عوض أن تشجع وتنمي، أفقدتني جزءا منه، فأنستني القرآن وخيبت أملي فيما كنت أعتقده العمل الفعال والسبيل الناجع لحل مشاكلنا التي ازدادت تفاقما واستفحالا لما انعزلت “القيادة الوطنية” عن الشعب وعن شعور الشعب ومبادئ الشعب الذي فقد الثقة في كل من لم ينزل إلى صَفِّه يشاركه الحصير والزيت ويشاركه الآلام والأحزان ويشاطره الآمال والرخاء في مستقبل لن يبنى إلا على المبادئ التي آمن وما زال يؤمن بها.

عرفت إسلام الميسورين، منهم الصادقين المحسنين يتحرقون شوقا إلى إسلام الرحمة مستعدين للتضحية الجادة مع من يرد إليهم الثقة ويفتح لهم مجال العمل الذي يرضى عنه الله ورسوله. وأنا من هؤلاء وأطلب من الله أن يثبت قلبي على ما عزمت عليه.

وعرفت إسلام الصالونات، حيث تكون المناقشة عالية في الفكر لكن واهية من الإرادة، مائعة في السلوك. مُذاكَرَة في الإسلام على الموائد المُنَوَّعة وتلبية للشهوات ولو كانت شبهات ربما أدت إلى الحرام. ترى الرجل يرتشي ويزني ويسرق يدعي الدفاع عن المبادئ السامية للإسلام وهو جالس على أريكته طاعِمٌ كاس يئن من فرط التخمة فيأخذ التلفون ليتصل بطبيبه الخاص قصد استرشاده في دواء يسهل الهضم في الحال.

وعرفت الإسلام الإديولوجي من يسار ويمين، كل يدافع عن انتمائه وتحزبه وعصبيته، وكل منهم يجتمع في قاسم مشترك ألا وهو أنهم جسم أجنبي عن المجتمع، يعيش على الهامش منعزلا عن الشعب بحكم الطبقة التي ينتمون إليها.

طالع أيضا  الحاج إبراهيم الشرقاوي المعتصم.. معالم في سيرة رجل مكتمل الرجولة (7)الحلقة السادسة: من البهجة إلى السَّلْوَة

إنني من هذه الطبقة، لكن مرضي أخف إذ ما زلت أومن بالله ورسوله وأقوم بما كلفني به من شهادة وصلاة وزكاة وصوم وحج، لكني ما زلت الحاج المسلم المترف الذي يشارك المسكين من بعيد. إني أعلم دائي وهو قول الله تعالى: كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى. كم أطرب فرحا حينما أقرأ أن أبا بكر أتى بماله كله لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكم أشعر بجذوة إيمان في صدري حينما أقرأ أن عثمان جهز جيشا للمسلمين. فهل من مرشد في إطار بحث عن الحل الجذري لمشكلاتنا الاقتصادية: فلا ترقيع ولا تمويه؟ جعل الله لنا أموالنا قيما، فلن نوتيها السفهاء، لن نقذف بها ذات اليمين أو ذات الشمال لتعجيل رحى العنف أو تكريس واقع متعفن، لكن سننفقها ولا نكتنزها خوفا من عذاب الله ورجاء فضله.

أيها الأغنياء، إن الفتنة التي نعيشها والعنف الذي شهدنا بوادره في مجتمعنا والتي ستطحننا رحاه في المستقبل إن لم نعرف كيف نتقرب إلى الله بأموالنا، إذ المواقف الغضبية في صفوف المحرومين تزداد يوما بعد يوم ويذكي نارها من لا يخاف الله ومن يهيئ حصاد الناس وإزهاق الأرواح في فتنة حمراء، أيها الأغنياء عوا موقفكم وتوبوا إلى بارئكم باتخاذ موقف من الآن لتهيئة غد رحيم ولقاء رب كريم يغفر الإسراف ويبدل السيئات حسنات: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا (الزمر 53). صدق الله العظيم.

الإمضاء: إبراهيم الشرقاوي المعتصم

يتبع…