طفت من جديد المنظومة التعليمية على سطح الأحداث، جاء ذلك من خلال تقرير منظمة التربية والثقافة والعلوم “اليونيسكو” الذي صنف التعليم المغربي ضمن أسوأ النظم التعليمية في العالم، ليطرح أسئلة جدوى ما يعتمد من مخططات الإصلاح، ويطرح السؤال الحقيقي: من هي الجهة المسؤولة عن الاختيارات غير الموفقة التي ترتد خرابا على أجيال من أبناء الشعب في قيمهم ومعرفتهم ومستواهم التربوي والعلمي، وهي الاختيارات نفسها التي كلفت وتكلف خزينة الدولة مبالغ خيالية بالملايير كانت تكفي لاجتثاث الفقر والحرمان الذي تكتوي بلظاه فئات واسعة من الشعب في أحزمة المدن كما في المغرب النائي، حيث يقضي الناس جوعا وبردا، وحيث تلد الحوامل في العراء أو على أبواب المشافي.

كارثية هي الخلاصات التي جاء بها التقرير الأممي عن التعليم المغربي، فهو الأسوأ من بين عشرين دولة في العالم، تُجلِّي ذلك مؤشرات تعميم التمدرس وتنامي الأمية وتكريس الفوارق الاجتماعية ضربا لمبدأ تكافؤ الفرص من خلال استهداف المدرسة العمومية لفائدة التعليمين الخصوصي والأجنبي أو التعليم العمومي المدعوم بالساعات الإضافية التي عجزت الوزارة عن التصدي لها.

لقد استفحلت الأزمة التعليمية، فهي تعاني من معضلات تهدد الاستقرار والتعايش المجتمعيين على مستوى المدخلات حيث لم تستطع الدولة تأمين الولوج للخدمات التعليمية احتراما لأهم حق من حقوق الإنسان، مثلما تعاني على مستوى المُخرجات ممثلة في عدم تأهيل خريجي الأسلاك التعليمية لولوج سوق العمل والانخراط في التنمية. وإذا أضفنا إلى ذلك ما عرفته الساحة التعليمية منذ شهور قليلة من حركات احتجاجية لفئات مختلفة من الشغيلة التعليمية: دكاترة التعليم المدرسي، رجال ونساء التعليم حاملي الشهادات العليا، الأساتذة الجدد خريجي سنة 2013، أضف إليهم شريحة التلاميذ: الحلقة الأضعف والضحية الأولى والأخيرة لإفلاس المنظومة التعليمية. لكل فئة مطالب، وللدولة أسلوب واحد: التجاهل والاستنزاف، وجواب أوحد: التنكيل والسحل.

ترى، تعليم بواقع كهذا، هل يُراهن عليه ليكون قاطرة تنمية؟ رجال ونساء تعليم تتجاهل مطالبهم، ويعاملون بتعنيف وتهديد، ومتعلمون ومتعلمات بتحصيل معرفي ومهاري لم يرق لحد المعلوم بالضرورة مقابل وابل من التمييع وإشاعة الرذيلة وبث الترهل في الإرادة والفكر.

أجيال وأدت سياسة تعليمية غير راشدة آمالها وبخرت أحلامها، وفرص تنمية هُدرت للحاق بركب الدول الراقية، وملايير بذّرت لتحقيق الإصلاح، ولا إصلاح، فمن المسؤول عن هذا الإفلاس والعبث بمستقبل الأجيال والبلاد؟ ما حظ الوزارة الوصية والحكومة الحالية والحكومات المتعاقبة من هذا الفشل والتردي المطرد للنظام التعليمي؟ أم إن الشأن التعليمي سيادي بامتياز تديره المؤسسة الملكية، صاحبة اليد الطولى في الملف، عبر المجلس الأعلى للتعليم باعتباره هيئة دستورية، وتحتكر تحديد التوجهات الكبرى للشأن التعليمي الذي جاء تقرير منظمة التربية والثقافة والعلوم “اليونيسكو” ليدق مسمارا آخر في نعشه؟

إن النظام التعليمي المغربي غدا مرتعا لـ”الريع التربوي”، لن يعرف طريق التعافي مما ينخره من فساد تخطيطا وتدبيرا إلا بهبة إصلاح شاملة تستأصل الفساد وتفكك بنية منظومته؛ وحيث إن التعليم هو بوابة الحرية والكرامة، كما هو رافعة للتنمية تأهيلا للإنسان وتوطينا للتكنولوجيا، يجب أن يتصدر قائمة الأولويات ليتحرر من هيمنة الوصاية ويصبح قضية مجتمعية ينبري لها أحرار أبناء الشعب وفضلاؤه لصياغة منظومة تستجيب لانتظارات الشعب وتطلعاته تحقيقا للحرية والعدالة والكرامة.