سرقة ثورة

لم تكن انتفاضة الشعب المصري في الخامس والعشرين من يناير 2011م بالأمر الغريب عن سنن التحولات التاريخية، فقد كانت الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في مصر مهيأة في أواخر عهد الرئيس المخلوع مبارك ومناسبة لاندلاع ثورة شعبية عارمة، بيد أنها تنتظر حدثا ما يكون بمثابة الشرارة الأولى لانطلاقتها، وهو الأمر الذي جسده سقوك نظام طاغية تونس زين العابدين بنعلي.

غير أن الأحداث المتسارعة بعد نجاح الشعب المصري في التخلص من النظام الديكتاتوري للرئيس حسني مبارك، قد أصابت الكثير من المراقبين بالذهول، وأسدلت على قطاعات واسعة من الشعوب التواقة للانعتاق سحابة من اليأس والإحباط، كما خيم جو من خيبة الأمل في أوساط الضعفاء المستضعفين في بلاد مصر الجريحة بسبب ما نجم عنها من ويلات، خلاصة هذه الأحداث مؤامرات ماكرة محبوكة من طرف أدمغة صهيونية وصليبية نفذها عبيدها من ذوي الذهنية العلمانية البليدة عن طريق القوة العسكرية “العتيدة”، تم تموينها من طرف الأنظمة الخليجية “المخلدة”، أفضت إلى رجوع النظام المطرود إلى سدة الحكم مرة أخرى متلصصا عبر النافذة ليسرق الثورة البهية! ولكل طرف من أطراف المؤامرة مآربه الخاصة، نعود إلى قدر من تفاصيلها لاحقا بإذن الله.

غربال تلو غربال

إن مصاب الشعب المصري جراء هذه المؤامرة مؤلم جدا، والثمن المؤدى لأجل العدالة والحرية والكرامة باهظ جدا، والجرح الغائر في جسد الشعب لا يزال ينزف دما فوارا، ولن يستطيع تحمل تلكم الآلام غير الصابرين في البأساء والضراء، المعتصمين حقا بحبل الله، وعلى قدر إيمانه يبتلى المسلم، وليمحص الله الذين آمنوا ويتخذ منهم شهداء.

والمتفحص لمجريات أحداث الحراك المصري سوف يقف على تمحيصات ميزت معادن الناس، وأفرزت مواقف مختلفة أفصحت عن هوية ذوي القيم الإنسانية النبيلة وطبيعة ذوي الأطماع المنافقة المشينة، بل أضحت فرقانا بين الحق سواء بمعاييره الشرعية أو بالمعايير الدستورية المتعارف عليها إنسانيا، وبين الباطل بكل المقاييس، وأبانت عن سفاهة وسقاطة قوم في مقابل رفعة ومروءة آخرين.

فأولى هذه التمحيصات كان أثناء اندلاع الثورة المنادية بإسقاط نظام مبارك، إذ نتج عن الحراك فريقان، فريق الشعب بتلاوينه الإسلامية والليبرالية والشبابية الذي عانى الأمرين من منكرات النظام التي لا حصر لها، وفريق المنتفعين من النظام المستميتين لأجل حماية مصالحهم، فجندوا لأجل ذلك البلاطجة والمغفلين وكل ناعق من مرتزقة رجال الدين الذين يفتون بحرمة الخروج على الحاكم حتى ولو غش في الحكم وخان، ويدعون لفضيلة الإذعان له حتى ولو باع للعدو الأوطان.

ثاني التمحيصات حدثت في غمار الانتخابات المتنوعة والتي كشفت عن مكونين أساسيين يحملان مشروعين مجتمعيين مختلفين هما المكون الإسلامي بشقيه الإخواني والسلفي المتجذر داخليا، والمكون الليبرالي العلماني المدعوم خارجيا، وقد حسم الشعب المصري ديمقراطيا خياره لصالح المكون الأول في ست محطات انتخابية شهد على نزاهتها الخصم قبل الصديق، لكن المعسكر الخاسر لم يستسغ خسارته، فعمد وبإيعاز من “الدولة العميقة” و”الخارج” إلى عرقلة الجهود الصادقة الحثيثة للحكومة المنتخبة الرامية إلى النهوض بالبلاد، وإفشال مخططاتها التنموية والاجتماعية، مستندا إلى بقايا النظام الذين لا يزال لهم نفوذ قوي في مختلف مفاصل الدولة اقتصاديا وإداريا وماليا وقضائيا وعسكريا، والغرض واضح لا غبار عليه هو تأليب الرأي العام على الحكومة الفتية عندما تعجز عن تلبية منتظرات المواطنين المتطلعين إلى تحسين أوضاعهم المعيشية والاجتماعية بعد الثورة. كان تدبير تلك الأزمات المفتعلة امتحانا عسيرا لحكومة السيد الرئيس محمد مرسي، وفي خضم ذلك البلاء تم تدبير المؤامرة الشيطانية الآنفة الذكر التي نفذها وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، إذ أقدم على انقلاب عسكري رغم أنف الشرعية الدستورية ورغم أنف كرامة الشعب المصري، فقام بعزل الرئيس المنتخب وأعضاء حكومته وأسرهم، وارتكاب جرائم ومجازر في حق أحرار مصر وحرائرها، لا لشيء إلا لأنهم رافضون ل”شرعية” الانقلاب العسكري، ومطالبون بعودة الجيش إلى ثكناته ووظيفته الطبيعية، وإخلاء سبيل السيد محمد مرسي وحكومته المأسورة لتمارس مهامها الدستورية.

وهنا يبدو التمحيص الثالث والأكثر إثارة للدهشة، ومن داخل صف الإسلاميين، حيث وافق حزب النور السلفي على ما سماه السيسي بـ”خارطة الطريق” الانقلابية، وبذلك فرط في عقيدة الولاء والبراء التي لا يكاد يخلو مجلس من مجالس أتباع الحزب من الاستفاضة في معاني هذا المصطلح العقدي، وانسلخ من الشرعية الدستورية لينحاز إلى صفوف البغاة الظالمين، وأقدم على أسوأ من ذلك عندما شارك في ما سمي بلجنة الخمسين لإعادة وضع الدستور، ولم يتورع ولم يجد حرجا في الدعوة إلى التصويت لصالح تلك المهزلة. إضافة إلى موقف حزب النور كان موقف مجموعة من “الدعاة”، الذين ملؤوا الدنيا بالمواعظ والفتاوى، مخيبا، فحين جد الجد وتطلب الأمر مواقف الرجولة استسلموا لصنم السيسي، وعوض تعبئة أنصارهم ومحبيهم لنصرة الحق، عملوا على تنويمهم بفتاوى عزل الفتنة وحقن الدماء، وتخديرهم بعدم منازعة الأمر أهله.

من غربال الثورة الشعبية إلى غربال الانتخابات فغربال الصف الإسلامي في ظل إجرام وفتنة السيسي، ذلك ليميز الله الخبيث من الطيب، ويجعل الخبيث بعضه فوق بعض فيركمه، ويبقى شرفاء أرض الكنانة في الميدان مرفوعي الرؤوس شامخين لا يضرهم من خالفهم، إلا ما يصيبهم من أذى في سبيل الله، صادعين بالحق لا يخافون في الله لومة لائم، ثابتين محتسبين حتى يأتي وعد الله بالنصر المبين، وفك رقاب المظلومين، ويُرِيَ اللهُ عز وجل آخرَ فراعنة مصر من عباده المستضعفين ما كانوا يحذرون.

الراقصون على جراح المصريين

كانت أرض الكنانة مرتعا للصهاينة منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد المشؤومة في عهد الرئيس المغتال أنور السادات، واستمر مسلسل إذلال الشعب المصري خاصة خلال عقود عهد حسني مبارك الذي بلغت به العمالة لأمريكا والدولة العبرية أن شدد الحصار والخناق على الشعب الفلسطيني الأبي، بل وتحالف مع العدو الأول للأمة العربية والإسلامية ضد المقاومة الفلسطينية الباسلة التي تحظى بكل تقدير واحترام لدى العرب والمسلمين، حتى أضحى النظام المصري مكروها جدا ليس من طرف الشعب المصري فحسب، بل من طرف أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم قاطبة، وبالمقابل لقي ودا وترحيبا عند الصهاينة والأمريكان والصليبيين المعاصرين، شأنه في ذلك شأن كل الحكام العرب والمسلمين الخانعين لإملاءات أمريكا و”إسرائيل”، فمن الطبيعي إذن أن يزلزل سقوط مبارك أمن الدولة العبرية، ويثير حفيظة الولايات المتحدة، ويزعج استقرار ملكيات الخليج.

بالنسبة للصهاينة

إن ذهاب نظام مبارك إلى مزبلة التاريخ طامة أمنية بالنسبة للصهاينة، فوصول الإسلاميين إلى دفة الحكم دعم للمقاومة، وسعي حثيث لرفع الحصار والعمل على تحرير الشعب الفلسطيني، ومن ثم فمن الطبيعي أن يسعى الصهاينة بكل ما أوتوا من قوة إلى تقويض التجربة الديمقراطية المصرية التي تمثل عزة الشعب المصري، وإعادة المياه إلى مجاريها العفنة القديمة، ولا ضير من إسالة الدماء البريئة، فالعقيدة الصهيونية تعتبر العرب أفاعي يجب إبادتهم تقربا إلى الله!

بالنسبة لأمريكا

إن سقوط نظام عميل من حجم النظام المصري خسارة استراتيجية تشبه خسارة نظام شاه إيران في أواخر سبعينيات القرن الماضي، ومن شأنه أن يعقد الالتزامات الأمنية للولايات المتحدة تجاه الكيان الصهيوني المدلل، أضف إلى ذلك إمكانية تحول مصر في ظل قيادة إسلامية رشيدة إلى قوة إقليمية هامة ومنافسة لمصالح الدول الكبرى في المستقبل، لذلك فصعود نظام إسلامي في مصر كان ولا يزال خطا أحمر بالنسبة لأمريكا وأذنابها، ولتسل الدماء وليكن ما يكون، المهم لا شيء يعلو فوق مصلحة الأمريكان!

بالنسبة للخليج

إن من شأن نجاح الشعب المصري في بناء دولة قوية متقدمة على كافة الأصعدة بعد انتزاع حريته وكرامته، وبالنظر إلى موقع مصر في العالم العربي، أقول من شأن ذلك أن يحفز دافعية الرغبة في التحرر والانعتاق لدى شعوب الخليج العربية، وهذا ما يهدد عروش الأنظمة هناك، ولذلك فهي تبذل قصارى جهودها وتنفق الأموال لمنع ألسنة لهيب الربيع العربي أن تلفح وجوهها، فها هي تخوض حربا مالية خارج أسوار الخليج لتقوية موقف الانقلابيين ونفوذهم في مصر، ولأجل إجهاض التجربة الديمقراطية، مهما أريق من دماء الأبرياء، بل وهذه الإراقة مطلوبة ومفيدة لكبح جماح كل من سولت له نفسه الخروج عن “ولاة الأمر” في أي مكان!

منة الله

الآن انكشفت حقائق الميدان، طرف ظالم مجرم بميزان الشرع وبميزان الديمقراطية وبميزان المواثيق الدولية وحقوق الإنسان وقوانين الحريات، وطرف مظلوم بكل المقاييس لا ينكر ذلك إلا جاحد يحاول عبثا حجب أشعة الشمس بالغربال، وأنى له ذلك، كما انفضحت الديمقراطية الغربية عندما وقفت تتفرج على ذبح أختها المصرية، وخنست القيم الإنسانية التي تتبجح الدول العظمى بضرورة حمايتها وعلى رأسها كبراء مجلس الأمن الدولي، ولا سند لأحرار مصر إلا الله، فلكم الله يا إخواننا وأحبابنا المضطهدين، وقوى البغي العالمي متواطئة مع الجلادين، وغدا قريبا إن شاء الله يتحقق فيكم ولكم قول ربنا جل وعلا في سورة القصص: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون، اللهم مُنَّ على عبادك الصالحين في مصر بالتمكين والنصر المبين، آمين والحمد لله رب العالمين.