أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع الفنان المغربي المبدع رشيد غلام، أحد رموز جماعة العدل والإحسان، حول قضايا الفن والثقافة والربيع العربي.

انطلق الحوار من مشاركته الأخيرة في أوبيريت “كانت إشارة” بأستنبول، وعرج على دخوله إلى الأراضي السورية حاملا المساعدات في قافلة “نبض الحياة 3″، وتقييمه للأداء الفني للربيع العربي، ورأيه في انحياز معظم الفنانين للنظم القائمة، واختتم برؤيته لدور الفنان في صناعة الأمة وحضارتها.

فإلى نص الحوار:

الفنان رشيد غلام، لنبدأ من آخر مشاركة فنية لك في أوبيريت “كانت إشارة”، المنظم في اسطنبول في 24 يناير المنصرم، والداعم للشعب المصري المنتفض ضد الانقلاب العسكري. كيف جاءت الفكرة؟ ومن شارك فيها؟ وما سياقها؟

بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل على سيدنا محمد وآله. أولا أشكر موقع “الجماعة نت” على هذه الاستضافة وأتمنى له إن شاء الله النجاح والاستمرارية والتوفيق.

أوبيريت “كانت إشارة” جاءت مبادرة من فنانين مصريين مقيمين خارج مصر أو بأصح التعبير مُهجَّرين لأنهم جميعا متابعون قضائيا ومهددون بالمحاكمات والسجن، فكروا في أن ينظموا “أوبيريت” عن حدث رابعة في الذكرى الثالثة لثورة الـ25 يناير. اتصل بي الفنان الأستاذ خالد موسى فلبيت الدعوة. دوري فيها هو ما رأيتموه باعتباري واحدا من الفرقة الغنائية التي أدَت وغنّت. وكان احتضان تركيا لهذا الحدث الفني له قيمة أخرى، وكذلك بعض القنوات التي صورته وأذاعته. والحمد لله لقي نجاحا من خلال تعاون جميع المشاركين بدون تنافسية وبدون أنانيات، وهذا هو المرجو والمتوقع منهم.

قبل هذه المشاركة شاركت أيضا في قافلة “نبض الحياة 3″، في دجنبر الماضي، التي توجهت بمساعدات إلى داخل الأراضي السورية. كيف كان شعور رشيد غلام الفنان والإنسان وهو داخل أراضي الشام التي تطلب الحرية؟

قافلة نبض الحياة الثالثة، أنا شُرّفت بأن أكون في وفدها الرئاسي، ولبيت الدعوة وقبلتها من منطلق إنساني، وكما قلت إذا لم يكن للإنسان إلا رمزيته الفنية والثقافية ليساهم بها في التعريف بقضية إنسانية كقضية اللاجئين المهجرين الجياع الذين يموتون بالبرد فيا حبذا الظهر. أن يشارك الإنسان بنفسه وبحضوره فقط هذا جهد المقل. كنت فعلا جد جد متأثر برؤيتي لمعاناة إخواني السوريين في ظروف البرد وأوضاع القسوة، كما كنت جد فخور بأن أكون مشاركا في إيصال المساعدة لهم.

وللتذكير فقافلة نبض الحياة تمتد لنحو سنة، ليست فقط محصورة في الشتاء، بل هناك الآن قوافل تدخل وسيتواصل هذا العمل.

أنا حصل لي شرف المشاركة، وأيضا ما زلت مع القافلة في مبادرات أخرى إن شاء الله قادمة، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا وأن يغفر تقصيرنا في رفع المعاناة والظلم عن إخواننا السوريين المضطهدين.

من فيديو كليب “طالع” إلى أوبيريت “كانت إشارة” إلى قافلة “نبض الحياة 3″… لماذا هذا الانحياز وبهذا الحجم لهذه القضايا؟

(يضحك).. لأنه واجب. الفن هو بطبيعته يعبر عن معاناة الشعوب وتطلعاتها للحرية وللحق وللخير وللعدالة.

لا يعد فنانا من يتغنى بالجمال في الوقت الذي تشكو فيه الناس من الجوع والقتل وغياب الحرية، هذا سيكون نوعا من التدليس والخروج عن الواقعية. وبالتالي دور الفنان، ودور الإنسان أصلا، أن يكون تهمم دائم بحال أمته. الوظيفة الفنية الإضافية على إنسانيته تجعله يوظف فنه وقدراته الإبداعية كي يكون صوتا لمعاناة الشعوب لتبليغ معاناة أمته لتجسيد تطلعاتها لتخليد فعلها التحرري في الأرض، وبالتالي سعيي في هذا المجال في “طالع” و”عاش الشعب” وغيرهما من الأعمال مع سورية وغيرها، والأعمال التي سترى النور بإذن الله هي كلها من الواجب، من واجب الوقت الذي يجب على أي فنان ينتمي لأمته.

هل تشكل هذه المبادرات متنفسا لرشيد غلام بعدما أغلقت وأوصدت الأبواب في وجهه داخل بلده؟

الأبواب كانت موصدة من زمان، ونحن كنا نشتغل من زمان برغم الأبواب الموصدة الموجودة هنا في المغرب، وبالتالي فهذه المبادرات هي من واجب الوقت. أنا كنت أبعد ما أكون عن “الغناء السياسي” و”غناء المراغمة” إن صح التعبير؛ غناء القضية بمفهومها التجادلي، ولكن حتى الآن وأنا أغني عن القضية أغني عنها بشكل جمالي وليس بشكل الخطابة السياسية المباشرة كما في شعر أحمد مطر أو أغاني الإمام وغيرهما. فبالتالي مقتضيات الوقت هي التي جعلتنا نغني في هذه القضايا وليس متنفسا بل كما قلت هو واجب. ثم لأن حكام الاستبداد أحكموا قبضة استغلال الفن والإعلام لدعم التوجه الاستبدادي، وهذا هو الحاصل في مصر وسوريا مثلا.

إخواننا في الحركات التحررية، بالخصوص الإسلاميين، يغفلون الاشتغال بلغة الثقافة والجمال والفن في الدفاع عن قضاياهم والتعبير عن رسالتهم، وأظن أن جماعة الإخوان المسلمين في مصر مثلا انتبهت متأخرة جدا لهذا الأمر، فتصور معي أن جماعة عمرها 85 سنة لا تملك ولا حتى قناة ولو في الخارج، وليس لها نخب وازنة فنية وثقافية وفي مجال الأدب وإن كان لها نخب كبيرة في مجالات أخرى في القانون والتسيير والاقتصاد والسياسة. فللأسف الحركات التحريرية عموما تنكفئ على ذاتها في هذا المجال الفني والثقافي ولا تنتبه لهذه الوسيلة باعتبارها وسيلة هامة جدا في التدافع والتبليغ.

في هذا السياق، وباعتبار أن هذا الحوار عن الفن وعلاقته بالربيع العربي وقضايا الأمة عموما، ما تقييمك للأداء الفني للثورات؛ لألحانها لغنائها لإبداعاتها الفنية؟

إذا تحدثنا عن المستوى الفني المحض هو يفوق المتوسط ويقترب من الحسن، لكن هناك زخم كبير موجود لا زال لم يبلغ رشده؛ لأنه يتلبس بالقضية أكثر مما يلتزم بالجمال، أعني أن القضية يجعلها كثير من الفنانين والمبدعين شافعا في نقص الجمال وضعف الصنعة الفنية، في حين أن الناس تلتصق بالجمال أولا ثم تسمع بعد للقضية.

الآن على أية حال هذا الوضع مقبول تجاه الثورات، كما الحروب من يملك حجرا يضرب به ومن يملك الرمح يفعل ومن يملك السيف كذلك. كل يضرب بما ملك. لكن في قابل الأيام الالتزام ينبغي أن يكون على جهتين، الالتزام بالقضية ولكن قبله الالتزام بالمقاييس الفنية والجمالية بشكل جيد.

في هذا الصدد ما هو الدور الذي ينبغي للفنان أن يلعبه في مسار نهضة أمته؟

الفنان يجب أن ينتمي لهويته ولأمته، يجب أن يتلمس التطلعات الحقيقية والقيم الكبرى ويجب أن يعكسها بلغة الجمال. مستقبل الأمة وصناعة تاريخ الأمة يجب أن يكون للثقافة والفن فيه دور كبير جدا، يجب أن يتشبع الفنانون ويمتلكوا معرفة عميقة بما هي أمتهم وبما هي هويتهم، الكثير من الفنانين ليسوا أصحاب قضية وليسوا أصحاب وجهة وفكر، ويغلب عليهم “التعيش” من الفن واحتراف هذه الحرفة. الفن ليس وظيفة ومهنة، بل الفن دوره رسالي، والفنان صاحب حس جمعي، وصاحب قضية، وصاحب رؤية وجودية للحياة والإنسان. هذه من الأشياء الصعبة التي يلزم أن يتحلى بها الفنان ويصطبغ بها.

ارتباطا بهذا الحديث عن الفنان والقضية، المتتبع لعلاقة الفنانين بما جرى في العالم العربي خلال الثلاث سنوات الأخيرة، يلاحظ بأن أغلب الفنانين المعروفين والمشهورين من ممثلين ومغنين ومسرحيين… قد انحازوا وحافظوا على انحيازهم للنظم المستبدة القائمة، في حين يسجل أن الذي انبرى للدفاع عن ثورات الربيع العربي إما فنانون مغمورون أو آحاد الفنانين المشهورين. لماذا؟

ما زلنا في نفس الموضوع. الاستبداد دائما يصنع نخبه، ليس فقط في المجال الفني بل في مختلف المجالات. دائما كان فرعون وملؤه، الملأ في مجتمعاتنا هم نخب في المجال الثقافي والفني والإعلامي… لذلك إعلام الاستبداد كان دائما يغربل ويختار ليصنع من يتصدر الواجهة في مجال من المجالات، وكان يئد ويقتل كل صوت يغرد خارج سرب الاستبداد. وبالتالي عندما سقط الاستبداد وبدأت الشعوب تتحرر لم نجد إلا هذه النخب التابعة والممالئة للاستبداد، هذا من جهة، ومن جهة ثانية غالبية الفنانين يغلب عليهم الاشتغال في الجانب المهني والمعيشي في الجانب الفني وليسوا أصحاب قضية، ومن ثم بالنسبة إليه أي شيء يتعارض مع عيشه مع رزقه سيكون ضده. لاحظ في مصر، كان أغلب الفنانين يتغنون بمبارك، وعندما ذهب غازلوا الثورة، وعندما جاء الاستبداد العسكري دخلوا في حضن الانقلاب، وعندما ستنتصر إرادة الشعب سيقولون كنا مغلوبين على أمرنا.

في الصورة الأخرى أن يكون فنانو الثورة إما مغمورين أو قلائل فهذا لأن حركتنا التحررية في الوطن العربي جديدة، ومن ثم تبني قضية من قضايا نهضة الأمة غير موجود كثقافة شائعة لدى جيل من الفنانين، ولكن الأكيد أن تحرر الأمة ونهضتها سيأتي بنخبة جديدة أخرى ووجوه أخرى في مجال الفن والإعلام، ولكن لا ينبغي أن يكون ذلك على حساب القيمة الفنية.

أخيرا رشيد غلام، ما هي المفاتيح التي يلزم أن يتمسك بها الفنان ليسهم الإسهام الفعال في بناء نهضة الأمة وتشييد صرحها الفني والحضاري؟

أول شيء هو الالتزام بالقواعد الأساسية للفن؛ إذا كان في الغناء مثلا فله قواعد، له مقومات جمالية، وله تقاسيم وشروط وضوابط. ثم ثانيا يحمل قضية معينة ويصبح منتوجه الفني داخلا في سياق بناء نهضة وحضارة الأمة، حتى الترفيه يدخل في مجال صناعة الأمة.

لا ينبغي للفنان أن يكون فنانا للابتذال وللإخلاد إلى الأرض، ولا أن يكون فنانا دوابيا، ولا إباحيا، ولا متقلب المواقف الفنية والفكرية والفلسفية في رؤية الحياة. فالمادة التي يقدمها الفنان تستمد من أي فكرة؟ من أي نظرة؟ من أي رؤية؟ وتنسجم مع أي قيم وهوية؟ هذا هو السؤال الجوهري.

الفن دائما جزء أساسي من صناعة الحضارة الإنسانية، كما أن الأمم عندما ترقى وتعظم تنتج، كما يقول ابن خلدون، فنا عظيما. فخطأ فادح أن يُتصور صناعة حضارة دون جانب مهم في الإنسانية؛ دون فن وثقافة.

الأمم المتغلبة اليوم، ولأنها تدرك قيمة ذلك، تنشئ مجموعات بحث خاصة لدراسة ثقافة الغير، وكيفية تغيير هذه الثقافة ليعانق ثقافتهم، أو ليستهلك منتوجهم، أو كيلا يعاديهم.

النبي صلى الله عليه وسلم استعمل الشعر في زمانه الذي كان فن وقته، وطلب من الصحابة رضوان الله عليهم أن يذودوا عن الإسلام بشعرهم كما يذودوا عنه بسيوفهم، ففي معنى الحديث “ما بال رجال لا يذودون عني بشعرهم كما يذودون عني بسيوفهم”، فانبرى حسان رضي الله عنه وأرضاه. فنحن ينبغي أن نفهم الوقت الذي نعيش فيه وأساليبه المؤثرة. لذلك، الإمام المجدد عبد السلام ياسين، رحمه الله، كما تحدث عن جهاد التعليم وجهاد البناء وغيرها، تحدث عن “جهاد النغمة” وأهميته وتأثيره.