لم يكن الحاج إبراهيم حين أوى إلى فراشه عشية الخميس، -ماذا أقول! وهل بعد غروب الشمس من عشي -بل ليلة الجمعة- لم يكن قد أنهى قراءة مخطوط العدد الأول من مجلة الجماعة بكل موضوعاته وجميع صفحاته، فقد كانت أشغاله وأعماله كثيرة هذا الأسبوع، ولم يكن يفضل له من الوقت للقراءة إلا ما ينتزعه من حصة نومه قبل أن يغالبه النعاس. لكنه هذه الليلة اختار أن يرجئ قراءة المقال الأخير بالمجلة، مقال ذ. الملاخ المعنون: في البحث عن موقف) بصفحاته الثلاثين لينتقل إلى قراءة رسالة شخصية إلى كل مؤمن ومؤمنة، إلى كل مسلم ومسلمة) الذي ختم به الأستاذ ياسين العدد، فحجم الرسالة بصفحاتها الأربع أكثر تناسبا مع ما تبقى من نشاطه الفكري قبل أن يهزمه النوم ويسلس له القياد.

… إن الدنيا، يا أخي ويا أختي تشغلنا عن أنفسنا ومن تم عن الله خالقنا. وكلما تكاثرت مشاغل الحياة واشتبكت وكثرت إغراء المغريات زادت الفرص لكي نغفل عن الله وعن مصيرنا إليه. فحين دعوناك لتكون معنا لجمع صف المسلمين في وجه الكفر والظلم دعوناك لعمل يوقظنا وإياكم من الغفلة عن الله..).

… فمن آنس من نفسه رغبة في تعميق إيمانه فليخرج إلينا من أرض غفلاته خطوة ليسير إلى الله، بعدئذ بكل قوة، بكل وقته وجهوده وموارده، بأفكار واضحة لا بشعارات طنانة، بإرادة عازمة لا بانفعالات حماسية، في سبيل الله، سبيل المحبة بين المومنين، سبيل الشوق إلى الله، سبيل الصدق، سبيل العلم والعمل، سبيل الصبر والجهاد لبناء حضارة تؤوي المومنين وتشع الرحمة على العالمين…).

على وقع هذه العبارات وأخرى على شاكلتها بدأ النوم يدب إلى عيني الحاج إبراهيم، فأغلق المخطوط وأطفأ المصباح ونامت عيناه.

وأثناء نومه رأى الحاج إبراهيم رؤيا، ولم يكن من عادته أن يرى الرؤى في منامه، وحتى إذا ما رآها، فإنه سرعان ما ينساها بمجرد استيقاظه. لكنه هذه المرة رأى رؤيا استقرت في ذاكرته، بل ويتذكر تفاصيلها ودقيق جزئياتها. شغلته الرؤيا واهتم بها أيما اهتمام. اطمأن قلبه إليها وارتاح إلى كونها رؤيا صالحة من الرؤى التي قال فيها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وكما روى ذلك ابن عباس رضي الله عنهما: “إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرَى له” 1 . رؤيا وليست حلما، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم الرؤيا من الرحمن والحلم من الشيطان 2 .

وطيلة يومه لم تشغله المشاغل ولم تحل دون التفكير في رؤياه الحوائل. فعقد العزم أن يعمل على تنفيذ ما تضمنته، فهي في نظره بلغت من الوضوح ما لا يُحتاج معه إلى تأويل ومن الفصاحة ما لا يتطلب التعبير. ولولا ارتباطات عسر عليه تأجيلها لشد الرحال حالا ولم ينتظر حلول نهاية الأسبوع ليسافر إلى حيث ينفذ ما امتلأ يقينا بكونه رسالة جاءته من عالم الغيب.

وفي صبيحة يوم السبت، صلى الصبح بمسجد السنة بالرباط، ويمم نحو مراكش ممتطيا سيارته الفارهة، تطوي له الكيلومترات بعد الكيلومترات، مسرعة به نحو تحقيق ما رآه مناما واطمأن إليه يقظة وصحوا.

وما إن وصل الحاج إبراهيم إلى بيته المراكشي، حيث تقطن أخته السيدة فاطمة، وحط به حقيبة سفره، وحتى وهو ما زال يتبادل عبارات الترحيب وحَمْدِ الله على سلامة الوصول معها، حتى كانت يسراه تمسك بسماعة الهاتف بينما يمناه تقلب صفحات المذكرة التي سجل بها رقم هاتف السيد أحمد الملاخ.

– آلو. سيدي أحمد؟ (وبعد تبادل كلمات الترحاب…)، أنا هنا في مراكش ولقد أجاءني إليها أمر وحيد، أريد أن ألتقي السي عبد السلام، فهل لك في أن تصحبني إليه هذا الصباح؟

– يا للبشارة! إنه خبر سعيد، وسيفرح بزيارتك السي عبد السلام، فلقد كلمته عن لقائنا بالرباط وعن تأثرك برسالة “الإسلام أو الطوفان”، وأبلغته تفاصيل يدك البيضاء -التي لن ننساها لك- في توسطك لطباعة المجلة بعد أن أجهدنا البحث عن طابع، فدعا الله أن يجزيك خيرا واستبشر ورجا الله لعله يؤيد مشروعنا الدعوي بك… إذن نصلي معه المغرب؟

– أوْ قبل ذلك، فإني في عجلة من أمر لقياه؟

– إن لي التزاما مع زائرين يسافرون إلي يصعب علي عدم الوفاء به، ولكن إذا شئت تذهب إليه بمفردك، هذا الصباح، وإن أردت أن تكرر له الزيارة أصاحبك غدا إن شاء الله.

– أفضل هذا، لأني أضمن به زيارتين اثنتين ولحبيبين اثنين في سفرة واحدة، أرأيت -سيدي أحمد- منطق التجارة ورجال الأعمال كيف يكون…؟ (ويضحكان …)، ولكن أين أجده؟

– إنه يسكن دارة ب”الداوديات” قريبا من المسجد، فإذا صليت الظهر هناك ألفيته، أو سألت عنه إمام المسجد أو مؤذنه.

فلم يصل الظهر الحاج إبراهيم إلا بمسجد الداوديات. وفي المسجد كانت اللقيا، فأقبل الحاج إبراهيم يعانق رجلا حتى قبل أن يتأكد منه، فملامحه قريبة من الرجل الذي رآه في المنام، وهو يسأله:

– الأستاذ السي عبد السلام ياسين؟

– نعم هو بذاته، ومن سيادتك؟ عرفني بدورك بنفسك.

صورة أرشيفية للحاج إبراهيم الشرقاوي رحمه الله\

– إبراهيم الشرقاوي المعتصم، أنا من مراكش لكني ارتحلت إلى الرباط منذ قرابة 30 سنة، حيث أمارس التجارة هناك…

– سيدي إبراهيم الشرقاوي الذي التقاه السي أحمد الملاخ بالرباط؟

– هو بذاته، ولقد رأيت -يا سيدي عبد السلام- هذا الأسبوع رؤيا، فاطمأننت إليها وارتاح قلبي لمضمونها، فجئتك أسعى عساك تؤولها لي وترشدني كيف أطبقها. فأجاب الأستاذ عبد السلام ياسين:

– خيرا رأيت، قصها علي هنا بالمسجد لنقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان بمجرد أن ينتهي من الصلاة وهو ما يزال في مصلاه يحكي له الصحابة رؤاهم.

– رأيتني في ساحة جامع الفنا وإذا بك تقبل علي، قدماك على الأرض وهامتك في عَنان السماء، فإذا بك تنحني علي وتسلمني بطاقة، استلمتها فإذا هي مكتوب عليها كلمة واحدة: “العمل”، فها أنذا جئتك تشرح لي ما هو هذا العمل الذي تطلب إلي في عالم الغيب أن أقوم به!

– هذا ما رأيت… ! إنها لرؤيا صالحة، ونتكلم في مضمونها بالبيت فإني أدعوك لتناول وجبة الغذاء معي.

تحرج الحاج إبراهيم من تلبية هذه الدعوة، فلقد باغت الداعي بالزيارة وفي وقت لا يتسع لإعداد الطعام للمدعوين، لكنه لم يكن ليضيع الفرصة التي من أجلها قطع مئات الكيلومترات، فاستجاب على استحياء.

وفي البيت، وعلى مائدة الغداء شرح الإمام عبد السلام ياسين للحاج إبراهيم، مشروعه الدعوي، فهو بعد خروجه من الاعتقال الذي دام ثلاث سنوات ونصف عقابا له على النصيحة المفتوحة التي وجهها إلى الملك الحسن الثاني والتي عرض عليه فيها أن يتوب توبة عمرية، بدأ يفكر في لم شعث شباب الحركات الإسلامية بالمغرب، والتي يُكِنُّ لجميعها المحبة، لكن إطار العمل لإنقاذ الأمة يريد وضوحا في الفكر وجهادا علنيا واسعا، وروحانية عالية. لذا فنريد) – يقول الأستاذ ياسين لضيفه الكريم، نريد أن نجمع الجهود وننبذ كل الخلافات وننظر إلى المستقبل الذي ينتظر منا أن نجمع أولا كلمتنا لننطلق لغد الإسلام المشرق إن شاء الله تعالى) 3 . فإذا كنت تريد أن تعمل معنا فإني والأستاذ أحمد الملاخ ومعنا ثلة قليلة من المؤمنين، قررنا إصدار المجلة التي سخرك الله للإعانة في العثور على من يطبعها، وهي -كما رأيت- تتبنى قضايا الحركات الإسلامية بالمغرب وتعمل على جمع شملها وزرع الثقة والمحبة بين مكوناتها، معتبرين أن لا إيمان لنا إن لم يحب بعضنا بعضا ويثق بعضنا ببعض، ثم لتكون لهم منبرا يتواصلون من خلاله مع المجتمع يعرضون ما معهم من مشاريع الإصلاح لتجنيب البلاد الطوفان ومدلهمات الفتن. فإذا قبلت أخي أسلوبنا في العمل، وقاسمتنا غايتنا وأهدافنا، وعزمت أن تبيع معنا نفسك ومالك لله، واخترت أن تخوض معنا غمار الجهاد في سبيل الله والمستضعفين، فحي على العمل، وكما رأيت في رؤياك التي جئت تقصها علي.

– سيدي الكريم، لقد أحسست، وأنا أقرأ رسالة الإسلام أو الطوفان أو ما خططته في العدد الأول من مجلة الجماعة، بشعور غريب، وكأنك باسمي تتحدث، وشعرت أن الذي بحثتُ عنه عند انخراطي في المقاومة وفي الحركة الوطنية وفي العمل السياسي من داخل الأحزاب والتي شاركت في تأسيس بعضها، شعرت أن كل هذا متوفر في المشروع الذي تبشر به وتدعو إليه. فأنا مستعد لأنضم إليك أنت ومن معك.

– أهنئك على شجاعتك وصدقك، لكن سيدي، ليس قبل أن تستخير الله، وتُشهِدَ كتابة وعلانية على نيتك الانضمام إلينا، فهذا أسلوب الشهادة بالقسط، والشهادة حضور واضح وإعلان بلا غموض عن التزام وعزم ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حيي عن بينة، وهو مخالف رأسا لأسلوب العمل السري. فإذا فعلت، فسننشر شهادتك بالمجلة، إيذانا بانضمامك إلينا وتعضيدك صفنا.

– أفعل إن شاء الله، وعن قريب يحمل إليك البريد رسالتي أو شهادتي بالقسط كما سميتها…

يتبع…


[1] رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.\
[2] أخرجه البخاري من حديث َأبي سَلَمَةَ.\
[3] مقتطف من العدد الأول من مجلة الجماعة (بتصرف يسير).\